صفحة جزء
[ ص: 324 ] قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو قطن ، حدثني يونس ، عن المغيرة بن شبل قال : وقال جرير : لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ، ثم حللت عيبتي ، ثم لبست حلتي ، ثم دخلت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي : يا عبد الله ، ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، ذكرك بأحسن الذكر . فبينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته ، وقال : " يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن إلا أن على وجهه مسحة ملك " . قال جرير : فحمدت الله ، عز وجل ، على ما أبلاني : وقال أبو قطن : فقلت له : سمعته منه ؟ أو : سمعته من المغيرة بن شبل ؟ قال : نعم . ثم رواه الإمام أحمد ، عن أبي نعيم وإسحاق بن يوسف ، وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس عن أبي إسحاق السبيعي ، [ ص: 325 ] عن المغيرة بن شبل - ويقال : ابن شبيل - عن عوف البجلي الكوفي ، عن جرير بن عبد الله ، وليس له عنه غيره .

وقد رواه النسائي ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن حازم ، عن جرير بقصته : " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " . الحديث وهذا على شرط " الصحيحين " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، ثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير قال : ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي . وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم عنه . وفي " الصحيحين " زيادة : وشكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لا أثبت على الخيل ، فضرب بيده في صدري ، وقال : " اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا " .

ورواه النسائي ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل ، عن قيس عنه [ ص: 326 ] وزاد فيه : " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " . فذكر نحو ما تقدم .

قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك ، حدثنا الحسن بن سلام السواق ، حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني ، حدثنا حصين بن عمر الأحمسي ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا جرير ، لأي شيء جئت ؟ " قلت : أسلم على يديك يا رسول الله . قال : فألقى علي كساء ، ثم أقبل على أصحابه فقال : " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " . ثم قال : " يا جرير ، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، وتصلي الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة " . ففعلت ذلك فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي . هذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بايعت [ ص: 327 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث إسماعيل بن أبي خالد به ، وهو في " الصحيحين " من حديث زياد بن علاقة ، عن جرير به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا زائدة ، ثنا عاصم ، عن شقيق - يعني أبا وائل - ، عن جرير قال : قلت : يا رسول الله ، اشترط علي فأنت أعلم بالشرط . قال : " أبايعك على أن تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتنصح المسلم ، وتبرأ من المشرك " . ورواه النسائي من حديث شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن جرير . وفي طريق أخرى ، عن الأعمش وعن منصور ، عن أبي وائل ، عن أبي نخيلة ، عن جرير به . فالله أعلم .

ورواه أيضا ، عن محمد بن قدامة ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن أبي [ ص: 328 ] وائل ، والشعبي ، عن جرير به . ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة ، رواه أحمد منفردا به . وابنه عبيد الله بن جرير ، رواه أحمد أيضا منفردا به . وأبو جميلة وصوابه أبو نخيلة ، ورواه أحمد أيضا والنسائي . ورواه أحمد أيضا ، عن غندر ، عن شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن رجل ، عن جرير ، فذكره ، والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي . والله أعلم .

وقد ذكرنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم له حين أسلم إلى ذي الخلصة - بيت كان يعبده خثعم وبجيلة ، وكان يقال له : الكعبة اليمانية . يضاهون به الكعبة التي بمكة ، ويقولون للتي ببكة : الكعبة الشامية . ولبيتهم : الكعبة اليمانية . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تريحني من ذي الخلصة ؟ " . فحينئذ شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل ، فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثرت فيه وقال : " اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا " . فلم يسقط بعد ذلك عن فرس ، ونفر إلى [ ص: 329 ] ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس ، فخرب ذلك البيت ، وحرقه حتى تركه مثل الجمل الأجرب ، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا يقال له : أبو أرطاة . فبشره بذلك ، فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات . والحديث مبسوط في " الصحيحين " وغيرهما ، كما قدمناه بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن الوليد ، رضي الله عنه .

والظاهر أن إسلام جرير رضي الله عنه كان متأخرا عن الفتح بمقدار جيد ، فإن الإمام أحمد قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد ، عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : إنما أسلمت بعد ما أنزلت المائدة ، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت . تفرد به أحمد ، وهو إسناد جيد ، اللهم إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه .

وثبت في " الصحيحين " أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف ; لأن إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة ، [ ص: 330 ] وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " استنصت الناس يا جرير " . وإنما أمره بذلك لأنه كان صبيا ، وكان ذا شكل عظيم ، كانت نعله طولها ذراع ، وكان من أحسن الناس وجها ، وكان مع هذا من أغض الناس طرفا ، ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال : " أطرق بصرك " .

التالي السابق


الخدمات العلمية