صفحة جزء
[ ص: 508 ] بسم الله الرحمن الرحيم غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان

وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع ، فقال تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الآية ( الحديد : 10 ) . وقال تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( النصر )

وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعا قالا : كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل ، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ، فتواثبت خزاعة وقالوا : نحن ندخل في عقد محمد وعهده . وتواثبت بنو بكر وقالوا : نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم . فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا ، بماء يقال [ ص: 509 ] له : الوتير . وهو قريب من مكة ، وقالت قريش : ما يعلم بنا محمد ، وهذا الليل وما يرانا أحد . فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح ، وقاتلوهم معهم ، للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر ، وقد قال أبيات شعر ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها :


لاهم إني ناشد محمدا حلف أبيه وأبينا الأتلدا     قد كنتم ولدا وكنا والدا
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا     فانصر رسول الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا     فيهم رسول الله قد تجردا
إن سيم خسفا وجهه تربدا     في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا     ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا     وزعموا أن لست أدعو أحدا
فهم أذل وأقل عددا     هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت يا عمرو بن سالم . فما برح رسول الله [ ص: 510 ] صلى الله عليه وسلم حتى مرت بنا عنانة في السماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز ، وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره ، حتى يبغتهم في بلادهم .

قال ابن إسحاق : وكان السبب الذي هاجهم ، أن رجلا من بني الحضرمي ، اسمه مالك بن عباد ، من حلفاء الأسود بن رزن خرج تاجرا ، فلما توسط أرض خزاعة ، عدوا عليه ، فقتلوه وأخذوا ماله ، فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه ، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الدئلي - وهم منخر بني كنانة وأشرافهم ، سلمى وكلثوم وذؤيب - فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم . قال ابن إسحاق : وحدثني رجل من الدئل قال : كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين .

قال ابن إسحاق : فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك ، إذ حجز بينهم الإسلام ، فلما كان يوم الحديبية ، ودخل بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت [ ص: 511 ] خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الهدنة ، اغتنمها بنو الدئل من بني بكر ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا بأولئك النفر ، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه ، وهو يومئذ سيدهم وقائدهم ، وليس كل بني بكر تابعه ، فبيت خزاعة وهم على الوتير - ماء لهم - فأصابوا رجلا منهم ، وتحاوزوا ، واقتتلوا ، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلما انتهوا إليه ، قالت بنو بكر : يا نوفل ، إنا قد دخلنا الحرم ! إلهك إلهك . فقال كلمة عظيمة : لا إله اليوم ، يا بني بكر أصيبوا ثأركم ، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟! ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء بمكة ، وإلى دار مولى لهم يقال له : رافع .

وقد قال الأخزر بن لعط الدئلي في ذلك :


ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا     رددنا بني كعب بأفوق ناصل [ ص: 512 ]
حبسناهم في دارة العبد رافع     وعند بديل محبسا غير طائل
بدار الذليل الآخذ الضيم بعدما     شفينا النفوس منهم بالمناصل
حبسناهم حتى إذا طال يومهم     نفحنا لهم من كل شعب بوابل
نذبحهم ذبح التيوس كأننا     أسود تبارى فيهم بالقواصل
هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم     وكانوا لدى الأنصاب أول قاتل
كأنهم بالجزع إذ يطردونهم     قفا ثور حفان النعام الجوافل

قال : فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب ، وكان يقال له : بديل بن أم أصرم ، فقال :


تعاقد قوم يفخرون ولم ندع     لهم سيدا يندوهم غير نافل
أمن خيفة القوم الألى تزدريهم     تجيز الوتير خائفا غير آيل
وفي كل يوم نحن نحبو حباءنا     لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل [ ص: 513 ]
ونحن صبحنا بالتلاعة داركم     بأسيافنا يسبقن لوم العواذل
ونحن منعنا بين بيض وعتود     إلى خيف رضوى من مجر القنابل
ويوم الغميم قد تكفت ساعيا     عبيس فجعناه بجلد حلاحل
أأن أجمرت في بيتها أم بعضكم     بجعموسها تنزون إن لم نقاتل
كذبتم وبيت الله ما إن قتلتم     ولكن تركنا أمركم في بلابل

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة .

قال ابن إسحاق : ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم ، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين ، حتى لقوا أبا سفيان بعسفان ، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد العقد ، ويزيد في المدة ، وقد رهبوا للذي صنعوا ، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال : من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد [ ص: 514 ] أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي . قال : فعمد أبو سفيان إلى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته ، فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا . ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته ، فقال : يا بنية ، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني ؟ فقالت : هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراشه . فقال : يا بنية ، والله لقد أصابك بعدي شر . ثم خرج فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ، فلم يرد عليه شيئا ، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما أنا بفاعل . ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر : أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به . ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب ، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندها حسن ، غلام يدب بين يديهما ، فقال : يا علي ، إنك أمس القوم بي رحما ، وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائبا ، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ويحك أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه . فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ فقالت : والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين [ ص: 515 ] الناس ، وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني ؟ قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك . فقال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا والله ما أظن ، ولكن لا أجد لك غير ذلك ، فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس إني قد أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره فانطلق ، فلما أن قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته ، فوالله ما رد علي شيئا ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فوالله ما وجدت فيه خيرا ، ثم جئت عمر فوجدته أعدى العدو ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بأمر صنعته ، فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئا أم لا ؟ قالوا : بماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت . قالوا : هل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا . قالوا : ويحك! ما زادك الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنا ما قلت . فقال : لا والله ما وجدت غير ذلك .

فائدة ذكرها السهيلي ، تكلم على قول فاطمة في هذا الحديث : وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم . على ما جاء في الحديث : ويجير على المسلمين أدناهم قال : وجه الجمع بينهما ، بأن المراد بالحديث من يجير واحدا أو نفرا يسيرا ، وقول فاطمة فيمن يجير عدوا من غزو الإمام [ ص: 516 ] إياهم ، فليس له ذلك . قال : كان سحنون وابن الماجشون يقولان : إن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام ، لقوله لأم هانئ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ . قال : ويروى هذا عن عمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز أمان العبد . وفي قوله عليه الصلاة والسلام : ويجير عليهم أدناهم ما يقتضي دخول العبد والمرأة . والله أعلم .

وقد روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قالت بنو كعب :


لاهم إني ناشد محمدا     حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا     وادع عباد الله يأتوا مددا

وقال موسى بن عقبة في فتح مكة : ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا على بني كعب ، وهم في المدة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش ، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش ، فأعانت بنو بكر بني نفاثة ، وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق ، واعتزلتهم بنو مدلج ، ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي بني الدئل رجلان هما سيداهم ، سلم بن الأسود ، وكلثوم بن الأسود ، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية ، وشيبة بن عثمان ، وسهيل بن عمرو ، فأغارت بنو الدئل على بني عمرو ، وعامتهم - زعموا - نساء وصبيان وضعفاء [ ص: 517 ] الرجال فألجئوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة ، فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له الذي أصابهم ، وما كان من قريش عليهم في ذلك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا فتفرقوا في البلدان " . وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخوف الذي كان فقال : يا محمد ، اشدد العقد ، وزدنا في المدة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولذلك قدمت ؟ هل كان من حدث قبلكم ؟ " فقال : معاذ الله ، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية ، لا نغير ولا نبدل . فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى أبا بكر فقال : جدد العقد ، وزدنا في المدة . فقال أبو بكر : جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم . ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر بن الخطاب : ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله ، وما كان منه متينا فقطعه الله ، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله ، فقال له أبو سفيان : جزيت من ذي رحم شرا . ثم دخل على عثمان فكلمه ، فقال عثمان : جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم ، فكلهم يقول : عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما يئس مما عندهم ، دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها ، فقالت : إنما أنا امرأة ، وإنما ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لها : فأمري أحد ابنيك . فقالت : إنهما صبيان ، وليس مثلهما يجير . قال : فكلمي عليا [ ص: 518 ] . فقالت : أنت فكلمه ، فكلم عليا ، فقال له : يا أبا سفيان ، إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها ، فأجر بين عشيرتك . قال : صدقت ، وأنا كذلك . فخرج فصاح : ألا إني قد أجرت بين الناس ، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد . ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إني قد أجرت بين الناس ، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جواري . فقال : " أنت تقول يا أبا حنظلة ؟ ! " فخرج أبو سفيان على ذلك ، فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر أبو سفيان : " اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم ، فلا يرونا إلا بغتة ، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة " . وقدم أبو سفيان مكة ، فقالت له قريش : ما وراءك ؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد ؟ قال : لا والله ، لقد أبى علي ، وقد تتبعت أصحابه ، فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له ، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي : لم تلتمس جوار الناس على محمد ، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا يخفر جواره ؟ فقمت بالجوار ، ثم دخلت على محمد ، فذكرت له أني قد أجرت بين الناس ، وقلت : ما أظن أن تخفرني . فقال : " أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة ؟ ! " فقالوا مجيبين له : رضيت بغير رضا ، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا ، وإنما لعب بك علي ، لعمر الله ما جوارك بجائز ، وإن إخفارك عليهم لهين . ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت : قبحك الله من وافد قوم ، فما جئت بخير . قال : ورأى رسول الله [ ص: 519 ] صلى الله عليه وسلم سحابا فقال : " إن هذه السحاب لتبض بنصر بني كعب " فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعدما خرج أبو سفيان ، ثم أخذ في الجهاز ، وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته ، فدخل أبو بكر على عائشة ، فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى ، فقال لها : يا بنية ، لماذا تصنعين هذا الطعام ؟ فسكتت ، فقال : أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو ؟ فصمتت ، فقال : يريد بني الأصفر ؟ - وهم الروم - فصمتت قال : فلعله يريد أهل نجد ؟ فصمتت قال : فلعله يريد قريشا ؟ فصمتت قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا رسول الله ، أتريد أن تخرج مخرجا ؟ قال : " نعم " . قال : فلعلك تريد بني الأصفر ؟ قال : " لا " . قال : أتريد أهل نجد ؟ قال : " لا " . قال : فلعلك تريد قريشا ؟ قال : " نعم " . قال أبو بكر : يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة ؟ قال : " ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب ؟ قال : وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالغزو ، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ، وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب ، وذكر القصة كما سيأتي .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة ، وهي تغربل حنطة ، فقال : ما هذا ؟ أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز ؟ قالت : نعم فتجهز ، قال : وإلى أين ؟ قالت : ما سمى لنا شيئا ، غير أنه قد أمرنا بالجهاز [ ص: 520 ] .

قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة ، وأمر بالجد والتهيؤ ، وقال : " اللهم خذ العيون والأخبار ، عن قريش ، حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس ، فقال حسان يحرض الناس ، ويذكر مصاب خزاعة :


عناني ولم أشهد ببطحاء مكة     رجال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم     وقتلى كثير لم تجن ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي      سهيل بن عمرو حرها وعقابها
وصفوان عود حز من شفر استه     فهذا أوان الحرب شد عصابها
فلا تأمننا يا بن أم مجالد     إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها
ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا     لها وقعة بالموت يفتح بابها

التالي السابق


الخدمات العلمية