صفحة جزء
[ ص: 5 ] وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا .

حكاية مقالة أخرى من مقالات تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقد عنون عليهم في هذه المقالة بـ ( الذين لا يرجون لقاءنا ) وعنون عليهم في المقالات السابقة بـ ( الذين كفروا ) وبـ ( الظالمون ) ؛ لأن بين هذا الوصف وبين مقالتهم انتقاضا ، فهم كذبوا بلقاء الآخرة بما فيه من رؤية الله والملائكة ، وطلبوا رؤية الله في الدنيا ، ونزول الملائكة عليهم في الدنيا ، وأرادوا تلقي الدين من الملائكة أو من الله مباشرة ، فكان في حكاية قولهم وذكر وصفهم تعجيب من تناقض مداركهم .

واعلم أن أهل الشرك شهدوا أنفسهم بإنكار البعث وتوهموا أن شبهتهم في إنكاره أقوى حجة لهم في تكذيب الرسل ، فمن أجل ذلك أيضا جعل قولهم ذلك طريقا لتعريفهم بالموصول كما قال تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) في سورة يونس .

و ( لولا ) حرف تحضيض مستعمل في التعجيز والاستحالة ، أي هلا أنزل علينا الملائكة فنؤمن بما جئت به ، يعنون أنه إن كان صادقا فليسأل من ربه وسيلة أخرى لإبلاغ الدين إليهم .

ومعنى ( لا يرجون ) لا يظنون ظنا قريبا ، أي يعدون لقاء الله محالا . ومقصدهم من مقالهم أنهم أعلى من أن يتلقوا الدين من رجل مثلهم ولذلك عقب بقوله : ( لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) على معنى التعجيب من ازدهائهم وغرورهم الباطل .

[ ص: 6 ] والجملة استئناف يتنزل منزلة جواب عن قولهم . والتأكيد بلام القسم لإفادة معنى التعجيب ؛ لأن القسم يستعمل في التعجب كقول أحد بني كلاب أو بني نمير أنشده ثعلب في مجالسه والقالي في أماليه :


ألا يا سنا برق على قلل الحمى لهنك من برق علـي كريم



فإن قوله : من برق ، في قوة التمييز وإنما يكون التمييز فيه لما فيه من معنى التعجب .

والاستكبار : مبالغة في التكبر ، فالسين والتاء للمبالغة مثل استجاب .

و ( في ) للظرفية المجازية ؛ شبهت أنفسهم بالظروف في تمكن المظروف منها ، أي هو استكبار متمكن منهم كقوله تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .

ويجوز أن تكون ( في ) للتعليل كما في الحديث دخلت امرأة النار في هرة حبستها الحديث ، أي : استكبروا لأجل عظمة أنفسهم في زعمهم . وليست الظرفية حقيقية لقلة جدوى ذلك ؛ إذ من المعلوم أن الاستكبار لا يكون إلا في النفس ؛ لأنه من الأفعال النفسية .

والعتو : تجاوز الحد في الظلم ، وتقدم في قوله تعالى : ( وعتوا عن أمر ربهم ) في الأعراف . وإنما كان هذا ظلما ؛ لأنهم تجاوزوا مقدار ما خولهم الله من القابلية .

وفي هذا إيماء إلى أن النبوءة لا تكون بالاكتساب وإنما هي إعداد من الله تعالى قال : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية