صفحة جزء
مملكة السلطان الملك الصالح صلاح الدين صالح بن الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي

في العشر الأوسط من شهر رجب الفرد وردت البريدية من الديار المصرية بعزل السلطان الملك الناصر حسن بن الناصر بن قلاوون; لاختلاف الأمراء عليه ، واجتماعهم على أخيه الملك الصالح صالح ، وأمه بنت ملك الأمراء تنكز الذي كان نائب الشام مدة طويلة - وهو ابن أربع عشرة سنة - وجاءت الأمراء للحلف ، فدقت البشائر ، وزين البلد على العادة ، وقيل : إن الملك الناصر حسن خنق . ورجعت الأمراء الذين كانوا بالإسكندرية مثل شيخون ومنجك وغيرهما ، وأرسلوا إلى بيبغا فجيء به من الكرك ، وكان مسجونا بها من مرجعه من الحج ، فلما عاد إلى الديار المصرية شفع في صاحب اليمن الملك المجاهد الذي كان مسجونا في الكرك ، فأخرج ، وعاد إلى الديار المصرية ، وأما الأمراء الذين كانوا من ناحية السلطان حين مسك مغلطاي أمير آخور ، ومنكلي بغا الفخري ، وغيرهما ، فاحتيط عليهم ، وأرسلوا إلى الإسكندرية ، وخطب للملك الصالح بجامع دمشق يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب ، وحضر نائب السلطنة والأمراء والقضاة; للدعاء له بالمقصورة على العادة .

[ ص: 536 ] وفي أثناء العشر الأخير من رجب عزل نائب السلطنة سيف الدين أيتمش عن دمشق مطلوبا إلى الديار المصرية ، فسار إليها يوم الخميس .

وفي يوم الاثنين حادي عشر شعبان قدم الأمير سيف الدين أرغون الكاملي الذي كان نائبا على الديار الحلبية من هناك ، فدخل دمشق في هذا اليوم في أبهة عظيمة ، وخرج الأمراء ، والمقدمون ، وأرباب الوظائف; لتلقيه إلى أثناء الطريق ، منهم من وصل إلى حلب وحماة وحمص ، وجرى في هذا اليوم عجائب لم تر من دهور ، واستبشر الناس به; لصرامته ، وشهامته ، وحدته ، وما كان من لين الذي قبله ورخاوته ، فنزل دار السعادة على العادة . وفي يوم السبت وقف في موكب هائل ، قيل : إنه لم ير مثله من مدة طويلة . ولما سير إلى ناحية باب الفرج اشتكى إليه ثلاث نسوة على أمير كبير يقال له : الطرخاني . فأمر بإنزاله عن فرسه ، فأنزل وأوقف معهن في الحكومة .

واستمر بطلان الوقيد في الجامع الأموي في هذا العام أيضا كالذي قبله حسب مرسوم السلطان الناصر حسن - رحمه الله - ففرح أهل الخير بذلك فرحا شديدا ، وهذا شيء لم يعهد مثله من نحو ثلاثمائة سنة ، ولله الحمد والمنة .

ونودي في البلد في هذا اليوم والذي بعده عن النائب : من وجد جنديا سكران فلينزله عن فرسه ، وليأخذ ثيابه ، ومن أحضره من الجند إلى دار السعادة فله خبزه . ففرح الناس بذلك ، واحتجر عن الخمارين والعطارين والعصارين ، [ ص: 537 ] ورخصت الأعناب ، وجادت الأخباز واللحم بعد أن كان بلغ كل رطل أربعة ونصفا ، فصار بدرهمين ونصف وأقل ، وأصلحت المعايش من هيبة النائب ، وصار له صيت حسن ، وذكر جميل في الناس بالعدل ، وجودة القصد ، وصحة الفهم ، وقوة العدل ، والإدراك .

وفي يوم الاثنين ثامن عشر شعبان وصل الأمير أحمد بن شاد الشربخاناه - الذي كان قد عصى في صفد - وكان من أمره ما كان ، فاعتقل بالإسكندرية ، ثم أخرج في هذه الدولة وأعطي نيابة حماة ، فدخل دمشق في هذا اليوم سائرا إلى حماة ، فركب مع النائب في الموكب ، وسير عن يمينه ونزل في خدمته إلى دار السعادة ، وترجل بين يديه .

وفي يوم الخميس الحادي والعشرين منه دخل الأمير سيف الدين بيبغا الذي كان نائبا بالديار المصرية ، ثم مسك بالحجاز وأودع الكرك ، ثم أخرج في هذه الدولة وأعطي نيابة حلب ، فتلقاه نائب السلطنة ، وأنزل دار السعادة حتى أضيف ، ونزل وطاقه بوطأة برزة ، وضربت له خيمة بالميدان الأخضر .

التالي السابق


الخدمات العلمية