صفحة جزء
[ ص: 261 ] فصل في قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ، مهاجرة من مكة إلى المدينة بعد وقعة بدر بشهر ، بمقتضى ما كان شرط زوجها أبو العاص للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم

قال ابن إسحاق : ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلي سبيله - يعني كما تقدم - بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه ، فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب ، فتصاحباها فتأتياني بها فخرجا مكانهما ، وذلك بعد بدر بشهر - أو شيعه - فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها ، فخرجت تجهز . [ ص: 262 ]

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال : حدثت عن زينب أنها قالت : بينا أنا أتجهز لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت : يا ابنة محمد ، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ قالت : فقلت : ما أردت ذلك . فقالت : أي ابنة عم ، لا تفعلي ، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ، فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال . قالت : والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل . قالت ولكني خفتها ، فأنكرت أن أكون أريد ذلك . قال ابن إسحاق : فتجهزت ، فلما فرغت من جهازها قدم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهارا يقود بها ، وهي في هودج لها ، وتحدث بذلك رجال من قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والفهري ، فروعها هبار بالرمح ، وهي في [ ص: 263 ] الهودج ، وكانت حاملا - فيما يزعمون - فطرحت ، وبرك حموها كنانة ، ونثر كنانته ، ثم قال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما . فتكركر الناس عنه ، وأتى أبو سفيان في جلة من قريش ، فقال : يا أيها الرجل ، كف عنا نبلك حتى نكلمك . فكف ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه ، فقال : إنك لم تصب ، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس إذ خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا ، أن ذلك عن ذل أصابنا ، وأن ذلك منا ضعف ووهن ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا من ثؤرة ، ولكن ارجع بالمرأة ، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسلها سرا وألحقها بأبيها . قال : ففعل . وقد ذكر ابن إسحاق أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك :


أفي السلم أعيار جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء العوارك

وقد قيل : إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر ، بعدما قتل منهم الذين قتلوا .

[ ص: 264 ] قال ابن إسحاق : فأقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقدما بها ليلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى البيهقي في " الدلائل " من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه ، لتجيء معه ، فتلطف زيد ، فأعطاه راعيا من مكة ، فأعطى الخاتم لزينب ، فلما رأته عرفته ، فقالت : من دفع إليك هذا ؟ قال : رجل في ظاهر مكة . فخرجت زينب ليلا فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هي أفضل بناتي أصيبت في قال : فبلغ ذلك علي بن الحسين بن زين العابدين ، فأتى عروة فقال : ما حديث بلغني أنك تحدثه تنتقص فيه فاطمة ؟ فقال عروة : والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة حقا هو لها ، وأما بعد فلك أن لا أحدثه أبدا . قال ابن إسحاق : فقال في ذلك عبد الله بن رواحة ، أو أبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف - قال ابن هشام : هي لأبي خيثمة - :


أتاني الذي لا يقدر الناس قدره     لزينب فيهم من عقوق ومأثم [ ص: 265 ]
وإخراجها لم يخز فيها محمد     على مأقط وبيننا عطر منشم
وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم     ومن حربنا في رغم أنف ومندم
قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه     بذي حلق جلد الصلاصل محكم
فأقسمت لا تنفك منا كتائب     سراة خميس من لهام مسوم
نروع قريش الكفر حتى نعلها     بخاطمة فوق الأنوف بميسم
ننزلهم أكناف نجد ونخلة     وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم
يد الدهر حتى لا يعوج سربنا     ونلحقهم آثار عاد وجرهم
[ ص: 266 ] ويندم قوم لم يطيعوا محمدا     على أمرهم وأي حين تندم
فأبلغ أبا سفيان إما لقيته     لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم
فأبشر بخزي في الحياة معجل     وسربال قار خالدا في جهنم

قال ابن إسحاق : ومولى يمين أبي سفيان الذي عناه الشاعر ، هو عامر بن الحضرمي .

وقال ابن هشام : إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي ، فأما عامر بن الحضرمي ، فإنه قتل يوم بدر .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي إسحاق الدوسي ، عن أبي هريرة قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها ، فقال : " إن ظفرتم بهبار بن الأسود ، والرجل الذي سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار " فلما كان الغد بعث إلينا ، فقال : إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يحرق بالنار إلا الله ، عز وجل ، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما . تفرد به ابن إسحاق ، وهو على شرط السنن ولم يخرجوه . [ ص: 267 ]

وقال البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن بكير ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث ، فقال إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار ثم قال حين أردنا الخروج : إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا ، وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما

وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره ، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة ، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش ، فلما قفل من الشام لقيته سرية ، فأخذوا ما معه ، وأعجزهم هربا ، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح ، وكبر ، وكبر الناس ، صرخت من صفة النساء : أيها الناس ، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع . فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أقبل على الناس ، فقال ، أيها الناس ، هل سمعتم الذي سمعت ؟ . قالوا : نعم . قال : أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم ، وإنه يجير على المسلمين أدناهم . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 268 ] فدخل على ابنته زينب فقال : أي بنية ، أكرمي مثواه ، ولا يخلصن إليك ، فإنك لا تحلين له . قال : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه ، فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا ، فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة ، فأعطى كل إنسان ما كان له ، ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما . قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت . ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن إسحاق : فحدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، زينب على النكاح الأول ، ولم يحدث شيئا . وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق ، وقال الترمذي : ليس بإسناده بأس ، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث ، ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين . [ ص: 269 ]

وقال السهيلي : لم يقل به أحد من الفقهاء ، فيما علمت . وفي لفظ : ردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين . وفي رواية : بعد سنتين بالنكاح الأول . رواه ابن جرير ، وفي رواية لم يحدث نكاحا . وهذا الحديث قد أشكل على كثير من العلماء ، فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر ، فإن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة ، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة ، فإن أسلم فيها استمر على نكاحها ، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها ، وزينب ، رضي الله عنها ، أسلمت حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهاجرت بعد بدر بشهر ، وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست ، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان ، فمن قال : ردها عليه بعد ست سنين . أي من حين هجرتها ، فهو صحيح ، ومن قال : بعد سنتين . أي من حين حرمت المسلمات على المشركين ، فهو صحيح أيضا ، وعلى كل تقدير ، فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها ، فكيف ردها عليه بالنكاح الأول ؟ فقال قائلون : يحتمل أن عدتها لم تنقض ، وهذه قصة عين يتطرق إليها الاحتمال . وعارض آخرون هذا [ ص: 270 ] الحديث بالحديث الأول الذي رواه أحمد والترمذي ، وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد بنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد .

قال الإمام أحمد : هذا حديث ضعيف واه ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب ، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي ، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئا ، والحديث الصحيح الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما على النكاح الأول .

وهكذا قال الدارقطني : لا يثبت هذا الحديث ، والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول .

وقال الترمذي : هذا حديث في إسناده مقال ، والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة ، وهو قول مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .

وقال آخرون : بل الظاهر انقضاء عدتها ، ومن روى أنه جدد لها نكاحا فضعيف ، ففي قضية زينب ، والحالة هذه ، دليل على أن المرأة إذا أسلمت [ ص: 271 ] وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك ، بل تبقى بالخيار ، إن شاءت تزوجت غيره ، وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان ، وهي امرأته ما لم تتزوج ، وهذا القول فيه قوة ، وله حظ من جهة الفقه . والله تعالى أعلم .

ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال : نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن . حدثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا هشام ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلونهم ويقاتلونه ، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه ، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر ، فإذا طهرت حل لها النكاح ، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه ، وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين ، ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد . هذا لفظه بحروفه ، فقوله : فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر . يقتضي أنها كانت تستبرئ بحيضة ، لا تعتد بثلاثة قروء ، وقد ذهب قوم إلى هذا . وقوله : فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه . يقتضي أنه ، وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة ، أنها ترد إلى زوجها الأول ما لم تنكح زوجا غيره ، كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 272 ] وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية