صفحة جزء
[ ص: 110 ] ذكر مجيء أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة إليه وهو بالجعرانة ، واسمها الشيماء .

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض بني سعد بن بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم هوازن : " إن قدرتم على بجاد - رجل من بني سعد بن بكر - فلا يفلتنكم " . وكان قد أحدث حدثا ، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله ، وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى ، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ، قال : فعنفوا عليها في السوق ، فقالت للمسلمين : تعلموا والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة . فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم . .

قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن عبيد السعدي - هو أبو وجزة - قال : فلما انتهي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، إني أختك من الرضاعة . قال : " وما علامة ذلك؟ " قالت : عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك . قال : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة ، فبسط لها رداءه فأجلسها عليه ، وخيرها وقال : إن أحببت فعندي محبة مكرمة ، وإن أحببت أن [ ص: 111 ] أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت " . قالت : بل تمتعني وتردني إلى قومي . فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها ، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له : مكحول . وجارية ، فزوجت أحدهما الآخر ، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية . .

وروى البيهقي من حديث الحكم بن عبد الملك عن قتادة قال : لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أنا أختك ، أنا شيماء بنت الحارث . فقال لها : " إن تكوني صادقة ، فإن بك مني أثر لا يبلى " . قال : فكشفت عن عضدها ، فقالت : نعم يا رسول الله ، وأنت صغير ، فعضضتني هذه العضة . قال : فبسط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ، ثم قال : " سلي تعطي ، واشفعي تشفعي " . .

وقال البيهقي أنبأنا أبو نصر بن قتادة أنبأنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي ثنا أبو مسلم ثنا أبو عاصم ثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان أخبرني عمي عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال : كنت غلاما أحمل عظم البعير ، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما بالجعرانة . قال : فجاءته امرأة فبسط لها رداءه ، فقلت : من هذه؟ قالوا : أمه التي أرضعته هذا حديث غريب ، ولعله يريد أخته ، وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية ، وإن كان محفوظا فقد [ ص: 112 ] عمرت حليمة دهرا ، فإن من وقت أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة ، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته صلى الله عليه وسلم ، ثلاثون سنة ، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك .

وقد ورد حديث مرسل ، فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه ، والله أعلم بصحته; قال أبو داود في " المراسيل " : ثنا أحمد بن سعيد الهمداني ثنا ابن وهب ثنا عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما ، فجاءه أبوه من الرضاعة ، فوضع له بعض ثوبه ، فقعد عليه ، ثم أقبلت أمه ، فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر ، فجلست عليه ، ثم جاء أخوه من الرضاعة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بني سعد بن بكر ، وهم شرذمة من هوازن ، فقال خطيبهم زهير بن صرد : يا رسول الله ، إن ما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك ، وقال فيما قال :


امنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك يملؤه من محضها درر     امنن على نسوة قد كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر

فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم ، فعادت فواضله صلى الله عليه وسلم عليهم قديما وحديثا ، خصوصا وعموما .

وقد ذكر الواقدي عن إبراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال : كان النضير بن الحارث بن كلدة من أحلم الناس ، فكان يقول : الحمد لله [ ص: 113 ] الذي من علينا بالإسلام ، ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولم نمت على ما مات عليه الآباء وقتل عليه الإخوة وبنو العم . ثم ذكر عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه خرج مع قومه من قريش إلى حنين وهم على دينهم بعد . قال : ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نعين عليه ، فلم يمكنا ذلك ، فلما صار بالجعرانة ، فوالله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أنضير " . قلت : لبيك . قال : " هذا خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه " . قال : فأقبلت إليه سريعا ، فقال : " قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع " . قلت : قد أرى أنه لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم زده ثباتا " . قال النضير : فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين وتبصرة بالحق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله الذي هداه " . .

التالي السابق


الخدمات العلمية