صفحة جزء
لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد ابتدئت بالقسم تشويقا لما يرد بعد وأطيلت جملة القسم زيادة في التشويق .

و ( لا أقسم ) معناه : ( أقسم ) . وقد تقدم ذلك غير مرة ، منها ما في سورة الحاقة .

وتقدم القول في : هل حرف النفي مزيد أو هو مستعمل في معناه كناية عن تعظيم أمر المقسم به .

والإشارة بـ ( هذا ) مع بيانه بالبلد ، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين كأنهم يرونه ; لأن رؤيته متكررة لهم وهو بلد مكة ، ومثله ما في قوله : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ) . وفائدة الإتيان باسم الإشارة تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه به .

والبلد : جانب من متسع من أرض عامرة كانت - كما هو الشائع - أم غامرة كقول رؤبة بن العجاج :


بل بلد ملء الفجاج قتمه



وأطلق هنا على جانب من الأرض مجعولة فيه بيوت من بناء وهو بلدة مكة [ ص: 347 ] والقسم بالبلدة مع أنها لا تدل على صفة من صفات الذات الإلهية ولا من صفات أفعاله كناية عن تعظيم الله تعالى إياه وتفضيله .

وجملة ( وأنت حل بهذا البلد ) معترضة بين المتعاطفات المقسم بها ، والواو اعتراضية . والمقصود من الاعتراض يختلف باختلاف محمل معنى ( وأنت حل ) فيجوز أن يكون ( حل ) اسم مصدر ( أحل ) أي : أباح ، فالمعنى : وقد جعلك أهل مكة حلالا بهذا البلد الذي يحرم أذى صيده وعضد شجره ، وهم مع ذلك يحلون قتلك وإخراجك ، قال هذا شرحبيل بن سعد ، فيكون المقصود من هذا الاعتراض التعجيب من مضمون الجملة ، وعليه فالإخبار عن ذات الرسول - صلى الله عليه وسلم - بوصف ( حل ) يقدر فيه مضاف يعينه ما يصلح للمقام ، أي : وأنت حلال منك ما حرم من حق ساكن هذا البلد من الحرمة والأمن ، والمعنى التعريض بالمشركين في عدوانهم وظلمهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بلد لا يظلمون فيه أحدا . والمناسبة ابتداء القسم بمكة الذي هو إشعار بحرمتها المقتضية حرمة من يحل بها ، أي : فهم يحرمون أن يتعرضوا بأذى للدواب ويعتدون على رسول جاءهم برسالة من الله .

ويجوز أن يكون ( حل ) اسما مشتقا من الحل وهو ضد المنع ، أي : الذي لا تبعة عليه فيما يفعله . قال مجاهد والسدي : أي ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل ، أو أنت في حل ممن قاتلك أن تقاتله . وقريب منه عن ابن عباس : أي مهما تمكنت من ذلك . فيصدق بالحال والاستقبال . وقال في الكشاف : يعني : وأنت حل به في المستقبل ، ونظيره في الاستقبال قوله - عز وجل - : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ، تقول لمن تعده بالإكرام والحباء ، أنت مكرم محبو اهـ .

فهذا الاعتراض تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - قدمت له قبل ذكر إعراض المشركين عن الإسلام ، ووعد بأنه سيمكنه منهم .

وعلى كلا الوجهين في محمل صفة ( حل ) هو خصوصيته للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وقد خصصه النبيء - صلى الله عليه وسلم - بيوم الفتح فقال : " وإنما أحلت لي ساعة من نهار " [ ص: 348 ] الحديث . وفي الموطأ " قال مالك : ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، أي يوم الفتح محرما .

ويثار من هذه الآية على اختلاف المحامل النظر في جواز دخول مكة بغير إحرام لغير مريد الحج أو العمرة . قال الباجي في المنتقى وابن العربي في الأحكام : الداخل مكة غير مريد النسك لحاجة تتكرر ، كالحطابين وأصحاب الفواكه والمعاش ، هؤلاء يجوز دخولهم غير محرمين ; لأنهم لو كلفوا الإحرام لحقتهم مشقة ، وإن كان دخولها لحاجة لا تتكرر فالمشهور عن مالك أنه لا بد من الإحرام ، وروي عنه تركه ، والصحيح وجوبه ، فإن تركه قال الباجي : فالظاهر من المذهب أنه لا شيء عليه وقد أساء ، ولم يفصل أهل المذهب بين من كان من أهل داخل الميقات أو من خارجه .

والخلاف في ذلك أيضا بين فقهاء الأمصار ، فذهب أبو حنيفة أن من كان من أهل داخل المواقيت يجوز له دخول مكة بغير إحرام إن لم يرد نسكا من حج أو عمرة ، وأما من كان من أهل خارج المواقيت فالواجب عليه الإحرام لدخول مكة دون تفصيل بين الاحتياج إلى تكرر الدخول أو عدم الاحتياج . وذهب الشافعي إلى سقوط الإحرام عن غير قاصد النسك . ومذهب أحمد موافق مذهب مالك .

وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين : أن معنى ( وأنت حل بهذا البلد ) أنه حال ، أي : ساكن بهذا البلد اهـ . وجعله ابن العربي قولا ولم يعزه إلى قائل ، وحكاه القرطبي والبيضاوي كذلك ، وهو يقتضي أن تكون جملة ( وأنت حل ) في موضع الحال من ضمير ( أقسم ) فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار كونه بلد محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو تأويل جميل لو ساعد عليه ثبوت استعمال ( حل ) بمعنى : ( حال ) ، أي : مقيم في مكان ، فإن هذا لم يرد في كتب اللغة : الصحاح واللسان والقاموس ومفردات الراغب . ولم يعرج عليه صاحب الكشاف ، ولا أحسب إعراضه عنه إلا لعدم ثقته بصحة استعماله ، وقال الخفاجي : " والحل صفة أو مصدر بمعنى الحال هنا على هذا الوجه ، ولا عبرة لمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة " اهـ . وكيف يقال : لا عبرة بعدم ثبوته في كتب اللغة ، وهل المرجع في إثبات اللغة إلا كتب أيمتها ؟ !

[ ص: 349 ] وتكرير لفظ ( بهذا البلد ) إظهار في مقام الإضمار لقصد تجديد التعجيب ، ولقصد تأكيد فتح ذلك البلد العزيز عليه والشديد على المشركين أن يخرج عن حوزتهم .

و ( والد ) وقع منكرا فهو تنكير تعظيم ، إذ لا يحتمل غير ذلك في سياق القسم ، فتعين أن يكون المراد والدا عظيما ، والراجح عمل والد على المعنى الحقيقي بقرينة قوله : وما ولد .

والذي يناسب القسم بهذا البلد أن يكون المراد بـ ( والد ) إبراهيم - عليه السلام - فإنه الذي اتخذ ذلك البلد لإقامة ولده إسماعيل وزوجه هاجر ، قال تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) ثم قال : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) . وإبراهيم والد سكان ذلك البلد الأصليين ، قال تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) ولأنه والد محمد صلى الله عليه وسلم .

و ( ما ولد ) موصول وصلة ، والضمير المستتر في ( ولد ) عائد إلى ( والد ) . والمقصود : وما ولده إبراهيم من الأبناء والذرية . وذلك مخصوص بالذين اقتفوا هديه فيشمل محمدا صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا تعريض للتنبيه بالمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادوا عن طريقة أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعمارة المسجد الحرام ، قال تعالى : (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيء والذين آمنوا ) .

وجيء باسم الموصول ( ما ) في قوله : ( وما ولد ) دون ( من ) مع أن ( من ) أكثر استعمالا في إرادة العاقل وهو مراد هنا ، فعدل عن ( من ) ؛ لأن ( ما ) أشد إبهاما ، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد الإبهام لإرادة التفخيم ، ونظيره قوله تعالى : ( والله أعلم بما وضعت ) يعني : مولودا عجيب الشأن . ويوضح هذا أن ( ما ) تستعمل نكرة تامة باتفاق ، و ( من ) لا تستعمل نكرة تامة إلا عند الفارسي .

[ ص: 350 ] ولأن قوة الإبهام في ( ما ) أنسب بإرادة الجماعة دون واحد معين ، ألا ترى إلى قول الحكم الأصم الفزاري :


اللؤم أكرم من وبر ووالـده     واللؤم أكرم من وبر وما ولدا



يريد : ومن أولاده ، لا ولدا معينا .

وجملة ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) جواب القسم وهو الغرض من السورة .

والإنسان يجوز أن يراد به الجنس وهو الأظهر وقول جمهور المفسرين ، فالتعريف فيه تعريف الجنس ، ويكون المراد به خصوص أهل الشرك ; لأن قوله : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) إلى آخر الآيات لا يليق إلا بأحوال غير المؤمنين ، فالعموم عموم عرفي ، أي : الإنسان في عرف الناس يومئذ ، ولم يكن المسلمون إلا نفرا قليلا ، ولذلك كثر في القرآن إطلاق الإنسان مرادا به الكافرون من الناس .

ويجوز أن يراد به إنسان معين ، فالتعريف تعريف العهد ، فعن الكلبي أنه أبو الأشد ، ويقال : أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي كان معروفا بالقوة والشدة يجعل الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول : من أزالني فله كذا . فيجذبه عشرة رجال حتى يمزق الأديم ولا تزول قدماه ، وكان شديد الكفر والعداوة للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فنزل فيه ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) . وقيل : هو الوليد بن المغيرة ، وقيل : هو أبو جهل . وعن مقاتل : نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل ، زعم أنه أنفق مالا على إفساد أمر النبيء صلى الله عليه وسلم . وقيل : هو عمرو بن عبد ود الذي اقتحم الخندق في يوم الأحزاب ليدخل المدينة ، فقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق .

وليس لهذه الأقوال شاهد من النقل الصحيح ، ولا يلائمها القسم ولا السياق .

والخلق : إيجاد ما لم يكن موجودا ، ويطلق على إيجاد حالة لها أثر قوي في الذات كقوله تعالى : ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ) وقوله : ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) فهو جعل يغير ذات الشيء .

[ ص: 351 ] والكبد بفتحتين : التعب والشدة ، وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكبد ، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسر به الكبد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار ، حتى كأنهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التئامه ، ويحق وئامه .

وقد غضوا النظر عن موقع فعل ( خلقنا ) على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل ( خلقنا ) كمعذرة للإنسان الكافر في ملازمة الكبد له إذ هو مخلوق فيه ، وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم ، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة . واضطراب رأيهم في الجمع بين ادعاء الشركاء لله تعالى وبين توجههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضر ، ومن إحالتهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق الأول ، فقوله : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) ليس مقصودا وحده ، بل هو توطئة لقوله : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) والمقصود إثبات إعادة خلق الإنسان بعد الموت للبعث والجزاء الذي أنكروه وابتدأهم القرآن بإثباته في سور كثيرة من السور الأولى .

فوزان هذا التمهيد وزان التمهيد بقوله : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ) بعد القسم بقوله : ( والتين والزيتون ) إلخ .

فمعنى ( أيحسب أن لن يقدر عليه ) : أيحسب أن لن نقدر عليه بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقا آخر ، فهو في طريقة القسم والمقسم عليه بقوله تعالى : ( لا أقسم بيوم القيامة ) إلى قوله : ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) أي : كما خلقناه أول مرة في نصب من أطوار الحياة كذلك نخلقه خلقا ثانيا في كبد من العذاب في الآخرة لكفره .

وبذلك يظهر موقع إدماج قوله : ( في كبد ) لأن المقصود التنظير بين الخلقين الأول والثاني في أنهما من مقدور الله تعالى .

والظرفية من قوله : ( في كبد ) مستعملة مجازا في الملازمة فكأنه مظروف في الكبد ، ونظيره قوله : ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ) [ ص: 352 ] الآية ، فالمراد : عذاب الدنيا ، وهو مشقة اضطراب البال في التكذيب واختلاق المعاذير والحيرة من الأمر على أحد التفسيرين لتلك الآية .

فالمعنى أن الكبد ملازم للمشرك من حين اتصافه بالإشراك وهو حين تقوم العقل وكمال الإدراك .

ومن الجائز أن يجعل قوله : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) من قبيل القلب المقبول لتضمنه اعتبارا لطيفا وهو شدة تلبس الكبد بالإنسان المشرك حتى كأنه خلق في الكبد .

والمعنى : لقد خلقنا الكبد في الإنسان الكافر .

وللمفسرين تأويلات أخرى في معنى الآية لا يساعد عليها السياق .

التالي السابق


الخدمات العلمية