صفحة جزء
[ ص: 428 ] ذكر الصلاة على حمزة وقتلى أحد

وقال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجي ببردة ، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم ، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة . وهذا غريب وسنده ضعيف .

قال السهيلي : ولم يقل به أحد من علماء الأمصار .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا عطاء بن السائب ، عن الشعبي ، عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين ، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر : إنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله : منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم [ آل عمران : 152 ] فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به ، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة ; سبعة من الأنصار واثنين من قريش وهو عاشرهم ، فلما رهقوه قال : رحم الله رجلا ردهم عنا قال : فقام رجل من الأنصار [ ص: 429 ] فقاتل ساعة حتى قتل ، فلما رهقوه أيضا قال : رحم الله رجلا ردهم عنا . فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه : ما أنصفنا أصحابنا . فجاء أبو سفيان فقال : اعل هبل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا : الله أعلى وأجل . فقالوا : الله أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم . ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر يوم لنا ويوم علينا ، ويوم نساء ويوم نسر ، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا سواء ، أما قتلانا فأحياء يرزقون ، وقتلاكم في النار يعذبون . قال أبو سفيان : قد كانت في القوم مثلة ، وإن كانت لعن غير ملأ منا ، ما أمرت ولا نهيت ، ولا أحببت ولا كرهت ، ولا ساءني ولا سرني . قال : فنظروا ، فإذا حمزة قد بقر بطنه ، وأخذت هند كبده فلاكتها ، فلم تستطع أن تأكلها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أأكلت منه شيئا ؟ قالوا : لا . قال : ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار . قال : فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه ، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه ، فرفع الأنصاري ، وترك حمزة ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه ، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة . تفرد به أحمد . وهذا إسناد فيه ضعف أيضا من جهة [ ص: 430 ] عطاء بن السائب . فالله أعلم .

والذي رواه البخاري أثبت ، حيث قال : حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ، ثم يقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير إلى أحد قدمه في اللحد وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصل عليهم ، ولم يغسلوا . تفرد به البخاري دون مسلم . ورواه أهل السنن من حديث الليث بن سعد به .

وقال أحمد : حدثنا محمد ، يعني ابن جعفر ، حدثنا شعبة سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري ، عن ابن جابر ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قتلى أحد : فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة . ولم يصل عليهم .

وثبت أنه صلى عليهم بعد ذلك بسنين عديدة قبل وفاته بيسير ، كما قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا زكريا بن عدي ، [ ص: 431 ] أخبرنا ابن المبارك ، عن حيوة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين ، كالمودع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر فقال : إني بين أيديكم فرط ، وأنا عليكم شهيد ، وإن موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال : فكان آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه البخاري في مواضع أخر ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي من حديث يزيد بن أبي حبيب به نحوه .

وقال الأموي : حدثني أبي ، حدثنا الحسن بن عمارة ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : قالت عائشة : خرجنا من السحر مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد نستطلع الخبر ، حتى إذا طلع الفجر إذا رجل محتجر يشتد ويقول :

لبث قليلا يشهد الهيجا حمل



قالت : فنظرنا ، فإذا أسيد بن حضير ثم مكثنا بعد ذلك ، فإذا بعير قد أقبل ، عليه امرأة بين وسقين . قالت : فدنونا منها ، فإذا هي امرأة عمرو بن [ ص: 432 ] الجموح فقلنا لها : ما الخبر ؟ قالت : دفع الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذ من المؤمنين شهداء ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا . ثم قالت : لبعيرها : حل . ثم نزلت ، فقلنا لها : ما هذا ؟ قالت : أخي وزوجي .

وقال ابن إسحاق : وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه ، وكان أخاها لأبيها وأمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام : القها فأرجعها ; لا ترى ما بأخيها فقال لها : يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي . قالت : ولم ، وقد بلغني أنه مثل بأخي ، وذلك في الله ؟ ! فما أرضانا ما كان من ذلك ، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله . فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك ، قال : خل سبيلها . فأتته فنظرت إليه ، وصلت عليه ، واسترجعت واستغفرت .

قال ابن إسحاق : ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن ، ودفن معه ابن أخته عبد الله بن جحش - وأمه أميمة بنت عبد المطلب - وكان قد مثل به ، غير أنه لم يبقر عن كبده ، رضي الله عنهما .

قال السهيلي : وكان يقال له : المجدع في الله . قال : وذكر سعد أنه هو [ ص: 433 ] وعبد الله بن جحش دعوا بدعوة فاستجيبت لهما ; فدعا سعد أن يلقى فارسا من المشركين فيقتله ويستلبه ، فكان ذلك ، ودعا عبد الله بن جحش أن يلقاه فارس فيقتله ويجدع أنفه في الله ، فكان ذلك .

وذكر الزبير بن بكار أن سيفه يومئذ انقطع ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا ، فصار في يد عبد الله بن جحش سيفا يقاتل به ، ثم بيع في تركة بعض ولده بمائتي دينار . وهذا كما تقدم لعكاشة في يوم بدر . وقد تقدم في " صحيح البخاري " أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد ، بل في الكفن الواحد وإنما أرخص لهم في ذلك ; لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحدا ، ويقدم في اللحد أكثرهما أخذا للقرآن ، وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد الواحد ، كما جمع بين عبد الله بن عمرو بن حرام ، والد جابر وبين عمرو بن الجموح ; لأنهما كانا متصاحبين ، ولم يغسلوا ، بل تركهم بجراحهم ودمائهم ، كما روى ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على القتلى يوم أحد قال : أنا شهيد على هؤلاء ، إنه ما من جريح يجرح في الله ، إلا والله يبعثه يوم [ ص: 434 ] القيامة يدمى جرحه ، اللون لون دم ، والريح ريح مسك . قال : وحدثني عمي موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : ما من جريح يجرح في الله ، إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك . وهذا الحديث ثابت في " الصحيحين " من غير هذا الوجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود ، وقال : ادفنوهم بدمائهم وثيابهم . ورواه أبو داود ، وابن ماجه من حديث علي بن عاصم به .

وقال الإمام أبو داود في " سننه " : حدثنا القعنبي أن سليمان بن المغيرة حدثهم ، عن حميد بن هلال ، عن هشام بن عامر ، أنه قال : جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا : قد أصابنا قرح وجهد ، فكيف تأمرنا ؟ فقال : احفروا وأوسعوا ، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد . قيل : [ ص: 435 ] يا رسول الله ، فأيهم يقدم ؟ قال : أكثرهم قرآنا . ثم رواه من حديث الثوري ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن هشام بن عامر فذكره ، وزاد " وأعمقوا " .

قال ابن إسحاق : وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال : ادفنوهم حيث صرعوا .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، وعتاب ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا عمر بن سلمة بن أبي يزيد المديني ، حدثني أبي ، سمعت جابر بن عبد الله يقول : استشهد أبي بأحد فأرسلني أخواتي إليه بناضح لهن ، فقلن : اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل ، فادفنه في مقبرة بني سلمة . فقال : فجئته وأعوان لي ، فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس بأحد فدعاني فقال : " والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته " فدفن مع أصحابه بأحد . تفرد به أحمد . [ ص: 436 ]

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح ، عن جابر بن عبد الله أن قتلى أحد حملوا من مكانهم ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم أن ردوا القتلى إلى مضاجعهم .

وقد رواه أبو داود ، والنسائي من حديث الثوري ، والترمذي من حديث شعبة ، والنسائي أيضا ، وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة كلهم عن الأسود بن قيس به .

وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا نبيح العنزي ، عن جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم ، وقال لي أبي عبد الله : يا جابر ، لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا ، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي ، لأحببت أن تقتل بين يدي . قال : فبينا أنا في النظارين ، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي ، عادلتهما على ناضح ، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا ، إذ لحق رجل ينادي : ألا إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى ، فتدفنوها في [ ص: 437 ] مصارعها حيث قتلت . فرجعنا بهما ، فدفناهما حيث قتلا ، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال : يا جابر بن عبد الله ، والله لقد أثار أباك عمال معاوية فبدا ، فخرج طائفة منه . فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته ، لم يتغير إلا ما لم يدع القتل ، أو القتيل . ثم ساق الإمام قصة وفائه دين أبيه ، كما هو ثابت في " الصحيحين " .

وروى البيهقي من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة ، استصرخناهم إليهم ، فأتيناهم فأخرجناهم ، فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دما . وفي رواية ابن إسحاق ، عن جابر قال : فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس . وذكر الواقدي أن معاوية لما أراد أن يجري العين ، نادى مناديه : من كان له قتيل بأحد فليشهد . قال جابر : فحفرنا عنهم ، فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائم على هيئته ، ووجدت جاره في قبره عمرو [ ص: 438 ] بن الجموح ، ويده على جرحه فأزيلت عنه ، فانبعث جرحه دما . ويقال : إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك ، رضي الله عنهم أجمعين ، وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا .

وقد قال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا حسين المعلم ، عن عطاء ، عن جابر قال : لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال لي : ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك ، غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن علي دينا فاقض ، واستوص بأخواتك خيرا . فأصبحنا فكان أول قتيل ، فدفنت معه آخر في قبره ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته ، هنية غير أذنه .

وثبت في " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر أنه لما قتل أبوه ، جعل يكشف عن الثوب ويبكي ، فنهاه الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبكيه أو لا تبكيه ، لم تزل الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه . وفي رواية ، أن عمته هي الباكية . [ ص: 439 ]

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا فيض بن وثيق البصري ، حدثنا أبو عبادة الأنصاري ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر : يا جابر ، ألا أبشرك ؟ قال : بلى ، بشرك الله بالخير . فقال أشعرت أن الله أحيا أباك فقال : تمن علي عبدي ما شئت أعطكه . قال : يا رب ، ما عبدتك حق عبادتك ، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا ، فأقتل مع نبيك ، وأقتل فيك مرة أخرى . قال : إنه قد سلف مني أنه إليها لا يرجع .

وقال البيهقي : حدثنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الإسفراييني ، حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد ، حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر ، حدثنا علي بن المديني ، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري قال : سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري ثم السلمي قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لي أراك مهتما ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، قتل أبي ، وترك دينا وعيالا . فقال : ألا أخبرك ؟ ما كلم الله أحدا إلا من وراء [ ص: 440 ] حجاب ، وإنه كلم أباك كفاحا ، وقال له : يا عبدي ، سلني أعطك . فقال : أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا . فقال : إنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون . قال : يا رب ، فأبلغ من ورائي . فأنزل الله : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون الآية . [ آل عمران : 169 ]

وقال ابن إسحاق : وحدثني بعض أصحابنا ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، سمعت جابرا يقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أبشرك يا جابر ؟ قال : قلت : بلى . قال : إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ، ثم قال له : ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك ؟ قال : أي رب ، أحب أن تردني إلى الدنيا ، فأقاتل فيك ، فأقتل مرة أخرى . وقد رواه أحمد ، عن علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي ، عن ابن عقيل ، عن جابر وزاد ، فقال الله : إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون .

وقال أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن عبد الله ، عن جابر [ ص: 441 ] بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، إذا ذكر أصحاب أحد : أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل . يعني سفح الجبل . تفرد به أحمد .

وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة ، عن قطن بن وهب ، عن عبيد بن عمير ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه ، فوقف عليه ، فدعا له ثم قرأ : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية . [ الأحزاب : 23 ] قال : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فأتوهم وزوروهم ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة ; إلا ردوا عليه . وهذا حديث غريب ، وروي عن عبيد بن عمير مرسلا .

وروى البيهقي من حديث موسى بن يعقوب ، عن عباد بن أبي صالح عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء ، فإذا أتى فرضة الشعب قال : " السلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار " ثم كان [ ص: 442 ] أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ، وكان عمر بعد أبي بكر يفعله ، وكان عثمان بعد عمر يفعله .

قال الواقدي : كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم كل حول ، فإذا تفوه الشعب يقول : السلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار . ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ، ثم عمر ثم عثمان ، وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتيهم ، فتبكي عندهم وتدعو لهم ، وكان سعد يسلم ، ثم يقبل على أصحابه فيقول : ألا تسلمون على قوم يردون عليكم . ثم حكى زيارتهم ، عن أبي سعيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمر وأم سلمة رضي الله عنهم .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثني إبراهيم ، حدثني الحكم بن نافع ، حدثنا العطاف بن خالد ، حدثتني خالتي قالت : ركبت يوما إلى قبور الشهداء - وكانت لا تزال تأتيهم - فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء الله أن أصلي ، وما في الوادي داع ولا مجيب ، إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي ، فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي : السلام عليكم . قالت : فسمعت رد السلام علي يخرج من تحت الأرض ، أعرفه كما أعرف أن الله عز وجل خلقني [ ص: 443 ] وكما أعرف الليل والنهار فاقشعرت كل شعرة مني .

وقال محمد بن إسحاق : عن إسماعيل بن أمية ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أصيب إخوانكم يوم أحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم ، وحسن مقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق ; لئلا ينكلوا عن الحرب ، ولا يزهدوا في الجهاد ؟ فقال الله عز وجل : أنا أبلغهم عنكم . فأنزل الله في الكتاب قوله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون

وروى مسلم ، والبيهقي من حديث أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما قال : أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرواحهم كطير خضر ، تسرح في أيها شاءت ، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش . قال : فبينما هم كذلك ، إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة ، فقال : سلوني ما شئتم . فقالوا : يا ربنا ، وما نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا ؟ ! فلما رأوا أن لن يتركوا من أن يسألوا ، قالوا : نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا ، نقتل في سبيلك . قال فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا .

التالي السابق


الخدمات العلمية