صفحة جزء
وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون

جملة وبشر الصابرين معطوفة على ولنبلونكم ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بمناسبة أنه ممن شمله قوله ولنبلونكم وهو عطف إنشاء على خبر ولا ضمير فيه عند من تحقق أساليب العرب ورأى في كلامهم كثرة عطف الخبر على الإنشاء وعكسه .

[ ص: 57 ] وأفيد مضمون الجملة الذي هو حصول الصلوات والرحمة والهدى للصابرين بطريقة التبشير على لسان الرسول تكريما لشأنه ، وزيادة في تعلق المؤمنين به بحيث تحصل خيراتهم بواسطته ، فلذلك كان من لطائف القرآن إسناد البلوى إلى الله بدون واسطة الرسول ، وإسناد البشارة بالخير الآتي من قبل الله إلى الرسول .

والكلام على الصبر وفضائله تقدم في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة .

ووصف الصابرين بأنهم الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إلخ لإفادة أن صبرهم أكمل الصبر إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى إذ يعلمون عند المصيبة أنهم ملك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء فلا يجزعون مما يأتيهم ، ويعلمون أنهم صائرون إليه فيثيبهم على ذلك ، فالمراد من القول هنا القول المطابق للاعتقاد إذ الكلام إنما وضع للصدق ، وإنما يكون ذلك القول معتبرا إذا كان تعبيرا عما في الضمير فليس لمن قال هاته الكلمات بدون اعتقاد لها فضل وإنما هو كالذي ينعق بما لا يسمع ، وقد علمهم الله هذه الكلمة الجامعة لتكون شعارهم عند المصيبة ، لأن الاعتقاد يقوى بالتصريح لأن استحضار النفس للمدركات المعنوية ضعيف يحتاج إلى التقوية بشيء من الحس ، ولأن في تصريحهم بذلك إعلانا لهذا الاعتقاد وتعليما له للناس . والمصيبة يأتي الكلام عليها عند قوله تعالى فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي في سورة النساء .

والتوكيد بإن في قولهم إنا لله لأن المقام مقام اهتمام ، ولأنه ينزل المصاب فيه منزلة المنكر كونه ملكا لله تعالى وعبدا له إذ تنسيه المصيبة ذلك ويحول هولها بينه وبين رشده . واللام فيه للملك .

والإتيان باسم الإشارة في قوله أولئك عليهم صلوات من ربهم للتنبيه على أن المشار إليه هو ذلك الموصوف بجميع الصفات السابقة على اسم الإشارة ، وأن الحكم الذي يرد بعد اسم الإشارة مترتب على تلك الأوصاف مثل أولئك على هدى من ربهم وهذا بيان لجزاء صبرهم . والصلوات هنا مجاز في التزكيات والمغفرات ولذلك عطفت عليها الرحمة التي هي من معاني الصلاة مجازا في مثل قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي .

وحقيقة الصلاة في كلام العرب أنها أقوال تنبئ عن محبة الخير لأحد ، ولذلك كان [ ص: 58 ] أشهر معانيها هو الدعاء وقد تقدم ذلك في قوله تعالى ويقيمون الصلاة ولأجل ذلك كان إسناد هذا الفعل لمن لا يطلب الخير إلا منه متعينا للمجاز في لازم المعنى وهو حصول الخير ، فكانت الصلاة إذا أسندت إلى الله أو أضيفت إليه دالة على الرحمة وإيصال ما به النفع من رحمة أو مغفرة أو تزكية .

وقوله وأولئك هم المهتدون بيان لفضيلة صفتهم إذ اهتدوا لما هو حق كل عبد عارف فلم تزعجهم المصائب ولم تكن لهم حاجبا عن التحقق في مقام الصبر ، لعلمهم أن الحياة لا تخلو من الأكدار ، وأما الذين لم يهتدوا فهم يجعلون المصائب سببا في اعتراضهم على الله أو كفرهم به أو قول ما لا يليق أو شكهم في صحة ما هم عليه من الإسلام ، يقولون لو كان هذا هو الدين المرضي لله لما لحقنا عذاب ومصيبة ، وهذا شأن أهل الضلال الذين حذرنا الله أمرهم بقوله وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه وقال في المنافقين وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ، والقول الفصل أن جزاء الأعمال يظهر في الآخرة ، وأما مصائب الدنيا فمسببة عن أسباب دنيوية ، تعرض لعروض سببها ، وقد يجعل الله سبب المصيبة عقوبة لعبده في الدنيا على سوء أدب أو نحوه للتخفيف عنه من عذاب الآخرة ، وقد تكون لرفع درجات النفس ، ولها أحوال ودقائق لا يعلمها إلا الله تعالى وقد يطلع عليها العبد إذا راقب نفسه وحاسبها ، ولله تعالى في الحالين لطف ونكاية يظهر أثر أحدهما للعارفين .

التالي السابق


الخدمات العلمية