صفحة جزء
إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون

هذا تأكيد وتقرير للأمر بالاستعاذة من الشيطان ، فتتنزل جملة " إن الذين اتقوا " إلى آخرها منزلة التعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان إذا أحس بنزغ الشيطان ، ولذلك افتتحت ب إن التي هي لمجرد الاهتمام لا لرد تردد أو إنكار ، كما افتتحت بها سابقتها في قوله " إنه سميع عليم " فيكون الأمر بالاستعاذة حينئذ قد علل بعلتين أولاهما : أن الاستعاذة بالله منجاة للرسول - عليه الصلاة والسلام - من نزغ الشيطان . والثانية : أن في الاستعاذة بالله من الشيطان تذكرا لواجب مجاهدة الشيطان والتيقظ لكيده ، وأن ذلك التيقظ سنة المتقين ، فالرسول - عليه الصلاة والسلام - مأمور بمجاهدة الشيطان : لأنه متق ، ولأنه يبتهج بمتابعة سيرة سلفه من المتقين كما قال - تعالى - أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ ص: 232 ] وقد جاءت العلة هنا أعم من المعلل : لأن التذكر أعم من الاستعاذة .

ولعل الله ادخر خصوصية الاستعاذة لهذه الأمة ، فكثر في القرآن الأمر بالاستعاذة من الشيطان وكثر ذلك في أقوال النبيء - صلى الله عليه وسلم - وجعل للذين قبلهم الأمر بالتذكر ، كما ادخر لنا يوم الجمعة .

و " التقوى " تقدم بيانها عند قوله - تعالى - هدى للمتقين في سورة البقرة ، والمراد بهم : الرسل وصالحو أممهم ، لأنه أريد جعلهم قدوة وأسوة حسنة .

و " المس " حقيقته وضع اليد على الجسم ، واستعير للإصابة أو لأدنى الإصابة .

والطائف هو الذي يمشي حول المكان ينتظر الإذن له ، فهو النازل بالمكان قبل دخوله المكان ، أطلق هنا على الخاطر الذي يخطر في النفس يبعث على فعل شيء نهى الله عن فعله ، شبه ذلك الخاطر في مبدأ جولاته في النفس بحلول الطائف قبل أن يستقر .

وكانت عادة العرب أن القادم إلى أهل البيت ، العائذ برب البيت ، المستأنس للقرى يستأنس ، فيطوف بالبيت ، ويستأذن ، كما ورد في قصة النابغة مع النعمان بن المنذر حين أنشد أبياته التي أولها : أصم أم يسمع رب القبة

وتقدمت في أول سورة الفاتحة ، ومن ذلك طواف القادمين إلى مكة بالكعبة تشبها بالوافدين على الملوك فلذلك قدم الطواف على جميع المناسك وختمت بالطواف أيضا ، فلعل كلمة طائف تستعمل في معنى الملم الخفي . قال الأعشى : وتصبح عن غب السرى وكأنها ألم بها من طائف الجن أولق وقال - تعالى - فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون .

وقراءة الجمهور : طائف ، بألف بعد الطاء وهمزة بعد الألف ، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ويعقوب : " طيف " بدون ألف بعد الطاء وبياء تحتية ساكنة بعد الطاء ، والطيف خيال يراك في النوم وهو شائع الذكر في الشعر .

وفي كلمة إذا من قوله إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا مع التعبير بفعل " مسهم " الدال على إصابة غير مكينة ، إشارة إلى أن الفزع إلى الله [ ص: 233 ] من الشيطان ، عند ابتداء إلمام الخواطر الشيطانية بالنفس ، لأن تلك الخواطر إذا أمهلت لم تلبث أن تصير عزما ثم عملا .

والتعريف في الشيطان يجوز أن يكون تعريف الجنس : أي من الشياطين ، ويجوز أن يكون تعريف العهد والمراد به إبليس باعتبار أن ما يوسوس به جنده وأتباعه ، هو صادر عن أمره وسلطانه .

والتذكر استحضار المعلوم السابق ، والمراد : تذكروا أوامر الله ووصاياه ، كقوله ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ويشمل التذكر تذكر الاستعاذة لمن أمر بها من الأمم الماضية ، إن كانت مشروعة لهم ، ومن هذه الأمة ، فالاقتداء بالذين اتقوا يعم سائر أحوال التذكر للمأمورات .

والفاء لتفريع الإبصار على التذكر . وأكد معنى فاء التعقيب ب إذا الفجائية الدالة على حصول مضمون جملتها دفعة بدون تريث ، أي تذكروا تذكر ذوي عزم فلم تتريث نفوسهم أن تبين لها الحق الوازع عن العمل بالخواطر الشيطانية فابتعدت عنها ، وتمسكت بالحق ، وعملت بما تذكرت ، فإذا هم ثابتون على هداهم وتقواهم .

وقد استعير الإبصار للاهتداء كما يستعار ضده العمى للضلال ، أي : فإذا هم مهتدون ناجون من تضليل الشيطان ، لأن الشيطان أراد إضلالهم فسلموا من ذلك ، ووصفهم باسم الفاعل دون الفعل للدلالة على أن الإبصار ثابت لهم من قبل ، وليس شيئا متجددا ، ولذلك أخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات .

التالي السابق


الخدمات العلمية