صفحة جزء
[ ص: 94 ] إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى .

استئناف بياني لجملة وما ينطق عن الهوى .

وضمير هو عائد إلى المنطوق به المأخوذ من فعل " ينطق " كما في قوله تعالى اعدلوا هو أقرب للتقوى أي العدل المأخوذ من فعل اعدلوا .

ويجوز أن يعود الضمير إلى معلوم من سياق الرد عليهم ؛ لأنهم زعموا في أقوالهم المردودة بقوله ما ضل صاحبكم وما غوى زعموا القرآن سحرا ، أو شعرا ، أو كهانة ، أو أساطير الأولين ، أو إفكا افتراه .

وإن كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - ينطق بغير القرآن عن وحي كما في حديث الحديبية في جوابه للذي سأله : وما يفعل المعتمر ؟ وكقوله إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ومثل جميع الأحاديث القدسية التي فيها قال الله تعالى ونحوه .

وفي سنن أبي داود والترمذي من حديث المقدام بن معديكرب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه .

وقد ينطق عن اجتهاد كأمره بكسر القدور التي طبخت فيها الحمر الأهلية فقيل له : أونهريقها ونغسلها ؟ فقال : أوذاك .

فهذه الآية بمعزل عن إيرادها في الاحتجاج لجواز الاجتهاد للنبيء - صلى الله عليه وسلم - لأنها كان نزولها في أول أمر الإسلام وإن كان الأصح أن يجوز له الاجتهاد وأنه وقع منه وهي من مسائل أصول الفقه .

والوحي تقدم عند قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح في سورة [ ص: 95 ] النساء . وجملة " يوحى " مؤكدة لجملة إن هو إلا وحي مع دلالة المضارع على أن ما ينطق به متجدد وحيه غير منقطع .

ومتعلق يوحى محذوف تقديره : إليه ، أي : إلى صاحبكم .

وترك فاعل الوحي لضرب من الإجمال الذي يعقبه التفصيل ؛ لأنه سيرد بعده ما يبينه من قوله فأوحى إلى عبده ما أوحى .

وجملة علمه شديد القوى إلخ ، مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان كيفية الوحي .

وضمير الغائب في علمه عائد إلى الوحي ، أو إلى ما عاد إليه ضمير هو من قوله إن هو إلا وحي . وضمير هو يعود إلى القرآن ، وهو ضمير في محل أحد مفعولي علم وهو المفعول الأول ، والمفعول الثاني محذوف ، والتقدير : علمه إياه ، يعود إلى صاحبكم ، ويجوز جعل هاء علمه عائدا إلى صاحبكم والمحذوف عائد إلى وحي إبطالا لقول المشركين إنما يعلمه بشر .

و ( علم ) هنا متعد إلى مفعولين ؛ لأنه مضاعف ( علم ) المتعدي إلى مفعول واحد .

و شديد القوى : صفة لمحذوف يدل عليه ما يذكر بعد مما هو من شئون الملائكة ، أي : ملك شديد القوى . واتفق المفسرون على أن المراد به جبريل عليه السلام .

والمراد ب القوى استطاعة تنفيذ ما يأمر الله به من الأعمال العظيمة العقلية والجسمانية ، فهو الملك الذي ينزل على الرسل بالتبليغ .

والمرة - بكسر الميم وتشديد الراء المفتوحة - تطلق على قوة الذات وتطلق على متانة العقل وأصالته ، وهو المراد هنا ؛ لأنه قد تقدم قبله وصفه بشديد القوى ، وتخصيص جبريل بهذا الوصف يشعر بأنه الملك الذي ينزل بفيوضات الحكمة على [ ص: 96 ] الرسل والأنبياء ، ولذلك لما ناول الملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء كأس لبن وكأس خمر ، فاختار اللبن قال له جبريل : اخترت الفطرة ولو أخذت الخمر غوت أمتك .

وقوله فاستوى مفرع على ما تقدم من قوله علمه شديد القوى .

والفاء لتفصيل " علمه " ، والمستوي هو جبريل . ومعنى استوائه : قيامه بعزيمة لتلقي رسالة الله ، كما يقال : استقل قائما ، ومثل : بين يدي فلان ، فاستواء جبريل هو مبدأ التهيؤ لقبول الرسالة من عند الله ، ولذلك قيد هذا الاستواء بجملة الحال في قوله وهو بالأفق الأعلى . والضمير لجبريل لا محالة ، أي : قبل أن ينزل إلى العالم الأرضي .

والأفق : اسم للجو الذي يبدو للناظر ملتقى بين طرف منتهى النظر من الأرض وبين منتهى ما يلوح كالقبة الزرقاء ، وغلب إطلاقه على ناحية بعيدة عن موطن القوم ومنه أفق المشرق وأفق المغرب .

ووصفه ب " الأعلى " في هذه الآية يفيد أنه ناحية من جو السماء . وذكر هذا ليرتب عليه قوله ثم دنا فتدلى .

و " ثم " عاطفة على جملة " فاستوى " ، والتراخي الذي تفيده " ثم " تراخ رتبي ؛ لأن الدنو إلى حيث يبلغ الوحي هو الأهم في هذا المقام .

والدنو : القرب ، وإذ قد كان فعل الدنو قد عطف ب " ثم " على استوى بالأفق الأعلى ، علم أنه دنا إلى العالم الأرضي ، أي : أخذ في الدنو بعد أن تلقى ما يبلغه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

وتدلى : انخفض من علو قليلا ، أي : ينزل من طبقات إلى ما تحتها كما يتدلى الشيء المعلق في الهواء بحيث لو رآه الرائي يحسبه متدليا ، وهو ينزل من السماء غير منقض .

و ( قاب ) ، قيل معناه : قدر . وهو واوي العين ، ويقال : قاب وقيب بكسر [ ص: 97 ] القاف ، وهذا ما درج عليه أكثر المفسرين . وقيل يطلق القاب على ما بين مقبض القوس ، أي : وسط عوده المقوس وما بين سيتيها ، أي : طرفيها المنعطف الذي يشد به الوتر ، فللقوس قابان وسيتان ، ولعل هذا الإطلاق هو الأصل للآخر ، وعلى هذا المعنى حمل الفراء والزمخشري وابن عطية وعن سعيد بن المسيب : القاب : صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ولكل قوس قاب واحد .

وعلى كلا التفسيرين فقوله قاب قوسين أصله قابي قوس أو قابي قوسين ( بتثنية أحد اللفظين المضاف والمضاف إليه ، أو كليهما ) فوقع إفراد أحد اللفظين أو كليهما تجنبا لثقل المثنى كما في قوله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، أي : قلباكما .

وقيل يطلق القوس في لغة أهل الحجاز على ذراع يذرع به ( ولعله إذن مصدر قاس فسمي به ما يقاس به ) .

والقوس : آلة من عود نبع ، مقوسة يشد بها وتر من جلد ويرمى عنها السهام . والنشاب وهي في مقدار الذراع عند العرب .

وحاصل المعنى أن جبريل كان على مسافة قوسين من النبيء - صلى الله عليه وسلم - الدال عليه التفريع بقوله فأوحى إلى عبده ما أوحى ، ولعل الحكمة في هذا البعد أن هذه الصفة حكاية لصورة الوحي الذي كان في أوائل عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة فكانت قواه البشرية يومئذ غير معتادة لتحمل اتصال القوة الملكية بها مباشرة رفقا بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - أن لا يتجشم شيئا يشق عليه ، ألا ترى أنه لما اتصل به في غار حراء ولا اتصال ، وهو الذي عبر عنه في حديثه بالغط قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم كانت تعتريه الحالة الموصوفة في حديث نزول أول الوحي المشار إليها في سورة المدثر وسورة المزمل قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ، ثم اعتاد اتصال جبريل به مباشرة فقد جاء في حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة أنه جلس إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه إذ كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - أيامئذ بالمدينة وقد اعتاد الوحي وفارقته شدته ، [ ص: 98 ] ولمراعاة هذه الحكمة كان جبريل يتمثل للنبيء - صلى الله عليه وسلم - في صورة إنسان وقد وصفه عمر في حديث بيان الإيمان والإسلام بقوله إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد " الحديث ، وأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال لهم بعد مفارقته يا عمر أتدري من السائل ؟ قال عمر : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم .

وقوله أو أدنى ( أو ) فيه للتخيير في التقدير ، وهو مستعمل في التقريب ، أي : إن أراد أحد تقريب هذه المسافة فهو مخير بين أن يجعلها قاب قوسين أو أدنى ، أي : لا أزيد إشارة إلى أن التقرير لا مبالغة فيه .

وتفريع فأوحى إلى عبده ما أوحى على قوله فتدلى فكان قاب قوسين المفرع على المفرع على قوله علمه شديد القوى ، وهذا التفريع هو المقصود من البيان وما قبله تمهيد له ، وتمثيل لأحوال عجيبة بأقرب ما يفهمه الناس لقصد بيان إمكان تلقي الوحي عن الله تعالى إذ كان المشركون يحيلونه فبين لهم إمكان الوحي بوصف طريق الوحي إجمالا ، وهذه كيفية من صور الوحي .

وضمير أوحى عائد إلى الله تعالى المعلوم من قوله إن هو إلا وحي يوحى كما تقدم ، والمعنى : فأوحى إلى عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وهذا كاف في هذا المقام ؛ لأن المقصود إثبات الإيحاء لإبطال إنكارهم إياه .

وإيثار التعبير عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعنوان عبده إظهار في مقام الإضمار في اختصاص الإضافة إلى ضمير الجلالة من التشريف .

وفي قوله ما أوحى إيهام لتفخيم ما أوحى إليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية