صفحة جزء
تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بجويرية وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية في السهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة ملاحة ، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها ، فوالله ما هو إلا أن [ ص: 471 ] رأيتها فكرهتها ، وقلت : سيرى منها مثل ما رأيت . فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، وقد كاتبت فأعني . فقال : أو خير من ذلك ، أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك . فقالت : نعم ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ الناس أنه قد تزوجها ، فقالوا : أصهار رسول الله . فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق فلقد أعتق بها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها . وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني محمد بن يحيى بن حبان ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، في قصة بني المصطلق : فبينا النبي صلى الله عليه وسلم مقيم هناك ، إذ اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري أجير عمر ، وسنان بن زيد . قال : فحدثني محمد بن يحيى أنهما ازدحما على الماء فاقتتلا ، فقال سنان : يا معشر الأنصار . وقال جهجاه : يا معشر المهاجرين . وكان زيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي ، يعني : ابن سلول ، فلما سمعها قال : قد ثاورونا في بلادنا . والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من عنده من قومه ، فقال : هذا ما صنعتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم . فسمعها زيد ، فذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غليم ، وعنده عمر فأخبره الخبر . فقال عمر : يا رسول الله مر عباد [ ص: 472 ] بن بشر فليضرب عنقه . فقال : كيف إذا حدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا ولكن ناد يا عمر في الرحيل . فلما بلغ ذلك ابن أبي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر ، وحلف له بالله ما قال ذلك ، وكان عند قومه بمكان . فقالوا : يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم . وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها . فلقيه أسيد بن حضير فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال : والله لقد رحت في ساعة منكرة . فقال : أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي ؟ فقال : يا رسول الله فأنت والله العزيز وهو الذليل . ثم قال : يا رسول الله ارفق به ، فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه فإنه ليرى أن قد استلبته ملكا . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس بقية يومه وليلته ، حتى أصبحوا وحتى اشتد الضحى . ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث ، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا . ونزلت سورة المنافقين .

وقال ابن عيينة : حدثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابرا يقول : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال الأنصاري : يا للأنصار . وقال المهاجري : يا للمهاجرين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال دعوى الجاهلية ؟ دعوها فإنها منتنة . فقال عبد الله بن أبي بن سلول : أوقد فعلوها ؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال : وكانت الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم ثم كثر المهاجرون بعد ذلك . فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه . متفق عليه .

[ ص: 473 ] وقال عبيد الله بن موسى : أخبرنا إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، قال : حدثنا زيد بن أرقم ، قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان معنا ناس من الأعراب . فكنا نبتدر الماء ، وكانت الأعراب يسبقوننا ، فيسبق الأعرابي أصحابه ، فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه ، فأتى أنصاري فأرخى زمام ناقته لتشرب فمنعه ، فانتزع حجرا فغاض الماء ، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، فأتى عبد الله بن أبي فأخبره فغضب وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا من حوله ; يعني الأعراب . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال زيد : فسمعته فأخبرت عمي ، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلف وجحد ، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني . فجاء إلي عمي فقال : ما أردت أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك المسلمون . فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط . فبينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خفقت برأسي من الهم ، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي ، فما كان يسرني أن لي بها الخلد أو الدنيا . ثم إن أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : ما قال لي شيئا . فقال : أبشر . فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين حتى بلغ منها : " الأذل "

وقال إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، قال : سمعت عبد الله بن أبي يقول لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فذكرت ذلك لعمي فذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلفوا ما قالوا ، فصدقهم وكذبني ، فأصابني هم ، فأنزل الله تعالى :

[ ص: 474 ] إذا جاءك المنافقون [ المنافقون ] ، فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي ، وقال : إن الله صدقك يا زيد . أخرجه البخاري .

وقال أنس بن مالك : زيد بن أرقم الذي يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا الذي أوفى الله له بأذنه " . أخرجه البخاري ، من حديث عبد الله بن الفضل ، عن أنس .

وقال الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من سفر ، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب ، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثت هذه الريح لموت منافق . قال : فقدم المدينة فإذا منافق عظيم قد مات . أخرجه مسلم .

وقال ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، قال : فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عمان سرحوا ظهرهم ، وأخذتهم ريح شديدة ، حتى أشفق الناس منها ، وقيل : يا رسول الله ما شأن هذه الريح ؟ فقال : مات اليوم منافق عظيم النفاق ، ولذلك عصفت الريح وليس عليكم منها بأس إن شاء الله ، وذلك في قصة بني المصطلق .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، عن شيوخه الذين روى عنهم قصة بني المصطلق ، قالوا : فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببقعاء من أرض الحجاز دون البقيع هبت ريح شديدة فخافها الناس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخافوا فإنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفر . فوجدوا رفاعة بن زيد التابوت قد مات يومئذ ، وكان من بني قينقاع ، وكان قد أظهر الإسلام وكان كهفا للمنافقين .

[ ص: 475 ] وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من بني المصطلق ، أتاه عبد الله بن عبد الله بن أبي ، فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغني أنك تريد قتل أبي ، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده مني ، ولكني أخشى أن تأمر به رجلا مسلما فيقتله ، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله يمشي في الأرض حيا حتى أقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية