صفحة جزء
ولمالك - رحمه الله - رسالة في القدر ، كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح . وله مؤلف : في النجوم ومنازل القمر ، رواه سحنون ، عن ابن نافع الصائغ ، عنه مشهور . [ ص: 89 ] ورسالة في الأقضية ، مجلد ، رواية محمد بن يوسف بن مطروح ، عن عبد الله بن [ عبد ] الجليل . ورسالة إلى أبي غسان محمد بن مطرف .

ورسالة آداب إلى الرشيد ، إسنادها منقطع ، قد أنكرها إسماعيل القاضي وغيره ، وفيها أحاديث لا تعرف . قلت : هذه الرسالة موضوعة . وقال القاضي الأبهري : فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها لأدبه . وله جزء في التفسير يرويه خالد بن عبد الرحمن المخزومي ، يرويه القاضي عياض عن أبي جعفر أحمد بن سعيد ، عن أبي عبد الله محمد بن الحسن المقرئ ، عن محمد بن علي المصيصي ، عن أبيه بإسناده .

وكتاب " السر " من رواية ابن القاسم عنه ، رواه الحسن بن أحمد العثماني ، عن محمد بن عبد العزيز بن وزير الجروي ، عن الحارث بن مسكين ، عنه .

قلت : هو جزء واحد سمعه أبو محمد بن النحاس المصري ، من محمد بن بشر العكري ، حدثنا مقدام بن داود الرعيني ، حدثنا الحارث بن مسكين ، وأبو زيد بن أبي الغمر ، قالا : حدثنا ابن القاسم . [ ص: 90 ]

قال : ورسالة إلى الليث في إجماع أهل المدينة معروفة . فأما ما نقل عنه كبار أصحابه من المسائل والفتاوى والفوائد ، فشيء كثير . ومن كنوز ذلك : " المدونة " و " الواضحة " وأشياء .

قال مالكي : قد ندر الاجتهاد اليوم ، وتعذر ، فمالك أفضل من يقلد ، فرجح تقليده .

وقال شيخ : إن الإمام لمن التزم بتقليده ، كالنبي مع أمته ، لا تحل مخالفته .

قلت : قوله : لا تحل مخالفته ، مجرد دعوى واجتهاد بلا معرفة ، بل له مخالفة إمامه إلى إمام آخر ، حجته في تلك المسألة أقوى ، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له ، لا كمن تمذهب لإمام ، فإذا لاح له ما يوافق هواه ، عمل به من أي مذهب كان ، ومن تتبع رخص المذاهب ، وزلات المجتهدين ، فقد رق دينه ، كما قال الأوزاعي أو غيره : من أخذ بقول المكيين في المتعة ، والكوفيين في النبيذ ، والمدنيين في الغناء ، والشاميين في عصمة الخلفاء ، فقد جمع الشر . وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها ، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه ، وشبه ذلك ، فقد تعرض للانحلال ، فنسأل الله العافية والتوفيق .

ولكن : شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفا في الفقه ، فإذا حفظه ، بحثه ، وطالع الشروح ، فإن كان ذكيا فقيه النفس ، ورأى حجج الأئمة ، فليراقب الله ، وليحتط لدينه ، فإن خير الدين الورع ، ومن ترك الشبهات [ ص: 91 ] فقد استبرأ لدينه وعرضه ، والمعصوم من عصمه الله .

فالمقلدون صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرط ثبوت الإسناد إليهم ، ثم أئمة التابعين كعلقمة ، ومسروق ، وعبيدة السلماني ، وسعيد بن المسيب ، وأبي الشعثاء ، وسعيد بن جبير ، وعبيد الله بن عبد الله ، وعروة ، والقاسم ، والشعبي ، والحسن ، وابن سيرين ، وإبراهيم النخعي . ثم كالزهري ، وأبي الزناد ، وأيوب السختياني ، وربيعة ، وطبقتهم . ثم كأبي حنيفة ، ومالك ، والأوزاعي ، وابن جريج ، ومعمر ، وابن أبي عروبة ، وسفيان الثوري ، والحمادين ، وشعبة ، والليث ، وابن الماجشون ، وابن أبي ذئب .

ثم كابن المبارك ، ومسلم الزنجي ، والقاضي أبي يوسف ، والهقل بن زياد ، ووكيع ، والوليد بن مسلم ، وطبقتهم . ثم كالشافعي ، وأبي عبيد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، والبويطي ، وأبي بكر بن أبي شيبة . ثم كالمزني ، وأبي بكر الأثرم ، والبخاري ، وداود بن علي ، ومحمد بن نصر المروزي ، وإبراهيم الحربي ، وإسماعيل القاضي . ثم كمحمد بن جرير الطبري ، وأبي بكر بن خزيمة ، وأبي عباس بن سريج ، وأبي بكر بن المنذر ، وأبي جعفر الطحاوي ، وأبي بكر الخلال . ثم من بعد هذا النمط تناقص الاجتهاد ، ووضعت المختصرات ، وأخلد الفقهاء إلى التقليد من غير نظر في الأعلم ، بل بحسب الاتفاق ، والتشهي ، والتعظيم ، والعادة ، والبلد . فلو أراد الطالب اليوم أن يتمذهب في المغرب لأبي حنيفة ، لعسر عليه ، كما لو أراد أن يتمذهب لابن حنبل [ ص: 92 ] ببخارى ، وسمرقند ، لصعب عليه ، فلا يجيء منه حنبلي ، ولا من المغربي حنفي ، ولا من الهندي مالكي . وبكل حال : فإلى فقه مالك المنتهى . فعامة آرائه مسددة ، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيل ، ومراعاة المقاصد ، لكفاه .

ومذهبه قد ملأ المغرب ، والأندلس ، وكثيرا من بلاد مصر ، وبعض الشام ، واليمن ، والسودان ، وبالبصرة ، وبغداد ، والكوفة ، وبعض خراسان .

وكذلك اشتهر مذهب الأوزاعي مدة ، وتلاشى أصحابه ، وتفانوا . وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا ، ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة . وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي ، فضلا عن أن يكون مجتهدا . وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاث مائة ، وأصحاب داود إلا القليل ، وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربع مائة .

وللزيدية مذهب في الفروع بالحجاز وباليمن ، لكنه معدود في أقوال أهل البدع ، كالإمامية ، ولا بأس بمذهب داود ، وفيه أقوال حسنة ، ومتابعة للنصوص ، مع أن جماعة من العلماء لا يعتدون بخلافه ، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه .

وأما القاضي ، فذكر ما يدل على جواز تقليدهم إجماعا ، فإنه سمى المذاهب الأربعة ، والسفيانية ، والأوزاعية ، والداودية . ثم إنه قال : فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم ، مع الاختلاف في أعيانهم ، واتفاق العلماء على اتباعهم ، والاقتداء بمذاهبهم ، ودرس كتبهم ، والتفقه على مآخذهم ، والتفريع على أصولهم ، دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم ، للعلل التي ذكرناها . [ ص: 93 ] وصار الناس اليوم في الدنيا إلى خمسة مذاهب ، فالخامس : هو مذهب الداودية . فحق على طالب العلم أن يعرف أولاهم بالتقليد ، ليحصل على مذهبه . وها نحن نبين أن مالكا - رحمه الله - هو ذلك ، لجمعه أدوات الإمامة وكونه أعلم القوم .

ثم وجه القاضي دعواه ، وحسنها ونمقها ، ولكن ما يعجز كل واحد من حنفي ، وشافعي ، وحنبلي ، وداودي ، عن ادعاء مثل ذلك لمتبوعه ، بل ذلك لسان حاله ، وإن لم يفه به .

ثم قال القاضي عياض : وعندنا - ولله الحمد - لكل إمام من المذكورين مناقب تقضي له بالإمامة .

قلت : ولكن هذا الإمام الذي هو النجم الهادي قد أنصف ، وقال قولا فصلا ، حيث يقول : كل أحد يؤخذ من قوله ويترك ، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم . ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقها ، وسعة علم ، وحسن قصد ، فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله ، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير [ ص: 94 ] في مسائل ، ولاح له الدليل ، وقامت عليه الحجة ، فلا يقلد فيها إمامه ، بل يعمل بما تبرهن ، ويقلد الإمام الآخر بالبرهان ، لا بالتشهي والغرض . لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب إمامه ، أو ليصمت فيما خفي عليه دليله .

قال الشافعي : العلم يدور على ثلاثة : مالك ، والليث ، وابن عيينة .

قلت : بل وعلى سبعة معهم ، وهم : الأوزاعي ، والثوري ، ومعمر ، وأبو حنيفة ، وشعبة ، والحمادان .

وروي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكر مالكا يقول : عالم العلماء ، ومفتي الحرمين .

وعن بقية أنه قال : ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية منك يا مالك .

وقال أبو يوسف : ما رأيت أعلم من أبي حنيفة ، ومالك ، وابن أبي ليلى .

وذكر أحمد بن حنبل مالكا ، فقدمه على الأوزاعي ، والثوري ، والليث ، وحماد ، والحكم ، في العلم . وقال : هو إمام في الحديث وفي الفقه . وقال القطان : هو إمام يقتدى به . وقال ابن معين : مالك من حجج الله على خلقه . وقال أسد بن الفرات : إذا أردت الله والدار الآخرة فعليك بمالك . [ ص: 95 ] وقد صنف مكي القيسي كتابا فيما روي عن مالك في التفسير ، ومعاني القرآن . وقد ذكره أبو عمرو الداني في " طبقات القراء " . وأنه تلا على نافع بن أبي نعيم .

وقال بهلول بن راشد ما رأيت أنزع بآية من مالك مع معرفته بالصحيح والسقيم .

قرأت على إسحاق بن طارق ، أخبرنا ابن خليل ، أخبرنا أبو المكارم التيمي ، ونبأني ابن سلامة ، عن أبي المكارم ، أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا أبو محمد بن حيان ، حدثنا محمد بن أحمد بن عمرو ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن كليب ، عن الفضل بن زياد ، سألت أحمد بن حنبل : من ضرب مالكا ؟ قال : بعض الولاة في طلاق المكره ، كان لا يجيزه ، فضربه لذلك . وبه قال أبو نعيم : حدثنا محمد بن علي ، حدثنا المفضل الجندي ، [ ص: 96 ] سمعت أبا مصعب ، سمعت مالكا ، يقول : ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك .

ثم قال أبو مصعب : كان مالك لا يحدث إلا وهو على طهارة إجلالا للحديث .

وبه قال : حدثنا ابن حيان ، حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : قال الشافعي : إذا جاء الأثر كان مالك كالنجم ، وهو وسفيان القرينان .

وبه : حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا السراج ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة : أتيت المدينة بعد موت نافع بسنة ، فإذا الحلقة لمالك .

وبه : حدثنا أحمد بن إسحاق ، أخبرنا محمد بن أحمد بن راشد ، سمعت أبا داود يقول : حكى لي بعض أصحاب ابن وهب ، عنه ، أن مالكا لما ضرب ، حلق وحمل على بعير ، فقيل له : ناد على نفسك . فقال : ألا من عرفني ، فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس ، أقول : طلاق المكره ليس بشيء . فبلغ ذلك جعفر بن سليمان الأمير ، فقال : أدركوه ، أنزلوه . [ ص: 97 ]

وبه : حدثنا إبراهيم ، حدثنا السراج ، حدثنا الحسن بن عبد العزيز ، حدثنا الحارث بن مسكين ، عن ابن وهب قال : قيل لمالك : ما تقول في طلب العلم ؟ قال : حسن جميل ، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي ، فالزمه .

وبه عن ابن وهب : سئل مالك عن الداعي يقول : يا سيدي . فقال : يعجبني دعاء الأنبياء : ربنا ، ربنا .

وبه : حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم ، حدثنا الأبار ، حدثنا أحمد بن هاشم ، حدثنا ضمرة ، سمعت مالكا يقول : لو أن لي سلطانا على من يفسر القرآن لضربت رأسه .

قلت : يعني تفسيره برأيه . وكذلك جاء عن مالك ، من طريق أخرى .

وبه : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي ، حدثنا نعيم بن حماد ، سمعت ابن المبارك يقول : ما رأيت أحدا ارتفع مثل مالك ، ليس له كثير صلاة ولا صيام ، إلا أن تكون له سريرة .

قلت : ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله .

وبه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا المقدام بن داود ، حدثنا عبد الله [ ص: 98 ] بن عبد الحكم ، سمعت مالكا يقول : شاورني هارون الرشيد في ثلاثة : في أن يعلق الموطأ في الكعبة ، ويحمل الناس على ما فيه ، وفي أن ينقض منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويجعله من ذهب وفضة وجوهر ، وفي أن يقدم نافعا إماما في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : أما تعليق " الموطأ " ، فإن الصحابة اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا ، وكل عند نفسه مصيب . وأما نقض المنبر ، فلا أرى أن يحرم الناس أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما تقدمتك نافعا فإنه إمام في القراءة ، لا يؤمن أن تبدر منه بادرة في المحراب ، فتحفظ عليه . فقال : وفقك الله يا أبا عبد الله .

هذا إسناد حسن ، لكن لعل الراوي وهم في قوله : هارون ، لأن نافعا قبل خلافة هارون مات .

من قول مالك في السنة : وبه حدثنا محمد بن أحمد بن علي ، حدثنا الفريابي ، حدثنا الحلواني ، سمعت مطرف بن عبد الله ، سمعت مالكا يقول : سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر بعده سننا ، الأخذ بها اتباع لكتاب الله ، واستكمال بطاعة الله ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد تغييرها ، ولا تبديلها ، ولا النظر في شيء خالفها ، من اهتدى بها ، فهو مهتد ، ومن استنصر بها ، فهو منصور ، ومن تركها ، اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا . [ ص: 99 ] وبه إلى الحلواني : سمعت إسحاق بن عيسى يقول : قال مالك : أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل ، تركنا ما نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لجدله ؟!

وبه حدثنا الحسن بن سعيد ، حدثنا زكريا الساجي ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أبو ثور : سمعت الشافعي يقول : كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء ، قال : أما إني على بينة من ديني ، وأما أنت ، فشاك ، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه .

وبه حدثنا سليمان الطبراني ، حدثنا الحسين بن إسحاق ، حدثنا يحيى بن خلف الطرسوسي - وكان من ثقات المسلمين - ، قال : كنت عند مالك ، فدخل عليه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول : القرآن مخلوق ؟ فقال مالك : زنديق ، اقتلوه . فقال : يا أبا عبد الله ، إنما أحكي كلاما سمعته ، قال : إنما سمعته منك ، وعظم هذا القول .

وبه حدثنا ابن حيان ، حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، قال : قال مالك : الناس ينظرون إلى الله عز وجل يوم القيامة بأعينهم .

وبه حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، سمعت مالكا يقول لرجل سأله عن القدر : نعم . قال الله تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها . [ ص: 100 ]

وبه حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا ابن أبي عاصم ، سمعت سعيد بن عبد الجبار ، سمعت مالكا يقول : رأيي فيهم أن يستتابوا ، فإن تابوا ، وإلا قتلوا - يعني القدرية .

وبه حدثنا محمد بن علي العقيلي ، حدثنا القاضي أبو أمية الغلابي ، حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا مهدي بن جعفر ، حدثنا جعفر بن عبد الله قال : كنا عند مالك ، فجاءه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله : الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته ، فنظر إلى الأرض ، وجعل ينكت بعود في يده ، حتى علاه الرحضاء ثم رفع رأسه ، ورمى بالعود ، وقال : الكيف منه غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأظنك صاحب بدعة . وأمر به فأخرج .

قال سلمة بن شبيب مرة في رواية هذا : وقال للسائل : إني أخاف أن تكون ضالا .

وقال أبو الربيع الرشيديني : حدثنا ابن وهب قال : كنا عند مالك ، [ ص: 101 ] فقال رجل : يا أبا عبد الله : الرحمن على العرش استوى كيف استواؤه ؟ . فأطرق مالك ، وأخذته الرحضاء ، ثم رفع رأسه ، فقال : الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ، ولا يقال له : كيف ، و " كيف " عنه مرفوع ، وأنت رجل سوء صاحب بدعة ، أخرجوه .

وقال محمد بن عمرو قشمرد النيسابوري : سمعت يحيى بن يحيى يقول : كنا عند مالك فجاءه رجل ، فقال : الرحمن على العرش استوى فذكر نحوه ، وفيه ، فقال : الاستواء غير مجهول .

وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب : " الرد على الجهمية " له ، قال : حدثني أبي ، حدثنا سريج بن النعمان ، عن عبد الله بن نافع ، قال : قال مالك : الله في السماء ، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء .

وقال محمد بن إسحاق الصغاني : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد العمري ، حدثنا ابن أبي أويس ، سمعت مالكا يقول : القرآن كلام الله ، وكلام الله منه ، وليس من الله شيء مخلوق . [ ص: 102 ]

قال القاضي عياض في سيرة مالك قال ابن نافع وأشهب - وأحدهما يزيد على الآخر - قلت : يا أبا عبد الله : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ينظرون إلى الله ؟ قال : نعم ، بأعينهم هاتين . قلت : فإن قوما يقولون : ناظرة : بمعنى منتظرة إلى الثواب . قال : بل تنظر إلى الله ، أما سمعت قول موسى : رب أرني أنظر إليك أتراه سأل محالا ؟ قال الله : لن تراني في الدنيا ، لأنها دار فناء ، فإذا صاروا إلى دار البقاء ، نظروا بما يبقى إلى ما يبقى . قال تعالى : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون .

قال القاضي وقال غير واحد عن مالك : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، وبعضه أفضل من بعض .

قال : وقال ابن القاسم : كان مالك يقول : الإيمان يزيد . وتوقف عن النقصان .

قال : وروى ابن نافع ، عن مالك : من قال : القرآن مخلوق ، يجلد ويحبس .

قال : وفي رواية بشر بن بكر ، عن مالك قال : يقتل ولا تقبل له توبة .

يونس الصدفي : حدثنا أشهب ، عن مالك ، قال : القدرية لا [ ص: 103 ] تناكحوهم ، ولا تصلوا خلفهم .

أحمد بن عيسى : حدثنا ابن وهب ، قال : قال مالك : لا يستتاب من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكفار والمسلمين .

أبو أحمد بن عدي : حدثنا أحمد بن علي المدائني ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر ، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر ، قال : قال القاسم : سألت مالكا عمن حدث بالحديث ، الذين قالوا : إن الله خلق آدم على صورته . والحديث الذي جاء : إن الله يكشف عن ساقه ، وأنه [ ص: 104 ] يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد فأنكر مالك ذلك إنكارا شديدا ، ونهى أن يحدث بها أحد ، فقيل له : إن ناسا من أهل العلم يتحدثون به ، فقال : من هو ؟ قيل : ابن عجلان عن أبي الزناد ، قال : لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ، ولم يكن عالما . وذكر أبا الزناد ، فقال : لم يزل عاملا لهؤلاء حتى مات . رواها مقدام الرعيني ، عن ابن أبي الغمر ، والحارث بن مسكين ، قالا : حدثنا ابن القاسم .

قلت : أنكر الإمام ذلك ، لأنه لم يثبت عنده ، ولا اتصل به ، فهو معذور ، كما أن صاحبي " الصحيحين " معذوران في إخراج ذلك - أعني الحديث الأول والثاني - لثبوت سندهما ، وأما الحديث الثالث ، فلا أعرفه [ ص: 105 ] بهذا اللفظ ، فقولنا في ذلك وبابه : الإقرار ، والإمرار ، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم .

وقال ابن عدي : حدثنا محمد بن هارون بن حسان ، حدثنا صالح بن أيوب ، حدثنا حبيب بن أبي حبيب ، حدثني مالك قال : يتنزل ربنا - تبارك وتعالى - أمره ، فأما هو ، فدائم لا يزول . قال صالح : فذكرت ذلك ليحيى بن بكير ، فقال : حسن والله ، ولم أسمعه من مالك .

قلت : لا أعرف صالحا ، وحبيب مشهور ، والمحفوظ عن مالك - رحمه الله - رواية الوليد بن مسلم أنه سأله عن أحاديث الصفات ، فقال : أمرها كما جاءت ، بلا تفسير . فيكون للإمام في ذلك قولان إن صحت رواية حبيب .

أحمد بن عبد الرحيم بن البرقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا عمرو بن حسان أن أبا خليد قال لمالك : يا أبا عبد الله إن أهل دمشق يقرءون : إبراهام . فقال : أهل دمشق بأكل البطيخ أعلم منهم بالقراءة . قال له أبو خليد : إنهم يدعون قراءة عثمان ، قال مالك : فهذا مصحف عثمان عندي . ودعا به ، ففتح ، فإذا فيه : إبراهام ، كما قال أهل دمشق .

قلت : رسم المصحف محتمل للقراءتين ، وقراءة الجمهور أفصح وأولى . [ ص: 106 ]

قال ابن القاسم : سألت مالكا عن علي وعثمان . فقال : ما أدركت أحدا ممن أقتدي به إلا وهو يرى الكف عنهما ، قال ابن القاسم : يريد التفضيل بينهما . فقلت : فأبو بكر وعمر ؟ فقال : ليس فيهما إشكال ، إنهما أفضل من غيرهما .

قال الحسن بن رشيق : سمعت النسائي يقول : أمناء الله على علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة : شعبة ، ومالك ، ويحيى القطان .

قال القاضي عياض : قال معن : انصرف مالك يوما ، فلحقه رجل يقال له : أبو الجويرية ، متهم بالإرجاء . فقال : اسمع مني ، قال : احذر أن أشهد عليك . قال : والله ما أريد إلا الحق ، فإن كان صوابا فقل به ، أو فتكلم . قال : فإن غلبتني ؟ قال : اتبعني . قال : فإن غلبتك ؟ قال : اتبعتك . قال : فإن جاء رجل فكلمنا ، فغلبنا ؟ قال : اتبعناه . فقال مالك : يا هذا ، إن الله بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بدين واحد ، وأراك تتنقل .

وعن مالك قال : الجدال في الدين ينشئ المراء ، ويذهب بنور العلم من القلب ويقسي ، ويورث الضغن .

قال القاضي عياض : قال أبو طالب المكي : كان مالك - رحمه الله - أبعد الناس من مذاهب المتكلمين ، وأشد نقضا للعراقيين . ثم قال القاضي عياض : قال سفيان بن عيينة : سأل رجل مالكا فقال : الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ فسكت مالك حتى علاه الرحضاء ، ثم قال : الاستواء منه معلوم ، والكيف منه غير معقول ، والسؤال عن هذا [ ص: 107 ] بدعة ، والإيمان به واجب ، وإني لأظنك ضالا . أخرجوه . فناداه الرجل : يا أبا عبد الله ، والله لقد سألت عنها أهل البصرة والكوفة والعراق ، فلم أجد أحدا وفق لما وفقت له .

التالي السابق


الخدمات العلمية