صفحة جزء
قال ابن عطية : وكان عرف الكلام أن يكون الجوع مع الظمأ والعري مع الضحاء لأنها تتضاد إذ العري نفسه البرد فيؤذي والحر يفعل ذلك بالضاحي ، وهذه الطريقة مهيع في كلام [ ص: 285 ] العرب أن يقرن النسب . ومنه قول امرئ القيس :


كأني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال




ولم أسبأ الرق الروي ولم أقل     لخيلي كري كرة بعد إجفال



وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس كافطاني للنسب ، وأن ركوب الخيل للصيد وغيره من الملاذ يناسب تبطن الكاعب . انتهى .

وقيل : هذا الجواب على قدر السؤال لما أمر الله آدم بسكنى الجنة قال : إلهي ألي فيها ما آكل ؟ ألي فيها ما ألبس ؟ ألي فيها ما أشرب ؟ ألي فيها ما أستظل به ؟ وقيل : هي مقابلة معنوية ، فالجوع خلو الباطن ، والتعري خلو الظاهر ، والظمأ إحراق الباطن ، والضحو إحراق الظاهر فقابل الخلو بالخول والإحراق بالإحراق . وقيل : جمع امرؤ القيس في بيتيه بين ركوب الخيل للذة والنزهة ، وبين تبطن الكاعب للذة الحاصلة فيهما ، وجمع بين سباء الرق وبين قوله لخيله كري لما فيهما من الشجاعة ولما عيب على أبي الطيب قوله :


وقفت وما في الموت شك لواقف     كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال هزمى كليمة     ووجهك وضاح وثغرك باسم



فقال : إن كنت أخطأت فقد أخطأ امرؤ القيس . وتقدم الكلام في ( فوسوس ) والخلاف في كيفيتها في الأعراف ، وتعدى وسوس هنا بإلى وفي الأعراف باللام ، فالتعدي بإلى معناه أنهى الوسوسة إليه والتعدي بلام الجر ، قيل معناه : لأجله ولما وسوس إليه ناداه باسمه ليكون أقبل عليه وأمكن للاستماع ، ثم عرض عليه ما يلقى بقوله ( هل أدلك ) على سبيل الاستفهام الذي يشعر بالنضح . ويؤثر قبول من يخاطبه كقول موسى ( هل لك إلى أن تزكى ) وهو عرض فيه مناصحة ، وكان آدم قد رغبه الله تعالى في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله ( فلا يخرجنكما ) الآية ورغبه إبليس في دوام الراحة بقوله : ( هل أدلك ) فجاءه إبليس من الجهة التي رغبه الله فيها . وفي الأعراف ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ) . وهنا ( هل أدلك ) والجمع بينهما أن قوله ( هل أدلك ) يكون سابقا على قوله ( ما نهاكما ) لما رأى إصغاءه وميله إلى ما عرض عليه انتقل إلى الإخبار والحصر .

ومعنى ( على شجرة الخلد ) أي الشجرة التي من أكل منها خلد وحصل له ملك لا يخلق ، وهذا يدل لقراءة الحسن بن علي وابن عباس إلا أن تكونا ملكين بكسر اللام ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) تقدم الكلام على نحو هذه الآية في الأعراف ( وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) قال الزمخشري عن ابن عباس : لا شبهة في أن آدم صلوات الله عليه لم يمتثل ما رسم الله له وتخطى فيه ساحة الطاعة ، وذلك هو العصيان . ولما عصى خرج فعله من أن يكون رشدا وخيرا فكان غيا لا محالة لأن الغي خلاف الرشد . ولكن قوله ( وعصى آدم ربه فغوى ) بهذا الإطلاق وهذا التصريح ، وحيث لم يقل وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك مما يعبر به عن الزلات والفرطات فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة ، وكأنه قيل لهم : انظروا واعتبروا كيف نعتب على النبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة وبهذا اللفظ الشنيع ، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلا عن أن تجسروا عن التورط في الكبائر ، وعن بعضهم ( فغوى ) فسئم من كثرة الأكل ، وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا فيقول في فنى وبقى فنا وبقا ، وهم بنو طيئ تفسير خبيث . انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية