صفحة جزء
غزوة الرجيع

وهي في صفر من السنة الرابعة ، فيما ورخه الواقدي ، وقال : هي على سبعة أميال من عسفان . فحدثني موسى بن يعقوب ، عن أبي الأسود ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع عيونا إلى مكة ليخبروه .

قال إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب : أخبرني عمر بن أسيد بن جارية الثقفي ، أن أبا هريرة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عينا ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة ; بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام . فاقتضوا آثارهم ، حتى وجدوا مأكلهم التمر ، فقالوا : نوى يثرب ، فاتبعوا آثارهم . فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى قردد ، أي : فدفد من الأرض فأحاط بهم [ ص: 445 ] القوم ، فقالوا لهم : انزلوا فأعطوا بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا . فقال عاصم : أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة مشرك ، اللهم أخبر عنا نبيك . فرموهم بالنبل ، فقتلوا عاصما في سبعة من أصحابه ، ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق : خبيب ، وزيد بن الدثنة ، وآخر . فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها . فقال الرجل الثالث : هذا أول الغدر ، والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة . يريد القتلى . فجروه وعالجوه ، فأبى أن يصحبهم ، فقتلوه ، وانطلقوا بخبيب ، وزيد ، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر . فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا . وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر .

فائدة : قال الدمياطي : هذا وهم ، ما شهد خبيب بن عدي الأوسي بدرا ولا قتل الحارث بن عامر ، إنما الذي شهدها وقتله هو خبيب بن إساف الخزرجي .

رجع ، قال : فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله ، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل فأعارته . فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه ، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ، ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك ، فقالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، والله لقد رأيته ، أو وجدته ، يأكل قطفا من عنب وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة ، وكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله خبيبا . فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم : دعوني أركع ركعتين . فتركوه فركع ركعتين ، ثم قال : والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع من القتل لزدت ، اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، وقال :

[ ص: 446 ]

فلست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي     وذلك في ذات الإله ، وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع

ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله .

وكان خبيب هو سن لكل مسلم ، قتل صبرا ، الصلاة .

واستجاب الله لعاصم يوم أصيب ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم . وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت ليؤتوا منه بشيء يعرف ، وكان قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر ، فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدبر ، فحمته من رسلهم فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئا . أخرجه البخاري .

وقال موسى بن عقبة ، وغير واحد : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة منهم : عاصم ، وخبيب ، وزيد بن الدثنة ، وعبد الله بن طارق حليف لبني ظفر ، وخالد بن البكير الليثي ، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي ; حليف حمزة . وساق حديثهم .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن نفرا من عضل والقارة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد أحد ، فقالوا : إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفرا من أصحابك ليفقهونا في الدين [ ص: 447 ] ويقرئونا القرآن ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم خبيب بن عدي .

قال ابن إسحاق : بعث معهم ستة ، أمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي . وسماهم كما قال موسى .

قال ابن إسحاق : فخرجوا مع القوم ، حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدء ، غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف ، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا لهم : والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم . فأما مرثد ، وعاصم ، وابن البكير فقالوا : والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا . وأرادت هذيل أخذ رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد ، لئن قدرت على عاصم لتشربن في قحفه الخمر ، فمنعته الدبر ، فانتظروا ذهابها عنه ، فأرسل الله الوادي فحمل عاصما فذهب به .

وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا تنجسا . وأسروا خبيبا ، وابن الدثنة ، وعبد الله بن طارق ، ثم مضوا بهم إلى مكة ليبيعوهم ، حتى إذا كان بالظهران انتزع عبد الله يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم ، فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره بالظهران .

وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : حدثني يحيى ، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن عقبة بن الحارث ، سمعته يقول : ما أنا والله قتلت [ ص: 448 ] خبيبا ، لأنا كنت أصغر من ذلك ، ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي ، ثم أخذ بيدي وبالحربة ، ثم طعنه بها حتى قتله .

ثم ذكر ابن إسحاق أن خبيبا قال :


لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا     قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد     علي لأني في وثاق مضيع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم     وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي     وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي     فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك     على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه     وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت     ولكن حذاري جحم نار ببلقع
ووالله لم أحفل إذا مت     مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
فلست بمبد للعدو تخشعا ولا جزعا     إني إلى الله مرجعي

وقال يونس بن بكير ، وجعفر بن عون ، عن إبراهيم بن إسماعيل : حدثني جعفر بن عمرو بن أمية أن أباه حدثه عن جده ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه عينا ; قال : فجئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون ، فأطلقته فوقع بالأرض ، ثم اقتحمت فانتبذت قليلا ، ثم التفت فلم أرخبيبا ، فكأنما ابتلعته الأرض .

زاد جعفر بن عون : فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية