صفحة جزء
وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون

[ ص: 121 ] الظاهر أن يكون المعطوف مواليا للمعطوف هو عليه ، فيكون قوله : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين متصلا بقوله : ادفع بالتي هي أحسن السيئة فلما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يفوض جزاءهم إلى ربه أمره بالتعوذ من حيلولة الشياطين دون الدفع بالتي هي أحسن ; أي : التعوذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام في نفس النبيء صلى الله عليه وسلم ، فيكون ( الشياطين ) مستعملا في حقيقته . والمراد من همزات الشياطين : تصرفاتهم بتحريك القوى التي في نفس الإنسان ( أي : في غير أمور التبليغ ) مثل تحريك القوة الغضبية كما تأول الغزالي في قول النبيء صلى الله عليه وسلم في الحديث ولكن الله أعانني عليه فأسلم . ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضيا تكفل الله تعالى بالاستجابة كما في قوله تعالى : ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، أو أن يكون أمره بالتعوذ من همزات الشياطين مرادا به : الاستمرار على السلامة منهم . قال في الشفاء : الأمة مجتمعة ( أي : مجمعة ) على عصمة النبيء صلى الله عليه وسلم من الشيطان لا في جسمه بأنواع الأذى ، ولا على خاطره بالوساوس .

ويجوز أن تكون جملة وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين عطفا على جملة قل رب إما تريني ما يوعدون بأن أمره الله بأن يلجأ إليه بطلب الوقاية من المشركين وأذاهم ، فيكون المراد من الشياطين المشركين فإنهم شياطين الإنس كما قال تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ) ويكون هذا في معنى قوله : قل أعوذ برب الناس إلى قوله : الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس فيكون المراد : أعوذ بك من همزات القوم الظالمين أو من همزات الشياطين منهم .

والهمز حقيقته : الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه ، ويستعمل مجازا بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة ، ومنه قوله تعالى : هماز مشاء بنميم وقوله : ويل لكل همزة لمزة .

[ ص: 122 ] ومحمله هنا عندي على المعنى المجازي على كلا الوجهين في المراد من الشياطين . وهمز شياطين الجن ظاهر ، وأما همز شياطين الإنس فقد كان من أذى المشركين النبيء صلى الله عليه وسلم لمزه والتغامز عليه والكيد له .

ومعنى التعوذ من همزهم : التعوذ من آثار ذلك فإن من ذلك أن يغمزوا بعض سفهائهم إغراء لهم بأذاه ، كما وقع في قصة إغرائهم من أتى بسلا جزور فألقاه على النبيء صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته حول الكعبة . وهذا الوجه في تفسير الشياطين هو الأليق بالغاية في قوله : حتى إذا جاء أحدهم الموت كما سيأتي .

وأما قوله : وأعوذ بك رب أن يحضرون فهو تعوذ من قربهم لأنهم إذا اقتربوا منه لحقه أذاهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية