صفحة جزء
[ ص: 352 ] ذكر وفاته ومدة ملكه وحياته

قال الله تبارك وتعالى : فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين [ سبأ : 14 ] . روى ابن جرير ، وابن أبي حاتم وغيرهما ، من حديث إبراهيم بن طهمان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان سليمان نبي الله ، عليه السلام ، إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها : ما اسمك ؟ فتقول : كذا . فيقول : لأي شيء أنت ؟ فإن كانت لغرس غرست ، وإن كانت لدواء كتبت ، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه ، فقال لها : ما اسمك ؟ قالت : الخروب . قال : لأي شيء أنت ؟ قالت : لخراب هذا البيت . فقال سليمان : اللهم عم على الجن موتي ; حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب . فنحتها عصا ، فتوكأ عليها حولا والجن تعمل ، فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين قال : وكان ابن عباس يقرؤها كذلك . قال : فشكرت الجن للأرضة ، فكانت تأتيها بالماء . لفظ ابن جرير . وعطاء الخراساني ، في حديثه نكارة . وقد رواه الحافظ ابن عساكر ، من طريق سلمة بن كهيل ، [ ص: 353 ] عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس موقوفا ، وهو أشبه بالصواب . والله أعلم . وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة : كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين ، والشهر والشهرين ، وأقل من ذلك وأكثر ، يدخل طعامه وشرابه . فأدخله في المرة التي توفي فيها ، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة ، فيأتيها ، فيسألها : ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمي كذا وكذا . فإن كانت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت : نبت دواء لكذا وكذا . فيجعلها كذلك ، حتى نبتت شجرة يقال لها : الخروبة . فسألها : ما اسمك ؟ فقالت : أنا الخروبة . فقال : ولأي شيء نبت ؟ فقالت : نبت لخراب هذا المسجد . فقال سليمان : ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس . فنزعها وغرسها في حائط له ، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه ، فمات ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له ، يخافون أن يخرج فيعاقبهم ، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب ، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه ، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول : ألست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب ؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر ، فدخل شيطان من أولئك ، فمر - ولم يكن [ ص: 354 ] شيطان ينظر إلى سليمان ، عليه السلام ، وهو في المحراب إلا احترق - ولم يسمع صوت سليمان ، ثم رجع فلم يسمع ، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق ، ونظر إلى سليمان ، عليه السلام ، قد سقط ميتا ، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ، ففتحوا عنه ، فأخرجوه ووجدوا منسأته - وهي العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة ، ولم يعلموا منذ كم مات ، فوضعوا الأرضة على العصا ، فأكلت منها يوما وليلة . ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة ، وهي قراءة ابن مسعود : ( فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا ) . فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون ، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له ، وذلك قول الله ، عز وجل : ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين يقول : تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم . ثم إن الشياطين قالوا للأرضة : لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ، ولكنا سننقل إليك الماء والطين . قال : فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت ، قال : ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب ، فهو ما تأتيها به الشياطين شكرا لها . وهذا فيه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب .

وقال أبو داود في كتاب " القدر " : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، قال : قال سليمان بن داود [ ص: 355 ] عليهما السلام ، لملك الموت : إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني . قال : ما أنا بأعلم بذاك منك ; إنما هي كتب تلقى إلي ، فيها تسمية من يموت .

وقال أصبغ بن الفرج ، وعبد الله بن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : قال سليمان لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني . فأتاه فقال : يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة . فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب ، فقام يصلي فاتكأ على عصاه . قال : فدخل عليه ملك الموت ، فقبض روحه وهو متوكئ على عصاه . ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت . قال : والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه ، يحسبون أنه حي . قال : فبعث الله دابة الأرض ، يعني إلى منسأته ، فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها ، فخر فلما رأت الجن ذلك ، انفضوا وذهبوا . قال : فذلك قوله : ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين قال أصبغ : وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل في منسأته حتى خر . وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم . والله أعلم .

قال إسحاق بن بشر ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، وغيره : أن سليمان ، عليه السلام ، عاش ثنتين وخمسين سنة ، وكان ملكه أربعين سنة . وقال إسحاق : أنبأنا أبو روق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن [ ص: 356 ] ملكه كان عشرين سنة . فالله أعلم . وقال ابن جرير : فكان جميع عمر سليمان بن داود عليهما السلام ، نيفا وخمسين سنة . وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر . ثم ملك بعده ابنه رحبعم مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير قال : ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية