صفحة جزء
[ ص: 437 ] فصل في تصدي الصديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة .

قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب ، ونجم النفاق بالمدينة ، وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة ، والتفت على طليحة الأسدي بنو أسد وطيئ ، وبشر كثير أيضا ، وادعى النبوة أيضا كما ادعاها مسيلمة الكذاب ، وعظم الخطب واشتدت الحال ، ونفذ الصديق جيش أسامة ، فقل الجند عند الصديق ، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة ، وراموا أن يهجموا عليها ، فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها ; فمن أمراء الحرس علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن مسعود ، وجعلت وفود العرب تقدم المدينة ، يقرون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة ، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق ، وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم [ التوبة : 103 ] . قالوا : فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا . وأنشد بعضهم :

[ ص: 438 ]

أطعنا رسول الله إذ كان بيننا فواعجبا ما بال ملك أبي بكر

وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم ، ثم هم بعد ذلك يزكون ، فامتنع الصديق من ذلك وأباه .

وقد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجه ، عن أبي هريرة ، أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر : علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ؟ فقال أبو بكر : والله لو منعوني عناقا - وفي رواية : عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأقاتلنهم على منعها ، إن الزكاة حق المال ، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . قال عمر : فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق .

قلت : وقد قال الله تعالى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم [ التوبة : 5 ] . وثبت في " الصحيح " : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، [ ص: 439 ] ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة . وفي " الصحيحين " : بني الإسلام على خمس ; شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان .

وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق ، عن شبابة بن سوار ، ثنا عيسى بن يزيد المديني ، حدثني صالح بن كيسان قال : لما كانت الردة قام أبو بكر في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : الحمد لله الذي هدى فكفى ، وأعطى فأغنى ، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم والعلم شريد ، والإسلام غريب طريد ، قد رث حبله ، وخلق عهده ، وضل أهله منه ، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا لخير عندهم ، ولا يصرف عنهم شرا لشر عندهم ، قد غيروا كتابهم ، وألحقوا فيه ما ليس منه ، والعرب الأميون صفر من الله لا يعبدونه ولا يدعونه ، فأجهدهم عيشا ، وأضلهم دينا ، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب ، فجمعهم الله بمحمد وجعلهم الأمة الوسطى ، نصرهم بمن اتبعهم ، ونصرهم على غيرهم ، حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه ، وأخذ بأيديهم ، وبغى هلكتهم وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين [ آل عمران : 144 ] [ ص: 440 ] . إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم ، ولم يكونوا في دينهم - وإن رجعوا إليه - أزهد منهم يومهم هذا ، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا ، على ما قد تقدم من بركة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد وكلكم إلى المولى الكافي ، الذي وجده ضالا فهداه ، وعائلا فأغناه وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها [ آل عمران : 103 ] . والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ، ويوفي لنا عهده ، ويقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة ، ويبقي من بقي منا خليفته وورثته في أرضه ، قضاء الله الحق ، وقوله الذي لا خلف له وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية [ النور : 55 ] . ثم نزل ، رحمه الله .

وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه الآية [ المائدة : 54 ] . قالوا : المراد بذلك أبو بكر وأصحابه في قتالهم المرتدين ومانعي الزكاة .

وقال محمد بن إسحاق : وارتدت العرب عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا أهل المسجدين ; مكة والمدينة وارتدت أسد وغطفان ، وعليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن ، وارتدت كندة ومن يليها ، وعليهم الأشعث بن قيس الكندي ، وارتدت مذحج ومن يليها ، وعليهم الأسود بن كعب العنسي [ ص: 441 ] الكاهن وارتدت ربيعة مع المعرور بن النعمان بن المنذر ، وكانت بنو حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب ، وارتدت سليم مع الفجاءة ، واسمه أنس بن عبد ياليل ، وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة .

وقال القاسم بن محمد : اجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة الأسدي ، وبعثوا وفودا إلى المدينة ، فنزلوا على وجوه الناس ، فأنزلوهم إلا العباس ، فحملوا بهم إلى أبي بكر على أن يقيموا الصلاة ، ولا يؤتوا الزكاة ، فعزم الله لأبي بكر على الحق ، وقال : لو منعوني عقالا لجاهدتهم . فردهم فرجعوا إلى عشائرهم ، فأخبروهم بقلة أهل المدينة ، وطمعوهم فيها ، فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة ، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد ، وقال : إن الأرض كافرة ، وقد رأى وفدهم منكم قلة ، وإنكم لا تدرون ليلا تؤتون أم نهارا ، وأدناهم منكم على بريد ، وقد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم ونوادعهم ، وقد أبينا عليهم فاستعدوا وأعدوا . فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة ، وخلفوا نصفهم بذي حسى ليكونوا ردءا لهم ، وأرسل الحرس إلى أبي بكر يخبرونه بالغارة ، فبعث إليهم أن الزموا مكانكم ، وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم ، فانقشع العدو ، واتبعهم المسلمون على إبلهم ، حتى بلغوا ذا [ ص: 442 ] حسى ، فخرج عليهم الردء ، فالتقوا مع الجميع فكان الفتح ، وقد قال الخطيل بن أوس - ويقال : الحطيئة - في ذلك :


أطعنا رسول الله ما كان وسطنا     فيالعباد الله ما لأبي بكر
يورثنا بكرا إذا كان بعده     وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فهلا رددتم وفدنا بزمانه     وهلا خشيتم حس راغية البكر
وإن الذي سالوكم فمنعتم     لكالتمر أو أحلى إلي من التمر

وفي جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة وأمراء الأنقاب إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها ، فلما تواجه هو وأعداؤه من بني عبس ، وبني مرة ، وذبيان ، ومن ناصب معهم من بني كنانة ، وأمدهم طليحة بابنه حبال ، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة ، وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثم أرسلوها من رءوس الجبال ، فلما رأتها إبل أصحاب الصديق نفرت وذهبت كل مذهب ، فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل ، حتى رجعت إلى المدينة ، فقال في ذلك الخطيل بن أوس :


فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي     عشية يحذى بالرماح أبو بكر
ولكن يدهدى بالرجال فهبنه     إلى قدر ما إن تقيم ولا تسري
ولله أجناد تذاق مذاقه     لتحسب فيما عد من عجب الدهر
[ ص: 443 ] أطعنا رسول الله ما كان بيننا     فيالعباد الله ما لأبي بكر

فلما وقع ما وقع ظن القوم بالمسلمين الوهن ، وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر ، فاجتمعوا ، وبات أبو بكر ، رضي الله عنه ، قائما ليله يتهيأ يعبئ الناس ، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل ، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن ، وعلى الميسرة أخوه عبد الله بن مقرن ، وعلى الساقة أخوهما سويد بن مقرن ، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين حسا ولا همسا ، حتى وضعوا فيهم السيوف ، فما طلعت الشمس حتى ولوهم الأدبار ، وغلبوهم على عامة ظهرهم ، وقتل حبال ، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ، وكان أول الفتح ، وذل بها المشركون ، وعز بها المسلمون ، ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم ، وفعل من وراءهم كفعلهم ، فحلف أبو بكر ليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة ، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي :


غداة سعى أبو بكر إليهم     كما يسعى لموتته جلال
أراح على نواهقها عليا     ومج لهن مهجته حبال

وقال أيضا :


أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا     ككبكبة الغزى أناخوا على الوفر
فما صبروا للحرب عند قيامها     صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر
[ ص: 444 ] طرقنا بني عبس بأدنى نباجها     وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر

فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الإسلام وأهله ، وذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة ، وذل الكفار في كل قبيلة ، ورجع أبو بكر إلى المدينة مؤيدا منصورا ، سالما غانما ، وطرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم ، وصفوان ، والزبرقان ، إحداها في أول الليل ، والثانية في أوسطه ، والثالثة في آخره ، وقدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الأنقاب ، فكان الذي بشر بصفوان سعد بن أبي وقاص ، والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف ، والذي بشر بعدي بن حاتم عبد الله بن مسعود ، ويقال : أبو قتادة الأنصاري ، رضي الله عنه ، وذلك على رأس ستين ليلة من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ، وأمرهم أن يريحوا ظهرهم ، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه في الوقعة المتقدمة إلى ذي القصة ، فقال له المسلمون : لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلا ، فقال : والله لا أفعل ، ولأواسينكم بنفسي . فخرج في تعبئته إلى ذي حسى وذي القصة ، والنعمان وعبد الله وسويد بنو مقرن على ما كانوا عليه ، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق ، وهناك جماعة من بني عبس وذبيان ، وطائفة من بني كنانة ، فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفا ، فأخذ الحطيئة أسيرا ، فطارت بنو عبس وبنو بكر ، وأقام أبو بكر على الأبرق أياما ، ‌‌‌وقد غلب بنو ذبيان على البلاد ، فقال : حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله ، وحمى الأبرق [ ص: 445 ] بخيول المسلمين ، وأرعى سائر بلاد الربذة . ولما فرت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طليحة وهو نازل على بزاخة ، وقد قال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة :


ويوم بالأبارق قد شهدنا     على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسوف     مع الصديق إذ ترك العتابا

ثم رجع الصديق إلى المدينة مؤيدا منصورا سالما غانما ، رضي الله عنه وأرضاه .

التالي السابق


الخدمات العلمية