صفحة جزء
المستنصر

الخليفة الإمام أبو القاسم أحمد بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء الهاشمي العباسي البغدادي ، أخو الخليفة المستنصر بالله منصور واقف المستنصرية .

بويع بالخلافة أحمد بعد خلو الوقت من خليفة عباسي ثلاث سنين ونصف سنة ، وكان هذا معتقلا ببغداد مع غيره من أولاد الخلفاء ، فلما [ ص: 169 ] استولى هولاكو على بغداد ، نجا هذا ، وانضم إلى عرب العراق ، فلما سمع بسلطنة الملك الظاهر وفد عليه في رجب سنة تسع وخمسين في عشرة من آل مهارش ، فركب السلطان للقائه والقضاة والدولة ، وشق قصبة القاهرة ، ثم أثبت نسبه على القضاة ، وبويع فركب يوم الجمعة من القلعة في السواد حتى أتى جامع القلعة ، فصعد المنبر وخطب ولوح بشرف آل العباس ، ودعا للسلطان وللرعية ، وصلى بالناس .

قال القاضي جمال الدين محمد بن سومر المالكي : حدثني شيخنا ابن عبد السلام قال : لما أخذنا في بيعة المستنصر قلت للملك الظاهر : بايعه ، فقال : ما أحسن ، لكن بايعه أنت أولا وأنا بعدك ، فلما عقدنا البيعة ، حضرنا من الغد عند السلطان ، فأثنى على الخليفة ، وقال : من جملة بركته أنني دخلت أمس الدار ، فقصدت مسجدا فيها للصلاة ، فأرى مصطبة نافرة ، فقلت للغلمان أخربوا هذه ، فلما هدموها ، انفتح تحتها سرب فنزلوا فإذا فيه صناديق كثيرة مملوءة ذهبا وفضة من ذخائر الملك الكامل رحمه الله .

قلت : وهذا هو الخليفة الثامن والثلاثون من بني العباس ، بويع بقلعة الجبل في ثالث عشر رجب سنة تسع . وكان أسمر آدم ، شجاعا ، مهيبا ، ضخما ، عالي الهمة . ورتب له السلطان أتابكا وأستاذ دار ، وشرابيا وخزندارا وحاجبا وكاتبا ، وعين له خزانة وعدة مماليك ، ومائة فرس وعشر قطارات جمال وعشر قطارات بغال إلى أمثال ذلك .

قال أبو شامة قرئ بالعادلية كتاب السلطان إلى قاضي القضاة [ ص: 170 ] نجم الدين بن سني الدولة بأنه قدم عليهم أبو القاسم أحمد بن الظاهر وهو أخو المستنصر ، وجمع له الناس ، وأثبت في المجلس نسبه عند قاضي القضاة ، وبدأ بالبيعة السلطان ، ثم الكبار على مراتبهم ، ونقش اسمه على السكة ، ولقب بلقب أخيه .

قال قطب الدين البعلي وفي شعبان رسم الخليفة بعمل خلعة للسلطان وبكتابة تقليد ، ونصبت خيمة بظاهر مصر ، وركب المستنصر والظاهر إليها في رابع شعبان ، وحضر القضاة والأمراء والوزير ، فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده ، وطوقه وقيده ، ونصب منبر صعد عليه فخر الدين بن لقمان كاتب السر ، فقرأ التقليد الذي أنشأه ، ثم ركب السلطان بالخلعة ودخل من باب النصر ، وزينت القاهرة ، وحمل الصاحب التقليد على رأسه راكبا والأمراء مشاة .

قلت : ثم عزم المستنصر على التوجه إلى بغداد بإشارة السلطان وإعانته ، فذكر ابن عبد الظاهر في " سيرة الملك الظاهر " أن السلطان قال له : أنفقت على الخليفة والملوك المواصلة ألف ألف وست مائة ألف دينار . .

قال قطب الدين البعلي ثم سار هو والسلطان من مصر في تاسع عشر رمضان ، ودخلا دمشق في سابع ذي القعدة ، ثم سار الخليفة ومعه صاحب الموصل وصاحب سنجار بعد أيام .

قال أبو شامة نزل الخليفة بالتربة الناصرية ، ودخل يوم الجمعة [ ص: 171 ] إلى جامع دمشق ، إلى المقصورة ، ثم جاء بعده السلطان فصليا وخرجا ، ومشيا إلى نحو مركوب الخليفة بباب البريد ، ثم رجع السلطان إلى باب الزيادة .

قال القطب فسافر الخليفة ، وصاحب الموصل إلى الرحبة ، ثم افترقا ، ثم وصل الخليفة بمن معه إلى مشهد علي ، ولما أتوا عانة وجدوا بها الحاكم في سبع مائة نفس ، فأتى إلى المستنصر وبايع ، ونزل في مخيمه معه وتسلم الخليفة عانة ، وأقطعها جماعة ، ثم وصل إلى الحديثة ، ففتحها أهلها له ، فلما اتصل الخبر بمقدم المغول بالعراق ، وبشحنة بغداد ساروا في خمسة آلاف ، وعسكروا بالأنبار ، ونهبوا أهلها وقتلوا وسار الخليفة إلى هيت فحاصرها ، ثم دخلها في آخر ذي الحجة ، ونهب ذمتها ، ثم نزل الدور .

وبعث طلائعه فأتوا الأنبار في ثالث المحرم سنة ستين ، فعبرت التتار في الليل في المراكب وفي المخائض ، والتقى من الغد الجمعان ، فانكسر أولا الشحنة ، ووقع معظم أصحابه في الفرات ، ثم خرج كمين لهم ، فهربت الأعراب والتركمان ، فأحاط الكمين بعسكر الخليفة ، فحمل الخليفة بهم ، فأفرج لهم التتار ، ونجا جماعة منهم الحاكم في نحو الخمسين ، وقتل عدة ، والظاهر أن الخليفة قتل ، ويقال : بل سلم ، وأضمرته البلاد ، ولم يصح ، وقيل : بل قتل يومئذ ثلاثة من التتار وقتل رحمه الله في أوائل المحرم كهلا ، وبعد سنتين بويع الحاكم بأمر الله أحمد .

التالي السابق


الخدمات العلمية