صفحة جزء
كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما تذكرون إلا أن يشاء الله ( [ ص: 332 ] ( كلا ) ردع ثان مؤكد للردع الذي قبله ، أي لا يؤتون صحفا منشورة ولا يوزعون إلا بالقرآن .

وجملة ( إنه تذكرة ) تعليل للردع عن سؤالهم أن تنزل عليهم صحف منشرة ، بأن هذا القرآن تذكرة عظيمة ، وهذا كقوله تعالى ( وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ) . فضمير ( إنه ) للقرآن ، وهو معلوم من المقام ، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن . وتنكير تذكرة للتعظيم .

وقوله ( فمن شاء ذكره ) تفريع على أنه تذكرة ونظيره قوله تعالى ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) في سورة المزمل .

وهذا تعريض بالترغيب في التذكر ، أي التذكر طوع مشيئتكم فإن شئتم فتذكروا .

والضمير الظاهر في ذكره يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ( إنه ) وهو القرآن فيكون على الحذف والإيصال وأصله : ذكر به .

ويجوز أن يعود إلى الله تعالى وإن لم يتقدم لاسمه ذكر في هذه الآيات لأنه مستحضر من المقام على نحو قوله ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) .

وضمير " شاء " راجع إلى ( من ) ، أي من أراد أن يتذكر ذكر بالقرآن وهو مثل قوله آنفا ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) وقوله في سورة المزمل ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) .

وهو إنذار للناس بأن التذكر بالقرآن يحصل إذا شاءوا التذكر به . والمشيئة تستدعي التأمل فيما يخلصهم من المؤاخذة على التقصير وهم لا عذر لهم في إهمال ذلك ، وقد تقدم في سورة المزمل .

وجملة ( وما تذكرون إلا أن يشاء الله ) معترضة في آخر الكلام لإفادة تعلمهم بهذه الحقيقة ، والواو اعتراضية .

والمعنى : أن تذكر من شاءوا أن يتذكروا لا يقع إلا مشروطا بمشيئة الله أن [ ص: 333 ] يتذكروا . وقد تكرر هذا في القرآن تكررا ينبه على أنه حقيقة واقعة كقوله ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) وقال هنا ( كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ) فعلمنا أن للناس مشيئة هي مناط التكاليف الشرعية والجزاء في الدنيا والآخرة وهي المعبر عنها عند أهل التحقيق من المتكلمين بالكسب كما حققه الأشعري ، وعند المعتزلة بالقدرة الحادثة ، وهما عبارتان متقاربتان ، وأن لله تعالى المشيئة العظمى التي لا يمانعها مانع ولا يقسرها قاسر ، فإذا لم يتوجه تعلقها إلى إرادة أحد عباده لم يحصل له مراد .

وهذه المشيئة هي المعبر عنها بالتوفيق إذا تعلقت بإقدار العبد على الداعية إلى الطاعة وامتثال الوصايا الربانية ، وبالخذلان إذا تعلقت بتركه في ضلاله الذي أوبقته فيه آراؤه الضالة وشهواته الخبيثة الموبقة له في الإعراض عن شرائع الله ودعوة رسله ، وإذا تعلقت بانتشال العبد من أوحال الضلال وبإنارة سبيل الخير لبصيرته سميت لطفا مثل تعلقها بإيمان عمر بن الخطاب وصلاحه بعد أن كان في عناد ، وهذا تأويل قوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) .

وهذا حاصل ما يتمخض من الجمع بين أدلة الشريعة المقتضية أن الأمر لله ، والأدلة التي اقتضت المؤاخذة على الضلال ، وتأويلها الأكبر في قوله تعالى ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ولله في خلقه سر جعل بينهم وبين كنهه حجابا ، ورمز إليه بالوعد والوعيد ثوابا وعقابا .

وقرأ نافع ويعقوب ( وما تذكرون ) بمثناة فوقية على الالتفات ، وقرأه الجمهور بتحتية على الغيبة ، فالمعنى : أنهم يغلب عليهم الاستمرار على عدم الذكرى بهذه التذكرة إلا أن يشاء الله التوفيق لهم ويلطف بهم فيخلق انقلابا في سجية من يشاء توفيقه واللطف به . وقد شاء الله ذلك فيمن آمنوا قبل نزول هذه الآية ومن آمنوا بعد نزولها .

التالي السابق


الخدمات العلمية