صفحة جزء
وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن أمهاتكم .

عطف إبطال ثان لبعض مزاعمهم وهو ما كان في الجاهلية أن الرجل إذا أراد فراق زوجه فراقا لا رجعة فيه بحال يقول لها ( أنت علي كظهر أمي ) ، هذه صيغته المعروفة عندهم ، فهي موجبة طلاق المرأة وحرمة تزوجها من بعد لأنها صارت أما له ، وليس المقصود هنا تشريع إبطال آثار التحريم به لأن ذلك أبطل في سورة المجادلة وهي مما نزل قبل نزول سورة الأحزاب كما سيأتي ; ولكن المقصود أن يكون تمهيدا لتشريع إبطال التبني تنظيرا بين هذه الأوهام إلا أن هذا التمهيد الثاني أقرب إلى المقصود لأنه من الأحكام التشريعية .

واللاء : اسم موصول لجماعة النساء فهو اسم جمع التي ، لأنه على غير قياس صيغ الجمع ، وفيه لغات : اللاء مكسور الهمزة أبدا بوزن الباب ، واللائي بوزن الداعي ، والاء بوزن باب داخلة عليه لام التعريف بدون ياء .

وقرأ قالون عن نافع ، وقنبل عن ابن كثير وأبو جعفر

( اللاء ) بهمزة مكسورة غير مشبعة وهو لغة . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف

( واللائي ) بياء بعد الهمزة بوزن الداعي ، وقرأه أبو عمرو والبزي عن ابن كثير ويعقوب .

و ( اللاي ) بياء ساكنة بعد الألف بدلا عن الهمزة وهو بدل سماعي ، قيل وهي لغة قريش . وقرأ ورش بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء مع المد والقصر . وروي ذلك عن أبي عمرو والبزي أيضا .

[ ص: 257 ] وذكر الظهر في قولهم : أنت علي كظهر أمي ، تخييل للتشبيه المضمر في النفس على طريقة الاستعارة المكنية إذ شبه زوجه حين يغشاها بالدابة حين يركبها راكبها ، وذكر تخييلا كما ذكر أظفار المنية في بيت أبي ذؤيب الهذلي المعروف ، وسيأتي بيانه في أول تفسير سورة المجادلة .

وقولهم : أنت علي ، فيه مضاف محذوف دل عليه ما في المخاطبة من معنى الزوجية والتقدير : غشيانك ، وكلمة ( علي ) تؤذن بمعنى التحريم ، أي أنت حرام علي ، فصارت الجملة بما لحقها من الحذف علامة على معنى التحريم الأبدي . ويعدى إلى اسم المرأة المراد تحريمها بحرف ( من ) الابتدائية لتضمينه معنى الانفصال منها .

فلما قال الله تعالى : ( اللاء تظهرون منهن ) علم الناس أنه يعني قولهم : أنت علي كظهر أمي .

والمراد بالجعل المنفي في قوله ( وما جعل أزواجكم اللاء تظهرون منهن أمهاتكم ) الجعل الخلقي أيضا كالذي في قوله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه أي ما خلقهن أمهاتكم إذ لسن كذلك في الواقع ، وذلك كناية عن انتفاء الأثر الشرعي الذي هو من آثار الجعل الخلقي لأن الإسلام هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، قال تعالى : ( إن أمهاتهم إلا اللاء ولدنهم ) . وقد بسط الله ذلك في سورة المجادلة وبه نعلم أن سورة المجادلة هي التي ورد فيها إبطال الظهار وأحكام كفارته فنعلم أن آية سورة الأحزاب وردت بعد تقرير إبطال الظهار فيكون ذكره فيها تمهيدا لإبطال التبني بشبه أن كليهما ترتيب آثار ترتيبا مصنوعا باليد غير مبني على جعل إلهي . وهذا يوقننا بأن سورة الأحزاب نزلت بعد سورة المجادلة خلافا لما درج عليه ابن الضريس وابن الحصار وما أسنده محمد بن الحارث بن أبيض عن جابر بن زيد مما هو مذكور في نوع المكي والمدني في نوع أول ما أنزل ، من كتاب الإتقان . وقال السيوطي : في هذا الترتيب نظر . وسنذكر ذلك في تفسير سورة المجادلة إن شاء الله .

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( تظهرون ) بفتح التاء وتشديد الظاء مفتوحة دون ألف وتشديد الهاء مفتوحة . وقرأ حفص عن عاصم ( تظاهرون ) بضم التاء [ ص: 258 ] وفتح الظاء مخففة وألف وهاء مكسورة . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ( تظاهرون ) بفتح التاء وفتح الظاء مخففة بعدها ألف وفتح الهاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية