صفحة جزء
[ ص: 188 ] إن الدين عند الله الإسلام قرأ جمهور القراء إن الدين - بكسر همزة إن - فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بأجمع عبارة وأوجزها .

وهذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة : غرض محاجة نصارى نجران ، فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة والإنجيل ، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأن هديه يفوق هدي ما قبله من الكتب ، إذ هو الفرقان ، فإن ذلك أس الدين القويم ، ولما كان الكلام المتقدم مشتملا على تعريض باليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن ، وإبطال لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإسلام : أسلمنا قبلك ، فقال لهم : كذبتم . روى الواحدي ، ومحمد بن إسحاق : أن وفد نجران لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله أسلما ، قالا قد أسلمنا قبلك ، قال كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا ، وعبادتكما الصليب - ناسب أن ينوه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء به القرآن ، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم .

واعلم أن جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة ، وإن كان بعضها استئنافا ، وإنما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات .

وتوكيد الكلام بـ " إن " تحقيق لما تضمنه من حصر حقيقة الدين عند الله في الإسلام : أي الدين الكامل .

وقرأ الكسائي أن الدين - بفتح همزة أن - على أنه بدل من أنه لا إله إلا هو ، أي شهد الله بأن الدين عند الله الإسلام ، والدين : حقيقته في الأصل الجزاء ، ثم صار حقيقة عرفية يطلق على : مجموع عقائد وأعمال يلقنها رسول من عند الله ويعد العاملين بها بالنعيم ، والمعرضين عنها بالعقاب . ثم أطلق على ما يشبه ذلك مما يضعه بعض زعماء الناس من تلقاء عقله فتلتزمه طائفة من الناس . وسمي الدين دينا لأنه يترقب منه متبعه الجزاء عاجلا [ ص: 189 ] أو آجلا ، فما من أهل دين إلا وهم يترقبون جزاء من رب ذلك الدين ، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ورضاهم عنهم ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وقال أبو سفيان يوم أحد : اعل هبل . وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله - : لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عني شيئا . وأهل الأديان الإلهية يترقبون الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة ، فأول دين إلهي كان حقا وبه كان اهتداء الإنسان ، ثم طرأت الأديان المكذوبة ، وتشبهت بالأديان الصحيحة ، قال الله تعالى - تعليما لرسوله - : لكم دينكم ولي دين وقال : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك .

وقد عرف العلماء الدين الصحيح بأنه وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير باطنا وظاهرا .

والإسلام علم بالغلبة على مجموع الدين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - كما أطلق على ذلك الإيمان أيضا ، ولذلك لقب أتباع هذا الدين بالمسلمين وبالمؤمنين ، وهو الإطلاق المراد هنا ، وهو تسمية بمصدر " أسلم " إذا أذعن ولم يعاند إذعانا عن اعتراف بحق لا عن عجز ، وهذا اللقب أولى بالإطلاق على هذا الدين من لقب الإيمان ; لأن الإسلام هو المظهر البين لمتابعة الرسول فيما جاء به من الحق ، واطراح كل حائل يحول دون ذلك ، بخلاف الإيمان فإنه اعتقاد قلبي ، ولذلك قال الله تعالى : هو سماكم المسلمين وقال : فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني ولأن الإسلام لا يكون إلا عن اعتقاد لأن الفعل أثر الإدراك ، بخلاف العكس فقد يكون الاعتقاد مع المكابرة .

وربما أطلق الإسلام على خصوص الأعمال ; والإيمان على الاعتقاد ، وهو إطلاق مناسب لحالتي التفكيك بين الأمرين في الواقع ، كما في قوله تعالى ، خطابا لقوم أسلموا مترددين : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ، أو التفكيك في تصوير الماهية عند التعليم لحقائق المعاني الشرعية أو اللغوية كما وقع في حديث جبريل من ذكر معنى الإيمان ، والإسلام ، والإحسان .

والتعريف في الدين تعريف الجنس ، إذ لا يستقيم معنى العهد الخارجي هنا ، وتعريف الإسلام تعريف العلم بالغلبة : لأن الإسلام صار علما بالغلبة على الدين المحمدي .

[ ص: 190 ] فقوله : إن الدين عند الله الإسلام صيغة حصر ، وهي تقتضي في اللسان حصر المسند إليه ، وهو الدين ، في المسند ، وهو الإسلام ، على قاعدة الحصر بتعريف جزأي الجملة ، أي لا دين إلا الإسلام ، وقد أكد هذا الانحصار بحرف التوكيد .

وقوله : عند الله ، وصف للدين ، والعندية عندية الاعتبار والاعتناء وليست عندية علم : فأفاد أن الدين الصحيح هو الإسلام ، فيكون قصرا للمسند إليه باعتبار قيد فيه ، لا في جميع اعتباراته : نظير قول الخنساء :


إذا قبح البكاء على قـتـيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا

فحصرت الحسن في بكائه بقاعدة أن المقصور هو الحسن لأنه هو المعرف باللام ، وهذا الحصر باعتبار التقييد بوقت قبح البكاء على القتلى وهو قصر حسن بكائها على ذلك الوقت ، ليكون لبكائها على صخر مزية زائدة على بكاء القتلى المتعارف ، وإن أبى اعتبار القصر في البيت أصلا صاحب المطول .

وإذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول : إما باعتبار أن الدين الصحيح عند الله ، حين الإخبار ، هو الإسلام ، لأن الخبر ينظر فيه إلى وقت الإخبار ; إذ الأخبار كلها حقائق في الحال ، ولا شك أن وقت الإخبار ليس فيه دين صحيح غير الإسلام ; إذ قد عرض لبقية الأديان الإلهية ، من خلط الفاسد بالصحيح ، ما اختل لأجله مجموع الدين ، وإما باعتبار الكمال عند الله ، فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور ; إذ لا أكمل من هذا الدين ، وما تقدمه من الأديان لم يكن بالغا غاية المراد من البشر في صلاح شئونهم ، بل كان كل دين مضى مقتصرا على مقدار الحاجة من أمة معينة في زمن معين ، وهذا المعنى أولى محملي الآية ، لأن مفاده أعم ، وتعبيره عن حاصل صفة دين الإسلام - تجاه بقية الأديان الإلهية - أتم .

ذلك أن مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل ، ليس مجرد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوق لدقائق تراكيبه ، بل مراد الله تعالى مما شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه ، ولما كان المراد من ذلك هو العمل ، جعل الله الشرائع مناسبة لقابليات المخاطبين بها ، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم ، ليتمكنوا من العمل بها بدوام وانتظام ، فلذلك كان المقصود من التدين أن يكون ذلك التعليم الديني [ ص: 191 ] دأبا وعادة لمنتحليه ، وحيث النفوس لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتفق مع مدركاتها ، لا جرم تعين مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان ، ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة .

وقد كانت أحوال الجماعات البشرية ، في أول عهود الحضارة ، حالات عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة ، ائتلفت رويدا على حسب دواعي الحاجات ، وما تلك الدواعي التي تسببت في ائتلاف تلك العوائد ، إلا دواع غير منتشرة ; لأنها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته ، ودفع الآلام عنه ، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتصال به ، وتحسين حاله ، فبذلك ائتلف نظام الفرد ، ثم نظام العائلة ، ثم نظام العشيرة ، وهاته النظم المتقابسة هي نظم متساوية الأشكال ; إذ كلها لا يعدو حفظ الحياة ، بالغذاء والدفاع عن النفس ، ودفع الآلام بالكساء والمسكن والزواج ، والانتصار للعائلة وللقبيلة ; لأن بها الاعتزاز ، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك ، بإعداد المعدات : وهو التعاوض والتعامل ، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة ، وبذلك لم يكن لأحد الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى ، فضلا عن التفكير في اقتباس إحداهما مما يجري لدى غيرها ، وتلك حالة قناعة العيش ، وقصور الهمة وانعدام الدواعي . فإذا حصلت الأسباب الآنفة عد الناس أنفسهم في منتهى السعادة .

وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصل ، وما يعرض في ذلك من الأخطار والمتاعب ، حائلا عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض ، وشعور بعضها بأخلاق بعض ، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية مجموع حائلين : عدم الداعي ، وانسداد وسائل الصدفة ، اللهم إلا ما يعرض من وفادة وافد ، أو اختلاط في نجعة أو موسم ، على أن ذلك إن حصل فسرعان ما يطرأ عليه النسيان ، فيصبح في خبر كان .

فكيف يرجى من أقوام هذه حالهم أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من دوائر مدركاتهم ، ومتقارب تصور عقولهم ، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا له جلد النمر ، فأحس من سوء الطاعة حرق الجمر ، لذلك لم تتعلق حكمة الله تعالى ، [ ص: 192 ] في قديم العصور ، بتشريع شريعة جامعة صالحة لجميع البشر ، بل كانت الشرائع تأتي إلى أقوام معينين ; وفي حديث مسلم ، في صفة عرض الأمم للحساب أن رسول الله قال : فيجيء النبيء ومعه الرهط ، والنبيء ومعه الرجل والرجلان ، والنبيء وليس معه أحد وفي رواية البخاري فجعل النبيء والنبيئان يمرون معهم الرهط الحديث . وبقي الحق في خلال ذلك مشاعا بين الأمم ، ففي كل أمة تجد سدادا وأفنا ، وبعض الحق لم يزل مخبوءا لم يسفر عنه البيان .

ثم أخذ البشر يتعارفون بسبب الفتوح والهجرة ، وتقاتلت الأمم المتقاربة المنازل ، فحصل للأمم حظ من الحضارة ، وتقاربت العوائد ، وتوسعت معلوماتهم ، وحضارتهم ، فكانت من الشرائع الإلهية : شريعة إبراهيم عليه السلام ، ومن غيرها شريعة حمورابي في العراق ، وشريعة البراهمة ، وشريعة المصريين ، التي ذكرها الله تعالى في قوله : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك .

ثم أعقبتها شريعة إلهية كبرى وهي شريعة موسى عليه السلام التي اختلط أهلها بأمم كثيرة في مسيرهم في التيه وما بعده ، وجاورتها أو أعقبتها شرائع مثل شريعة ( زرادشت ) في الفرس ، وشريعة ( كنفشيوس ) في الصين ، وشريعة سولون في اليونان .

وفي هذه العصور كلها لم تكن إحدى الشرائع عامة الدعوة ، وهذه أكبر الشرائع وهي الموسوية لم تدع غير بني إسرائيل ولم تدع الأمم الأخرى التي مرت عليها وامتزجت بها وصاهرتها ، وكذلك جاءت المسيحية مقصورة على دعوة بني إسرائيل حتى دعا الناس إليها القديس بولس بعد المسيح بنحو ثلاثين سنة .

إلى أن كان في القرن الرابع بعد المسيح حصول تقابس وتمازج بين أصناف البشر في الأخلاق والعوائد ، بسببين : اضطراري ، واختياري . أما الاضطراري فذلك أنه قد ترامت الأمم بعضها على بعض ، واتجه أهل الشرق إلى الغرب ، وأهل الغرب إلى الشرق ، بالفتوح العظيمة الواقعة بين الفرس والروم ، وهما يومئذ قطبا العالم ، بما يتبع كل واحدة من أمم تنتمي إلى سلطانها ، فكانت الحرب سجالا بين الفريقين ، وتوالت أزمانا طويلة .

[ ص: 193 ] وأما الاختياري فهو ما أبقاه ذلك التمازج من مشاهدة أخلاق وعوائد حسنت في أعين رائيها ، فاقتبسوها ، وأشياء قبحت في أعينهم ، فحذروها ، وفي كلتا الحالتين نشأت يقظة جديدة ، وتأسست مدنيات متفننة ، وتهيأت الأفكار إلى قبول التغييرات القوية ، فتهيأت جميع الأمم إلى قبول التعاليم الغريبة عن عوائدها وأحوالها ، وتساوت الأمم وتقاربت في هذا المقدار ، وإن تفاوتت في الحضارة والعلوم تفاوتا ربما كان منه ما زاد بعضها تهيؤا لقبول التعاليم الصحيحة ، وقهقر بعضا عن ذلك بما داخلها من الإعجاب بمبلغ علمها ، أو العكوف والإلف على حضارتها .

فبلغ الأجل المراد والمعين لمجيء الشريعة الحق الخاتمة العامة .

فأظهر الله دين الإسلام في وقت مناسب لظهوره ، واختار أن يكون ظهوره بين ظهراني أمة لم تسبق لها سابقة سلطان ، ولا كانت ذات سيادة يومئذ على شيء من جهات الأرض ، ولكنها أمة سلمها الله من معظم رعونات الجماعات البشرية ، لتكون أقرب إلى قبول الحق ، وأظهر هذا الدين بواسطة رجل منها ، لم يكن من أهل العلم ، ولا من أهل الدولة ، ولا من ذرية ملوك ، ولا اكتسب خبرة سابقة بهجرة أو مخالطة ، ليكون ظهور هذا الحق الصريح ، والعلم الصحيح من مثله آية على أن ذلك وحي من الله نفح به عباده .

ثم جعل أسس هذا الدين متباعدة عن ذميم العوائد في الأمم ، حتى الأمة التي ظهر بينها ، وموافقة للحق ولو كان قد سبق إليه أعداؤها ، وكانت أصوله مبنية على الفطرة بمعنى ألا تكون ناظرة إلا إلى ما فيه الصلاح في حكم العقل السليم ، غير مأسور للعوائد ولا للمذاهب ، قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون قال الشيخ أبو علي ابن سينا : ( الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل ، لم يسمع رأيا ، ولم يعتقد مذهبا ، ولم يعاشر أمة ، لكنه شاهد المحسوسات ، ثم يعرض على ذهنه الأشياء شيئا فشيئا فإن أمكنه الشك في شيء فالفطرة لا تشهد به ، وإن لم يمكنه الشك فيه فالفطرة توجبه ، وليس كل ما توجبه الفطرة بصادق ، بل الصادق منه ما تشهد به فطرة القوة التي تسمى عقلا ، قبل أن يعترضه الوهم ) .

[ ص: 194 ] ويدخل في الفطرة الآداب العتيقة التي اصطلح عليها كافة عقلاء البشر ، وارتاضت نفوسهم بها ، إذا كانت تفيدهم كمالا ، ولا تفضي إلى فساد ، وذلك أصول قواعد حفظ النسب والعرض خاصة . فبهذا الأصل : أصل الفطرة ، كان الإسلام دينا صالحا لجميع الأمم في جميع الأعصر .

ثم ظهر هذا الأصل في تسعة مظاهر خادمة له ومهيئة جميع الناس لقبوله .

المظهر الأول : إصلاح العقيدة بحمل الذهن على اعتقاد لا يشوبه تردد ولا تمويه ولا أوهام ولا خرافات ، ثم بكون عقيدته مبنية على الخضوع لواحد عظيم ، وعلى الاعتراف باتصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع إليه اختيارا ، ثم لتصير تلك الكمالات مطمح أنظار المعتقد في التخلق بها ، ثم بحمل جميع الناس على تطهير عقائدهم حتى يتحد مبدأ التخلق فيهم قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله .

وكان إصلاح الاعتقاد أهم ما ابتدأ به الإسلام ، وأكثر ما تعرض له ; وذلك لأن إصلاح الفكرة هو مبدأ كل إصلاح ; ولأنه لا يرجى صلاح لقوم تلطخت عقولهم بالعقائد الضالة ، وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة ، خوفا من لا شيء ، وطمعا في غير شيء . وإذا صلح الاعتقاد أمكن صلاح الباقي ; لأن المرء إنسان بروحه لا بجسمه .

ثم نشأ عن هذا الاعتقاد الإسلامي : عزة النفس ، وأصالة الرأي ، وحرية العقل ، ومساواة الناس فيما عدا الفضائل .

وقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثارا لا يشبهه فيه دين آخر ، بل إنك تنظر إلى كثير من الأديان الصحيحة ، فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلا قليلا .

المظهر الثاني : جمعه بين إصلاح النفوس بالتزكية ، وبين إصلاح نظام الحياة بالتشريع ، في حين كان معظم الأديان لا يتطرق إلى نظام الحياة بشيء ، وبعضها وإن تطرق إليه إلا أنه لم يوفه حقه ، بل كان معظم اهتمامها منصرفا إلى المواعظ والعبادات ، [ ص: 195 ] وقد قرن القرآن المصلحتين في غير ما آية قال تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .

والمظهر الثالث : اختصاصه بإقامة الحجة ، ومجادلة المخاطبين بصنوف المجادلات ، وتعليل أحكامه ، بالترغيب وبالترهيب ، وذلك رعي لمراتب نفوس المخاطبين ، فمنهم العالم الحكيم الذي لا يقتنع إلا بالحجة والدليل ، ومنهم المكابر الذي لا يرعوي إلا بالجدل والخطابة ، ومنهم المترهب الذي اعتاد الرغبة فيما عند الله ، ومنهم المكابر المعاند ، الذي لا يقلعه عن شغبه إلا القوارع والزواجر .

المظهر الرابع : أنه جاء بعموم الدعوة لسائر البشر ، وهذا شيء لم يسبق في دين قبله قط ، وفي القرآن : قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وفي الحديث الصحيح : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي فذكر : وكان الرسول يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة وقد ذكر الله تعالى الرسل كلهم فذكر أنه أرسلهم إلى أقوامهم .

والاختلاف في كون نوح رسولا إلى جميع أهل الأرض - إنما هو مبني على أنه بعد الطوفان انحصر أهل الأرض في أتباع نوح ، عند القائلين بعموم الطوفان سائر الأرض ، ألا ترى قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه وأيا ما كان احتمال كون سكان الأرض في عصر نوح هم من ضمهم وطن نوح ; فإن عموم دعوته حاصل غير مقصود .

المظهر الرابع : الدوام ولم يدع رسول من الرسل أن شريعته دائمة ، بل ما من رسول ولا كتاب ، إلا تجد فيه بشارة برسول يأتي من بعده .

المظهر الخامس : الإقلال من التفريع في الأحكام بل تأتي بأصولها ويترك التفريع لاستنباط المجتهدين وقد بين ذلك أبو إسحاق الشاطبي في تفسير قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء لتكون الأحكام صالحة لكل زمان .

المظهر السادس : أن المقصود من وصايا الأديان إمكان العمل بها ، وفي أصول الأخلاق أن التربية الصحيحة هي التي تأتي إلى النفوس بالحيلولة بينها وبين خواطر الشرور ; لأن [ ص: 196 ] الشرور ، إذا تسربت إلى النفوس ، تعذر أو عسر اقتلاعها منها ، وكانت الشرائع تحمل الناس على متابعة وصاياها بالمباشرة ، فجاء الإسلام يحمل الناس على الخير بطريقتين : طريقة مباشرة ، وطريقة سد الذرائع الموصلة إلى الفساد ، وغالب أحكام الإسلام من هذا القبيل ، وأحسبها أنها من جملة ما أريد بالمشتبهات في حديث إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس .

المظهر السابع : الرأفة بالناس حتى في حملهم على مصالحهم بالاقتصار في التشريع على موضع المصلحة ، مع تطلب إبراز ذلك التشريع في صورة لينة ، وفي القرآن يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وفي الحديث بعثت بالحنيفية السمحة - ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ، وكانت الشرائع السابقة تحمل على المتابعة بالشدة ، فلذلك لم تكن صالحة للبقاء ; لأنها روعي فيها حال قساوة أمم في عصور خاصة ، ولم تكن بالتي يناسبها ما قدر مصير البشر إليه من رقة الطباع وارتقاء الأفهام .

المظهر الثامن : امتزاج الشريعة بالسلطان في الإسلام ، وذلك من خصائصه ; إذ لا معنى للتشريع إلا تأسيس قانون للأمة ، وما قيمة قانون لا تحميه القوة والحكومة . وبامتزاج الحكومة مع الشريعة أمكن تعميم الشريعة ، واتحاد الأمة في العمل والنظام .

المظهر التاسع : صراحة أصول الدين ، بحيث يتكرر في القرآن ما تستقرى منه قواطع الشريعة ، حتى تكون الشريعة معصومة من التأويلات الباطلة ، والتحريفات التي طرأت على أهل الكتب السابقة ، ويزداد هذا بيانا عند تفسير قوله تعالى : فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني .

التالي السابق


الخدمات العلمية