صفحة جزء
[ ص: 119 ] أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب .

انتقال من إنذارهم بعذاب الآخرة على كفرهم إلى موعظتهم وتحذيرهم من أن يحل بهم عذاب الآخرة كما حل بأمم أمثالهم .

فالواو عاطفة جملة ( ألم يسيروا في الأرض ) على جملة ( وأنذرهم يوم الآزفة ) إلخ .

والاستفهام تقريري على ما هو الشائع في مثله من الاستفهام الداخل على نفي في الماضي بحرف ( لم ) ، والتقرير موجه للذين ساروا من قريش ونظروا آثار الأمم الذين أبادهم الله جزاء تكذيبهم رسلهم ، فهم شاهدوا ذلك في رحلتيهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف وإنهم حدثوا بما شاهدوه من تضمهم نواديهم ومجالسهم فقد صار معلوما للجميع ، فبهذا الاعتبار أسند الفعل المقرر به إلى ضمير الجمع على الجملة .

والمضارع الواقع بعد ( لم ) والمضارع الواقع في جوابه منقلبان إلى المضي بواسطة ( لم ) .

وتقدم شبيه هذه الآية في آخر سورة فاطر وفي سورة الروم .

والضمير المنفصل في قوله ( كانوا هم ) ضمير فصل عائد إلى الظالمين وهم كفار قريش الذين أريدوا بقوله ( وأنذرهم ) ، وضمير الفصل لمجرد توكيد الحكم وتقويته وليس مرادا به قصر المسند على المسند إليه ، أي قصر الأشدية على ضمير ( كانوا ) إذ ليس للقصر معنى هنا كما تقدم في قوله تعالى إنني أنا الله في سورة طه وهذا ضابط التفرقة بين ضمير الفصل الذي يفيد القصر وبين الذي يفيد [ ص: 120 ] مجرد التأكيد . واقتصار القزويني في تلخيص المفتاح على إفادة ضمير الفصل الاختصاص تقصير تبع فيه كلام المفتاح وقد نبه عليه سعد الدين في شرحه على التلخيص .

والمراد بالقوة القوة المعنوية وهي كثرة الأمة ووفرة وسائل الاستغناء عن الغير كما قال تعالى فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة .

وجملة ( كانوا هم أشد منهم ) إلخ مستأنفة استئنافا بيانيا لتفصيل الإجمال الذي في قوله كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم لأن العبرة بالتفريع بعدها بقوله ( فأخذهم الله بذنوبهم ) .

وقرأ الجمهور ( منهم ) بضمير الغائب ، وقرأه ابن عامر " منكم " بضمير خطاب الجماعة وكذلك رسمت في مصحف الشام ، وهذه الرواية جارية على طريقة الالتفات .

والآثار : جمع أثر ، وهو الشيء أو شكل يرسمه فعل شيء آخر ، مثل أثر الماشي في الرمل قال تعالى فقبضت قبضة من أثر الرسول ومثل العشب إثر المطر في قوله تعالى " فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها " ، ويستعار الأثر لما يقع بعد شيء كقوله تعالى فلعلك باخع نفسك على آثارهم .

والمراد بالأرض : أرض أمتهم .

والفاء في ( فأخذهم الله ) لتفريع الأخذ على كونهم أشد قوة من قريش لأن القوة أريد بها هنا الكناية عن الإباء من الحق والنفور من الدعوة ، فالتقدير : فأعرضوا ، أو كفروا فأخذهم الله .

والأخذ : الاستئصال والإهلاك ، كني عن العقاب بالأخذ ، أو استعمل الأخذ مجازا في العقاب .

والذنوب : جمع ذنب وهو المعصية ، والمراد بها الإشراك وتكذيب الرسل ، [ ص: 121 ] وذلك يستتبع ذنوبا جمة ، وسيأتي تفسيرها بقوله ( ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ) .

ومعنى ( وما كان لهم من الله من واق ) ما كان لهم من عقابه وقدرته عليهم ، فالواقي : هو المدافع الناصر .

و ( من ) الأولى متعلقة ب ( واق ) ، وقدم الجار والمجرور للاهتمام بالمجرور ، و ( من ) الثانية زائدة لتأكيد النفي بحرف ( ما ) وذلك إشارة إلى المذكور وهو أخذ الله إياهم بذنوبهم .

والباء للسببية ، أي ذلك الأخذ بسبب أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا بهم ، وفي هذا تفصيل للإجمال الذي في قوله ( فأخذهم الله بذنوبهم ) ، والجملة بعد ( أن ) المفتوحة في تأويل مصدر . فالتقدير : ذلك بسبب تحقق مجيء الرسل إليهم فكفرهم بهم .

وأفاد المضارع في قوله ( تأتيهم ) تجدد الإتيان مرة بعد مرة لمجموع تلك الأمم ، أي لكل أمة منهم رسول ، فجمع الضمير في ( تأتيهم ) و ( رسلهم ) وجمع الرسل في قوله ( رسلهم ) من مقابلة الجمع بالجمع ، فالمعنى : أن كل أمة منهم أتاها رسول . ولم يؤت بالمضارع في قوله ( فكفروا ) لأن كفر أولئك الأمم واحد وهو الإشراك وتكذيب الرسل .

وكرر قوله ( فأخذهم الله ) بعد أن تقدم نظيره في قوله ( فأخذهم الله بذنوبهم ) إلخ إطنابا لتقرير أخذ الله إياهم بكفرهم برسلهم ، وتهويلا على المنذرين بهم أن يساووهم في عاقبتهم كما ساووهم في أسبابها .

وجملة ( إنه قوي شديد العقاب ) تعليل وتبيين لأخذ الله إياهم وكيفيته وسرعة أخذه المستفادة من فاء التعقيب ، فالقوي لا يعجزه شيء فلا يعطل مراده ولا يتريث ، و ( شديد العقاب ) بيان لذلك الأخذ على حد قوله تعالى فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر .

التالي السابق


الخدمات العلمية