صفحة جزء
الشافعي : أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بكير بن الأشج ، عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري : أنه كان جالسا مع ابن الزبير ، فجاء محمد بن إياس بن البكير ، فسأل عن رجل طلق ثلاثا قبل الدخول . فبعثه إلى أبي هريرة ، وابن عباس - وكانا عند عائشة - فذهب ، فسألهما . فقال ابن عباس لأبي هريرة : أفته يا أبا هريرة ; فقد جاءتك معضلة . فقال : الواحدة تبينها ، والثلاث تحرمها . وقال ابن عباس مثله .

وقد كان أبو هريرة يجلس إلى حجرة عائشة ، فيحدث ، ثم يقول : يا صاحبة الحجرة ، أتنكرين مما أقول شيئا ؟

فلما قضت صلاتها ، لم تنكر ما رواه ; لكن قالت : لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يسرد الحديث سردكم . [ ص: 608 ] وكذلك قيل لابن عمر : هل تنكر مما يحدث به أبو هريرة شيئا ؟ فقال : لا ، ولكنه اجترأ وجبنا .

فقال أبو هريرة : فما ذنبي ، إن كنت حفظت ونسوا ! .

قال يزيد بن هارون : سمعت شعبة يقول : كان أبو هريرة يدلس .

قلت : تدليس الصحابة كثير ، ولا عيب فيه ; فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم ; والصحابة كلهم عدول .

شريك ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة .

وروى حسين بن عياش ، عن الأعمش ، عن إبراهيم نحوه . [ ص: 609 ] الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان حديث جنة أو نار .

قلت : هذا لا شيء ، بل احتج المسلمون قديما وحديثا بحديثه; لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه ، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ، ويقول : أفت يا أبا هريرة .

وأصح الأحاديث ما جاء عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة .

وما جاء عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .

وما جاء عن ابن عون ، وأيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة .

وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه .

حماد بن زيد ، عن عباس الجريري : سمعت أبا عثمان النهدي ، قال : تضيفت أبا هريرة سبعا ; فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا : يصلي هذا ، ثم يوقظ هذا ، ويصلي هذا ، ثم يوقظ هذا .

قلت : يا أبا هريرة ، كيف تصوم ؟ قال : أصوم من أول الشهر ثلاثا .

ابن سعد : حدثنا يحيى بن عباد : حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام [ ص: 610 ] بن سعيد بن زيد الأنصاري ، عن شرحبيل : أن أبا هريرة كان يصوم الاثنين والخميس .

عبد العزيز بن المختار ، عن خالد ، عن عكرمة : أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ، يقول : أسبح بقدر ديتي .

ورواه عبد الوارث ، عن خالد .

أخبرنا أحمد بن هبة الله : عن المؤيد الطوسي : أخبرنا هبة الله السندي : أخبرنا سعيد بن محمد : أخبرنا زاهر بن أحمد : أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي : أخبرنا أبو مصعب الزهري : حدثنا مالك ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن حميد بن مالك بن خثيم ، قال : كنت جالسا عند أبي هريرة في أرضه بالعقيق ، فأتاه قوم ، فنزلوا عنده . قال حميد : فقال : اذهب إلى أمي ، فقل : إن ابنك يقرئك السلام ، ويقول : أطعمينا شيئا . قال : فوضعت ثلاثة أقراص في الصحفة ، وشيئا من زيت وملح ووضعتها على رأسي ; فحملتها إليهم .

فلما وضعته بين أيديهم ; كبر أبو هريرة ، وقال : الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز ، بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين : التمر والماء .

فلم يصب القوم من الطعام شيئا . فلما انصرفوا ، قال : يابن أخي ، أحسن إلى غنمك ، وامسح عنها الرعام ، وأطب مراحها ، وصل في ناحيتها ; فإنها من دواب الجنة . والذي نفسي بيده ، يوشك أن يأتي على [ ص: 611 ] الناس زمان تكون الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان .

أخرجه البخاري في كتاب " الأدب " عن ابن أبي أويس ، عن مالك . ووثق النسائي حميدا .

هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن ميمون بن ميسرة ، قال : كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم : أول النهار وآخره . يقول : ذهب الليل ، وجاء النهار ، وعرض آل فرعون على النار . فلا يسمعه أحد إلا استعاذ بالله من النار .

جعفر بن برقان : حدثنا الوليد بن زوران : حدثني عبد الوهاب المدني ، قال : بلغني أن رجلا دخل على معاوية ، فقال : مررت بالمدينة ، فإذا أبو هريرة جالس في المسجد ، حوله حلقة يحدثهم ، فقال : حدثني خليلي أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم- ثم استعبر ، فبكى ، ثم عاد فقال : حدثني خليلي - صلى الله عليه وسلم- نبي الله أبو القاسم . ثم استعبر فبكى . ثم قام .

ابن لهيعة ، عن أبي يونس ، عن أبي هريرة : أنه صلى بالناس يوما ، فلما سلم ، رفع صوته ، فقال : الحمد لله الذي جعل الدين قواما ، وجعل أبا هريرة إماما ; بعد أن كان أجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه ، وحمولة رجله . [ ص: 612 ] ابن علية ، عن الجريري ، عن مضارب بن حزن ، قال : بينا أنا أسير تحت الليل ، إذا رجل يكبر ، فألحقه بعيري . فقلت : من هذا ؟ قال : أبو هريرة . قلت : ما هذا التكبير ؟ قال : شكر . قلت : علامه ؟ قال : كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بعقبة رجلي ، وطعام بطني ، وكانوا إذا ركبوا سقت بهم ، وإذا نزلوا خدمتهم ، فزوجنيها الله ، فهي امرأتي .

معمر ، عن أيوب ، عن محمد : أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين ، فقدم بعشرة آلاف . فقال له عمر : استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله ، وعدو كتابه ؟ .

فقال أبو هريرة : فقلت : لست بعدو الله وعدو كتابه ; ولكني عدو من عاداهما .

قال : فمن أين هي لك ؟ قلت : خيل نتجت ، وغلة رقيق لي ، وأعطية تتابعت .

فنظروا ، فوجدوه كما قال .

فلما كان بعد ذلك ، دعاه عمر ليوليه ، فأبى . فقال : تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرا منك : يوسف عليه السلام! فقال : يوسف نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة بن أميمة . وأخشى ثلاثا واثنتين . قال : فهلا قلت خمسا ؟ قال : أخشى أن أقول بغير علم ، وأقضي بغير حلم ، وأن يضرب ظهري ، وينتزع مالي ، ويشتم عرضي . [ ص: 613 ]

رواه سعد بن الصلت ، عن يحيى بن العلاء ، عن أيوب ، متصلا بأبي هريرة .

أخبرني إبراهيم بن يوسف : أخبرنا ابن رواحة : أخبرنا السلفي : أخبرنا ابن البسري أخبرنا عبد الله بن يحيى : أخبرنا إسماعيل الصفار : حدثنا الرمادي : حدثنا عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن محمد بن زياد ، قال : كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة ; فإذا غضب عليه ، بعث مروان ، وعزله ، قال : فلم يلبث أن نزع مروان ، وبعث أبا هريرة ، فقال لغلام أسود : قف على الباب ، فلا تمنع إلا مروان ، ففعل الغلام ، ودخل الناس ، ومنع مروان . ثم جاء نوبة فدخل ، وقال : حجبنا عنك ، فقال : إن أحق من لا أنكر هذا لأنت . [ ص: 614 ]

رواه الحافظ أبو القاسم في " تاريخه " عن السلفي إجازة .

قلت : كان أبو هريرة طيب الأخلاق . ربما ناب في المدينة عن مروان أيضا .

حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، قال : كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة ، فيركب حمارا ببرذعة ، وفي رأسه خلبة من ليف ، فيسير ، فيلقى الرجل ، فيقول : الطريق ! قد جاء الأمير .

وربما أتى الصبيان ، وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب . فلا يشعرون ، حتى يلقي نفسه بينهم ، ويضرب برجليه ، فيفزع الصبيان ، فيفرون . وربما دعاني إلى عشائه ، فيقول : دع العراق للأمير . فأنظر ، فإذا هو ثريدة بزيت .

عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن زياد القرظي : حدثني ثعلبة بن أبي مالك القرظي ، قال : أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب ، وهو يومئذ خليفة لمروان ، فقال : أوسع الطريق للأمير . [ ص: 615 ] يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب ، قال : كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت ، فإذا أمسك عنه ، تكلم .

هشام بن عروة ، عن رجل ، عن أبي هريرة ، قال : درهم يكون من هذا - وكأنه يمسح العرق عن جبينه- أتصدق به ، أحب إلي من مائة ألف ، ومائة ألف ، ومائة ألف ، من مال فلان .

وقال حزم القطعي : سمعت الحسن يقول : كان أبو هريرة إذا مرت به جنازة ، قال : اغدوا فإنا رائحون ; وروحوا فإنا غادون .

يونس ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة - فذكر حديث بسط ثوبه- قال : فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثت به .

أبو هلال ، عن الحسن : قال أبو هريرة : لو حدثتكم بكل ما في كيسي ، لرميتموني بالبعر ، ثم قال الحسن : صدق ، والله ، لو حدثهم أن [ ص: 616 ] بيت الله يهدم ، أو يحرق ، ما صدقوه .

التالي السابق


الخدمات العلمية