صفحة جزء
[ ص: 399 ] بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بحولك وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبوية فصل في إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ، رضي الله عنهم ، وكان قدومهم أوائل سنة ثمان ، على ما سيأتي

قد تقدم طرف من ذلك ، فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي ، وذلك في سنة خمس من الهجرة . وإنما ذكره الحافظ البيهقي هاهنا بعد عمرة القضاء ، فروى من طريق الواقدي : أنبأنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه قال : قال عمرو بن العاص كنت للإسلام مجانبا [ ص: 400 ] معاندا حضرت بدرا مع المشركين فنجوت ، ثم حضرت أحدا فنجوت ، ثم حضرت الخندق فنجوت ، قال : فقلت في نفسي : كم أوضع! والله ليظهرن محمد على قريش . فلحقت بمالي بالوهط ، وأقللت من الناس - أي من لقائهم - فلما حضر الحديبية ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح ، ورجعت قريش إلى مكة ، جعلت أقول : يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه ، ما مكة بمنزل ولا الطائف ، ولا شيء خير من الخروج . وأنا بعد ناء عن الإسلام ، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم ، فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي ، وكانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، ويقدمونني فيما نابهم ، فقلت لهم : كيف أنا فيكم ؟ قالوا : ذو رأينا ومدرهنا في يمن نقيبة وبركة أمر ، قال : قلت : تعلمون أني والله لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا ، وإني قد رأيت رأيا . قالوا : وما هو ؟ قلت : نلحق بالنجاشي فنكون معه ، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي ، فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد ، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا ، قالوا : هذا الرأي . قال : قلت : فاجمعوا ما نهديه له . وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم ، فجمعنا أدما كثيرا ، ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي ، فوالله إنا [ ص: 401 ] لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه ، يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فدخل عليه ثم خرج من عنده ، فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية ، ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك سررت قريشا ، وكنت قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد . فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال : مرحبا بصديقي ، أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قال : قلت : نعم أيها الملك ، أهديت لك أدما كثيرا . ثم قدمته فأعجبه ، وفرق منه شيئا بين بطارقته ، وأمر بسائره فأدخل في موضع ، وأمر أن يكتب ويحتفظ به ، فلما رأيت طيب نفسه قلت : أيها الملك ، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك ، وهو رسول عدو لنا قد وترنا ، وقتل أشرافنا وخيارنا ، فأعطنيه فأقتله . فغضب من ذلك ، ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره ، فابتدر منخراي ، فجعلت أتلقى الدم بثيابي ، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها ، فرقا منه . ثم قلت : أيها الملك ، لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك . قال : فاستحيا وقال : يا عمرو ، تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، والذي كان يأتي عيسى لتقتله ؟! قال عمرو : فغير الله قلبي عما كنت عليه ، وقلت في نفسي : عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت ؟! ثم قلت : أتشهد أيها الملك بهذا ؟ قال : نعم ، أشهد به عند الله يا عمرو ، فأطعني واتبعه ، فوالله إنه لعلى الحق ، [ ص: 402 ] وليظهرن على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قلت : أتبايعني له على الإسلام ؟ قال : نعم . فبسط يده فبايعني على الإسلام ، ثم دعا بطست ، فغسل عني الدم وكساني ثيابا ، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها ، ثم خرجت على أصحابي ، فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا : هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم : كرهت أن أكلمه في أول مرة ، وقلت : أعود إليه . فقالوا : الرأي ما رأيت . قال : ففارقتهم وكأني أعمد لحاجة ، فعمدت إلى موضع السفن ، فأجد سفينة قد شحنت تدفع . قال : فركبت معهم ودفعوها ، حتى انتهوا إلى الشعيبة ، وخرجت من السفينة ومعي نفقة ، فابتعت بعيرا ، وخرجت أريد المدينة ، حتى مررت على مر الظهران ، ثم مضيت ، حتى إذا كنت بالهدة ، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا ، وأحدهما داخل في الخيمة ، والآخر يمسك الراحلتين . قال : فنظرت فإذا خالد بن الوليد قال : قلت : أين تريد ؟ قال : محمدا ، دخل الناس في الإسلام ، فلم يبق أحد به طعم ، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها . قلت : وأنا والله قد أردت محمدا ، وأردت الإسلام . فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي ، فنزلنا جميعا في المنزل ، ثم ترافقنا حتى أتينا [ ص: 403 ] المدينة ، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عنبة يصيح : يا رباح ، يا رباح ، يا رباح فتفاءلنا بقوله وسررنا ، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول : قد أعطت مكة المقادة بعد هذين . فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد ، وولى مدبرا إلى المسجد سريعا ، فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا ، فكان كما ظننت ، وأنخنا بالحرة ، فلبسنا من صالح ثيابنا ، ثم نودي بالعصر ، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه وإن لوجهه تهللا ، والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا ، فتقدم خالد بن الوليد فبايع ، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع ، ثم تقدمت ، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه ، فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياء منه . قال : فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ، ولم يحضرني ما تأخر فقال : إن الإسلام يجب ما كان قبله ، والهجرة تجب ما كان قبلها قال : فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا ، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة ، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة ، وكان عمر على خالد كالعاتب .

قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي : فذكرت هذا الحديث ليزيد بن [ ص: 404 ] أبي حبيب ، فقال : أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي ، عن مولاه حبيب ، عن عمرو بن العاص نحو ذلك .

قلت : كذلك رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن راشد ، عن مولاه حبيب قال : حدثني عمرو بن العاص من فيه . فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع . وسياق الواقدي أبسط وأحسن . قال الواقدي ، عن شيخه عبد الحميد : فقلت ليزيد بن أبي حبيب : وقت لك متى قدم عمرو وخالد ؟ قال : لا ، إلا أنه قال : قبل الفتح . قلت : فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان .

وسيأتي عند وفاة عمرو من " صحيح مسلم " ما يشهد لسياق إسلامه ، وكيفية حسن صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته ، وكيف مات وهو يتأسف على ما كان منه في مدة مباشرته الإمارة بعده ، عليه الصلاة والسلام ، وصفة موته ، رضي الله عنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية