صفحة جزء
( وهم لها سابقون ) ، الظاهر أن الضمير في ( لها ) عائد على ( الخيرات ) أي سابقون إليها ، تقول : سبقت لكذا وسبقت إلى كذا ، ومفعول ( سابقون ) محذوف أي سابقون الناس ، وتكون الجملة تأكيدا للتي قبلها مفيدة تجدد الفعل بقوله : ( يسارعون ) وثبوته بقوله : ( سابقون ) وقيل اللام للتعليل أي لأجلها سابقون الناس إلى رضا الله . وقال الزمخشري : ( لها سابقون ) أي فاعلون السبق لأجلها ، أو سابقون الناس لأجلها ، انتهى . وهذان القولان عندي واحد . قال أيضا أو إياها سابقون أي ينالوها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا ، انتهى . ولا يدل لفظ : ( لها سابقون ) على هذا التفسير ; لأن سبق الشيء الشيء يدل على تقدم السابق على المسبوق ، فكيف يقال لهم وهم يسبقون الخيرات هذا لا يصح . وقال أيضا : ويجوز أن يكون : ( لها سابقون ) خبرا بعد خبر ، ومعنى وهم لها كمعنى قوله أنت لها ، انتهى . وهذا مروي عن ابن عباس . قال : المعنى سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها ، ورجحه الطبري بأن اللام متمكنة في المعنى ، انتهى . والظاهر القول الأول وباقيها متعسف وتحميل للفظ غير ظاهره . وقيل : الضمير في : ( لها ) عائد على الجنة . وقيل : على الأمم .

( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ) تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في آخر البقرة ( ولدينا كتاب ينطق بالحق ) أي كتاب فيه إحصاء أعمال الخلق يشير إلى الصحف التي يقرءون فيها ما ثبت لهم في اللوح المحفوظ . وقيل : القرآن .

( بل قلوبهم ) أي قلوب الكفار في ضلال قد غمرها كما يغمر الماء . ( من هذا ) أي من هذا العمل الذي وصف به المؤمنون أو من الكتاب الذي لدينا أو من القرآن ، والمعنى من اطراح هذا وتركه أو يشير إلى الدين بجملته أو إلى محمد أقوال خمسة . ( ولهم أعمال ) من دون ذلك .

أي من دون الغمرة والضلال المحيط بهم ، فالمعنى أنهم ضالون معرضون عن الحق ، وهم مع ذلك لهم سعايات فساد وصفهم تعالى بحالتي شر ، قال هذا المعنى قتادة وأبو العالية ، وعلى هذا التأويل الإخبار عما سلف من أعمالهم وعما هم فيه . وقيل : الإشارة بذلك إلى قوله : ( من هذا ) ، وكأنه قال لهم أعمال من دون الحق ، أو [ ص: 412 ] القرآن ونحوه . وقال الحسن ومجاهد : إنما أخبر بقوله : ( ولهم أعمال ) عما يستأنف من أعمالهم أي أنهم لهم أعمال من الفساد . وعن ابن عباس : ( أعمال ) سيئة دون الشرك . وقال الزمخشري : ( ولهم أعمال ) متجاوزة متخطئة لذلك أي لما وصف به المؤمنون هم معتادون وبها ضارون ولا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب . و ( حتى ) هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام ، والكلام الجملة الشرطية ، انتهى . وقيل الضمير في قوله : ( بل قلوبهم ) يعود إلى المؤمنين المشفقين ( في غمرة من هذا ) وصف لهم بالحيرة ، كأنه قال : ( وهم ) مع ذلك الخوف والوجل كالمتحيرين في أعمالهم : أهي مقبولة أم مردودة . ( ولهم أعمال من دون ذلك ) أي من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه ، ويريد بالأعمال الأول الفرائض ، وبالثاني النوافل .

( حتى إذا أخذنا مترفيهم ) رجوع إلى وصف الكفار ; قاله أبو مسلم . قال أبو عبد الله الرازي : وهو أولى ; لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما اتصل به كان أولى من رده إلى ما بعده خصوصا ، وقد رغب المرء في الخير بأن يذكر أن أعمالهم محفوظة كما يحذر بذلك من الشر ، وأن يوصف بشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة ، ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبوله أو رده وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر ( فإن قيل ) : فما المراد بقوله : ( من هذا ) ؟ ( قلنا ) : إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم بين استيلاء ذلك على قلوبهم ، انتهى . وتقدم قول الزمخشري في : ( حتى ) أنها التي يبتدأ بعدها الكلام ، وأنها غاية لما قبلها ، وقد رد ذلك أنهم معتادون لها حتى يأخذهم الله بالعذاب . وقال الحوفي : ( حتى ) غاية وهي عاطفة ، ( إذا ) ظرف يضاف إلى ما بعده فيه معنى الشرط ، ( إذا ) الثانية في موضع جواب الأولى ، ومعنى الكلام عامل في : ( إذا ) ، والتقدير جأروا ، فيكون جأروا العامل في : ( إذا ) الأولى ، والعامل في الثانية ( أخذنا ) ، انتهى ، وهو كلام مخبط ليس أهلا أن يرد .

وقال ابن عطية : و ( حتى ) حرف ابتداء لا غير ، و ( إذا ) الثانية التي هي جواب يمنعان من أن تكون حتى غاية لعاملون ، انتهى . وقال مكي : أي لكفار قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البر . ( لها عاملون ) إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم . ( بالعذاب إذا هم ) يضجون ويستغيثون ، والمترفون المنعمون والرؤساء ، والعذاب القحط سبع سنين والجوع حين دعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقد والأولاد . وقيل : العذاب قتلهم يوم بدر . وقيل : عذاب الآخرة ، والظاهر أن الضمير في : ( إذا هم ) عائد على ( مترفيهم ) ; إذ هم المحدث عنهم صاحوا حين نزل بهم العذاب . وقيل : يعود على الباقين بعد المعذبين . قال ابن جريج : المعذبون قتلى بدر ، والذين ( يجأرون ) أهل مكة ; لأنهم ناحوا واستغاثوا .

( لا تجأروا اليوم ) أي يقال لهم إما حقيقة تقول لهم الملائكة ذلك وإما مجازا أي لسان الحال يقول ذلك هذا إن كان الذين يجأرون هم المعذبون ، وعلى قول ابن جريج ليس القائل الملائكة . وقال قتادة ( يجأرون ) يصرخون بالتوبة فلا يقبل منهم . وقال الربيع بن أنس : تجأرون تجزعون ، عبر بالصراخ بالجزع إذ الجزع سببه . ( إنكم منا لا تنصرون ) أي لا تمنعون من عذابنا أو لا يكون لكم نصر من جهتنا ، فالجوار غير نافع لكم ولا مجد .

( قد كانت آياتي ) هي آيات القرآن ، ( تنكصون ) ترجعون استعارة للإعراض عن الحق . وقرأ علي بن أبي طالب ( تنكصون ) بضم الكاف ، والضمير في ( به ) عائد على المصدر الدال عليه ( تنكصون ) أي بالنكوص والتباعد من سماع الآيات أو على الآيات ; لأنها في معنى الكتاب ، وضمن ( مستكبرين ) معنى مكذبين فعدي بالباء أو تكون الباء للسبب ، أي يحدث لكم بسبب سماعه استكبار وعتو . والجمهور على أن الضمير في ( به ) عائد على الحرم والمسجد وإن لم يجر له ذكر ، وسوغ هذا الإضمار شهرتهم [ ص: 413 ] بالاستكبار بالبيت وأنه لم تكن لهم معجزة إلا أنهم ولاته والقائمون به ، وذكر منذر بن سعيد أن الضمير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحسنه أن في قوله : ( تتلى عليكم ) دلالة على التالي وهو الرسول - عليه السلام - وهذه أقوال تتعلق فيها بمستكبرين . وقيل تتعلق بسامرا أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون ، وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا وشعرا وسب من أتى به .

وقرأ الجمهور : ( سامرا ) ، وابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة وابن محيصن وعكرمة والزعفراني ومحبوب ، عن أبي عمر " وسمرا " بضم السين وشد الميم مفتوحة ، جمع سامر ، وابن عباس أيضا وزيد بن علي وأبو رجاء وأبو نهيك كذلك ، وبزيادة ألف بين الميم والراء جمع سامر أيضا ، وهما جمعان مقيسان في مثل سامر .

وقرأ الجمهور : ( تهجرون ) بفتح التاء وضم الجيم . وروى ابن أبي عاصم بالياء على سبيل الالتفات . قال ابن عباس ( تهجرون ) الحق وذكر الله ، وتقطعونه من الهجر . وقال ابن زيد وأبو حاتم : من هجر المريض إذا هذى أي يقولون اللغو من القول . وقرأ ابن عباس وابن محيصن ونافع وحميد ، بضم التاء وكسر الجيم ، مضارع أهجر ، أي يقولون الهجر بضم الهاء ، وهو الفحش . قال ابن عباس : إشارة إلى السب للصحابة وغيرهم . وقرأ ابن مسعود وابن عباس أيضا و زيد بن علي وعكرمة وأبو نهيك وابن محيصن أيضا وأبو حيوة كذلك ، إلا أنهم فتحوا الهاء وشددوا الجيم ، وهو تضعيف من هجر ماضي الهجر بالفتح ، بمعنى مقابل الوصل أو الهذيان أو ماضي الهجر وهو الفحش . وقال ابن جني : لو قيل إن المعنى أنكم مبالغون في المجاهرة حتى إنكم إن كنتم سمرا بالليل فكأنكم تهجرون في الهاجرة على الافتضاح لكان وجها .

68 : 77

التالي السابق


الخدمات العلمية