صفحة جزء
[ ص: 54 ] ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين وذلك في هذه السنة فيما حكاه ابن جرير عن سيف

وذلك أن العلاء بن الحضرمي كان على البحرين في أيام الصديق ، فلما كان عمر عزله عنها وولاها لقدامة بن مظعون ، ثم أعاد العلاء بن الحضرمي إليها ، وكان العلاء بن الحضرمي يباري سعد بن أبي وقاص ، فلما افتتح سعد القادسية وأزاح كسرى عن داره ، وأخذ حدود ما يلي السواد واستعلى ، وجاء بأعظم مما جاء به العلاء من ناحية البحرين فأحب العلاء أن يفعل فعلا في فارس نظير ما فعله سعد فيهم ، فندب الناس إلى حربهم ؛ فاستجاب له أهل بلاده ، فجزأهم أجزاء ، فعلى فرقة الجارود بن المعلى ، وعلى الأخرى السوار بن همام ، وعلى الأخرى خليد بن المنذر بن ساوى ، وخليد هو أمير الجماعة . فحملهم في البحر إلى فارس وذلك بغير إذن عمر له في ذلك - وكان عمر يكره ذلك ؛ لأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولا أبا بكر أغزيا فيه المسلمين - فعبرت [ ص: 55 ] تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا من عند إصطخر ، فحالت فارس بينهم وبين سفنهم ، فقام في الناس خليد بن المنذر ، فقال : أيها الناس ، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم ، وأنتم إنما جئتم لمحاربتهم ، فاستعينوا بالله وقاتلوهم ، فإنما الأرض والسفن لمن غلب : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ البقرة : 45 ] . فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم ، فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الأرض يدعى طاوس ، ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا ، وقاتلوا فصبروا ، ثم ظفروا ، فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها ، ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم ، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ، ووجدوا شهرك في أهل إصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق ، فعسكروا وامتنعوا من العدو . ولما بلغ عمر صنع العلاء بن الحضرمي ، اشتد غضبه عليه ، وبعث إليه ، فعزله وتوعده ، وأمره بأثقل الأشياء عليه ، وأبغض الوجوه إليه ، فقال : الحق بسعد بن أبي وقاص في من قبلك ، فخرج العلاء إلى سعد بن أبي وقاص مضافا إليه ، وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان : إن العلاء بن الحضرمي خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس ، وعصاني ، وأظنه لم يرد الله بذلك ، فخشيت عليهم أن لا ينصروا ، أن يغلبوا وينشبوا ، فاندب إليهم الناس ، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا . فندب عتبة المسلمين [ ص: 56 ] وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك ، فانتدب جماعة من الأمراء الأبطال ، منهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وعاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هرثمة ، وحذيفة بن محصن ، والأحنف بن قيس ، وغيرهم ، في اثني عشر الفا ، وعلى الجميع أبو سبرة بن أبي رهم . فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا ، فساروا على الساحل لا يلقون أحدا ، حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوس ، وإذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون ، قد أحاط بهم العدو من كل جانب ، وقد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه ، وقد تكاملت أمداد المشركين ، ولم يبق إلا القتال ، فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم ، فالتقوا مع المشركين رأسا ، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة ، وقتل منهم مقتلة عظيمة جدا ، وأخذ منهم أموالا جزيلة باهرة ، واستنقذ خليدا ومن معه من المسلمين من أيديهم ، وأعز الله به الإسلام وأهله ، ودمغ الشرك وذله ، ولله الحمد والمنة ، ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة .

ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية ، استأذن عمر في الحج فأذن له ، فسار [ ص: 57 ] إلى الحج ، واستخلف على البصرة أبا سبرة بن أبي رهم ، واجتمع بعمر في الموسم ، وسأله أن يقيله فلم يفعل ، وأقسم عليه عمر ليرجعن إلى عمله . فدعا عتبة الله ، عز وجل فمات ببطن نخلة ، وهو منصرف من الحج ، فتأسف عليه عمر ، وأثنى عليه خيرا ، وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة ، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها ، لم يقع في زمانه حدث ، وكان مرزوق السلامة في عمله . ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبي بكرة ، فكان أمره ما قدمنا . ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري واليا عليها ، رضي الله عنهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية