صفحة جزء
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا .

[ ص: 191 ] اتصال هذه الآية بما قبلها يرجع إلى ما مضى من وصف أحوال المنافقين ومناصريهم ، وانتقل من ذلك إلى الاستعداد لقتال المناوين للإسلام من قوله يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا الآية ، وتخلل فيه من أحوال المنافقين في تربصهم بالمسلمين الدوائر ومختلف أحوال القبائل في علائقهم مع المسلمين ، واستطرد لذكر قتل الخطأ والعمد ، وانتقل إلى ذكر الهجرة ، وعقب بذكر صلاة السفر وصلاة الخوف ، عاد الكلام بعد ذلك إلى أحوال أهل النفاق .

والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا .

وجمهور المفسرين على أن هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها : أن إخوة ثلاثة يقال لهم : بشر وبشير ومبشر ، أبناء أبيرق ، وقيل : أبناء طعمة بن أبيرق ، وقيل : إنما كان بشير أحدهم يكنى أبا طعمة ، وهم من بني ظفر من أهل المدينة ، وكان بشير شرهم ، وكان منافقا يهجو المسلمين بشعر يشيعه وينسبه إلى غيره ، وكان هؤلاء الإخوة في فاقة ، وكانوا جيرة لرفاعة بن زيد ، وكانت عير قد أقبلت من الشام بدرمك - وهو دقيق الحوارى أي السميذ - فابتاع منها رفاعة بن زيد حملا من درمك لطعامه ، وكان أهل المدينة يأكلون دقيق الشعير ، فإذا جاء الدرمك ابتاع منه سيد المنزل شيئا لطعامه فجعل الدرمك في مشربة له وفيها سلاح ، فعدى بنو أبيرق عليه فنقبوا مشربته وسرقوا الدقيق والسلاح ، فلما أصبح رفاعة ووجد مشربته قد سرقت أخبر ابن أخيه قتادة بن النعمان بذلك ، فجعل يتحسس ، فأنبئ بأن بني أبيرق استوقدوا في تلك الليلة نارا ، ولعله على بعض طعام رفاعة ، فلما افتضح بنو أبيرق طرحوا المسروق في دار أبي مليل الأنصاري . وقيل : في دار يهودي اسمه زيد بن السمين ، وقيل : لبيد بن سهل ، وجاء بعض بني ظفر إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، فاشتكوا إليه أن رفاعة وابن أخيه اتهما بالسرقة أهل بيت إيمان وصلاح ، قال قتادة : فأتيت رسول الله ، فقال لي عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة على غير بينة . وأشاعوا في الناس أن المسروق في دار أبي مليل أو دار اليهودي . فما لبث أن نزلت هذه الآية ، وأطلع الله رسوله على جلية الأمر ، معجزة له ، حتى لا يطمع أحد في أن يروج على الرسول باطلا . هذا هو الصحيح في سوق هذا الخبر . ووقع في كتاب أسباب النزول [ ص: 192 ] للواحدي ، وفي بعض روايات الطبري سوق القصة ببعض مخالفة لما ذكرته : وأن بني ظفر سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجادل عن أصحابهم كي لا يفتضحوا ويبرأ اليهودي ، وأن رسول الله هم بذلك ، فنزلت الآية .

وفي بعض الروايات أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لام اليهودي وبرأ المتهم ، وهذه الرواية واهية ، وهذه الزيادة خطأ بين من أهل القصص دون علم ولا تبصر بمعاني القرآن . والظاهر أن صدر الآية تمهيد للتلويح إلى القصة ، فهو غير مختص بها ، إذ ليس في ذلك الكلام ما يلوح إليها ، ولكن مبدأ التلويح إلى القصة من قوله ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم .

وقوله بما أراك الله الباء للآلة جعل ما أراه الله إياه بمنزلة آلة للحكم لأنه وسيلة إلى مصادفة العدل والحق ونفي الجور ، إذ لا يحتمل علم الله الخطأ . والرؤية في قوله أراك الله عرفانية ، وحقيقتها الرؤية البصرية ، فأطلقت على ما يدرك بوجه اليقين لمشابهته الشيء المشاهد . والرؤية البصرية تنصب مفعولا واحدا فإذ أدخلت عليها همزة التعدية نصبت مفعولين كما هنا ، وقد حذف المفعول الثاني لأنه ضمير الموصول ، فأغنى عنه الموصول ، وهو حذف كثير ، والتقدير : بما أراكه الله .

فكل ما جعله الله حقا في كتابه فقد أمر بالحكم به بين الناس ، وليس المراد أنه يعلمه الحق في جانب شخص معين بأن يقول له : إن فلانا على الحق ، لأن هذا لا يلزم اطراده ، ولأنه لا يلفى مدلولا لجميع آيات القرآن وإن صلح الحمل عليه في مثل هذه الآية ، بل المراد أنه أنزل عليه الكتاب ليحكم بالطرق والقضايا الدالة على وصف الأحوال التي يتحقق بها العدل فيحكم بين الناس على حسب ذلك ، بأن تندرج جزئيات أحوالهم عند التقاضي تحت الأوصاف الكلية المبينة في الكتاب ، مثل قوله تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم ، فقد أبطل حكم التبني الذي كان في الجاهلية ، فأعلمنا أن قول الرجل لمن ليس ولده : هذا ولدي ، لا يجعل للمنسوب حقا في ميراثه .

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخطئ في إدراج الجزئيات تحت كلياتها ، وقد يعرض الخطأ لغيره ، وليس المراد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصادف الحق من غير وجوهه الجارية بين الناس ، ولذلك قال إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون [ ص: 193 ] ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من نار .

وغير الرسول يخطئ في الاندراج ، ولذلك وجب بذل الجهد واستقصاء الدليل ، ومن ثم استدل علماؤنا بهذه الآية على وجوب الاجتهاد في فهم الشريعة .

وعن عمر بن الخطاب أنه قال لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيئه وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون علما ، ومعناه هو ما قدمناه من عروض الخطأ في الفهم لغير الرسول دون الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

واللام في قوله للخائنين خصيما لام العلة وليست لام التقوية . ومفعول خصيما محذوف دل عليه ذكر مقابله وهو للخائنين ، أي لا تكن تخاصم من يخاصم الخائنين ، أي لا تخاصم عنهم . فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله كنت أنا خصمه يوم القيامة . والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - والمراد الأمة ، لأن الخصام عن الخائنين لا يتوقع من النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما المراد تحذير الذين دفعتهم الحمية إلى الانتصار لأبناء أبيرق .

والأمر باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول ، فالمراد بالأمر غيره ، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله مما اقترفوه ، أو أراد : واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم .

وهذا نظير قوله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله وليس المراد بالأمر استغفار النبيء لنفسه ، كما أخطأ فيه من توهم ذلك ، فركب عليه أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - خطر بباله ما أوجب أمره بالاستغفار ، وهو همه أن يجادل عن بني أبيرق ، مع علمه بأنهم سرقوا ، خشية أن يفتضحوا ، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم .

والخطاب في قوله ولا تجادل للرسول ، والمراد نهي الأمة عن ذلك ، لأن مثله لا يترقب صدوره من الرسول - عليه الصلاة والسلام - كما دل عليه قوله تعالى ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا .

[ ص: 194 ] و يختانون بمعنى يخونون ، وهو افتعال دال على التكلف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة . ومعنى خيانتهم أنفسهم أنهم بارتكابهم ما يضر بهم كانوا بمنزلة من يخون غيره كقوله علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم . ولك أن تجعل أنفسهم هنا بمعنى بني أنفسهم ، أي بني قومهم ، كقوله تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، وقوله فسلموا على أنفسكم ، أي الذين يختانون ناسا من أهلهم وقومهم . والعرب تقول : هو تميمي من أنفسهم ، أي ليس بمولى ولا لصيق .

والمجادلة مفاعلة من الجدل ، وهو القدرة على الخصام والحجة فيه ، وهي منازعة بالقول لإقناع الغير برأيك ، ومنه سمي علم قواعد المناظرة والاحتجاج في الفقه علم الجدل ، وكان يختلط بعلم أصول الفقه وعلم آداب البحث وعلم المنطق .

ولم يسمع للجدل فعل مجرد أصلي ، والمسموع منه جادل لأن الخصام يستدعي خصمين . وأما قولهم : جدله فهو بمعنى غلبه في المجادلة ، فليس فعلا أصليا في الاشتقاق . ومصدر المجادلة : الجدال ، قال تعالى ولا جدال في الحج .

وأما الجدل بفتحتين فهو اسم المصدر ، وأصله مشتق من الجدل ، وهو الصرع على الأرض ، لأن الأرض تسمى الجدالة بفتح الجيم يقال : جدله فهو مجدول .

وجملة يستخفون من الناس بيان لـ يختانون . وجملة ولا يستخفون من الله حال ، وذلك هو محل الاستغراب من حالهم وكونهم يختانون أنفسهم . والاستخفاء من الله مستعمل مجازا في الحياء ، إذ لا يعتقد أحد يؤمن بالله أنه يستطيع أن يستخفي من الله .

وجملة وهو معهم حال من اسم الجلالة ، والمعية هنا معية العلم والاطلاع . و إذ يبيتون ظرف ، والتبييت جعل الشيء في البيات ، أي الليل ، مثل التصبيح ، يقال : بيتهم العدو وصبحهم العدو وفي القرآن : لنبيتنه وأهله أي لنأتينهم ليلا فنقتلهم . والمبيت هنا هو ما لا يرضي من القول ، أي دبروه وزوروه ليلا لقصد الإخفاء ، كقول العرب : هذا أمر قضي بليل ، أو تشور فيه بليل ، والمراد هنا تدبير مكيدتهم لرمي البرآء بتهمة السرقة .

[ ص: 195 ] وقوله ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم استئناف أثاره قوله ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، والمخاطب كل من يصلح للمخاطبة من المسلمين . والكلام جار مجرى الفرض والتقدير ، أو مجرى التعريض ببعض بني ظفر الذين جادلوا عن بني أبيرق .

والقول في تركيب ها أنتم هؤلاء تقدم في سورة البقرة عند قوله تعالى ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ، وتقدم نظيره في آل عمران ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم .

و أم في قوله أم من يكون عليهم وكيلا منقطعة للإضراب الانتقالي . و من استفهام مستعمل في الإنكار .

والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران .

التالي السابق


الخدمات العلمية