صفحة جزء
( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ) ، ذكر بعضهم في سبب نزول هذه الآية ما لا يعد سببا ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة جدا ؛ لأنه حكم غالب من أحكام النساء ، لأن الطلاق يحصل به المنع من الوطء والاستمتاع دائما ، وبالإيلاء منع نفسه من الوطء مدة محصورة ، فناسب ذكر غير المحصور بعد ذكر المحصور ، ومشروع تربص المولي أربعة أشهر ، ومشروع تربص هؤلاء ثلاثة قروء ، فناسب ذكرها بعقبها . وظاهر ( والمطلقات ) العموم ، ولكنه مخصوص بالمدخول بهن ذوات الأقراء ؛ لأن حكم غير المدخول بها ، والحامل ، والآيسة منصوص عليه ، مخالف لحكم هؤلاء . وروي عن ابن عباس وقتادة أن الحكم كان عاما في المطلقات ، ثم نسخ الحكم من المطلقات سوى المدخول بها ذات الأقراء ، وهذا ضعيف ، وإطلاق العام ويراد به الخاص لا يحتاج إلى دليل لكثرته ، ولا أن يجعل سؤالا وجوابا كما قال الزمخشري ، قال : فإن قلت كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضي العموم ؛ قلت : بل اللفظ مطلق في تناول الجنس ، صالح لكله وبعضه ، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك . انتهى . وما ذكره ليس بصحيح ؛ لأن دلالة العام ليست دلالة [ ص: 185 ] المطلق ، ولا لفظ العام مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه ، بل هي دلالة على كل فرد فرد ، موضوعة لهذا المعنى ، فلا يصلح لكل الجنس وبعضه ؛ لأن ما وضع عاما يتناول كل فرد فرد ، ويستغرق الأفراد لا يقال فيه إنه صالح لكله وبعضه ، فلا يجيء في أحد ما يصلح له ، ولا هو كالاسم المشترك ؛ لأن الاسم المشترك له وضعان وأوضاع بإزاء مدلوليه أو مدلولاته ، فلكل مدلول وضع ، والعام ليس له إلا وضع واحد على ما أوضحناه ، فليس كالمشترك . ( والمطلقات ) : مبتدأ ، و ( يتربصن ) خبر عن المبتدأ ، وصورته صورة الخبر ، وهو أمر من حيث المعنى ، وقيل : هو أمر لفظا ومعنى على إضمار اللام ، أي : ليتربصن ، وهذا على رأي الكوفيين ، وقيل : والمطلقات على حذف مضاف ، أي : وحكم المطلقات ويتربصن ، على حذف " أن " ، حتى يصح خبرا عن ذلك المضاف المحذوف ، التقدير : وحكم المطلقات أن يتربصن ، وهذا بعيد جدا . وقال الزمخشري - بعد أن قال : هو خبر في معنى الأمر - قال : فإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد الأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص ، فهو يخبر عنه موجودا ، ونحوه قولهم في الدعاء : رحمه الله ، أخرج في صورة الخبر عن الله ثقة بالاستجابة ، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها ، وبناؤه على المبتدأ مما زاد فضل تأكيد ، ولو قيل : ويتربصن المطلقات ، لم يكن بتلك الوكادة . انتهى . وهو كلام حسن ، وإنما كانت الجملة الابتدائية فيها زيادة توكيد على جملة الفعل والفاعل ؛ لتكرار الاسم فيها مرتين : إحداهما بظهوره ، والأخرى بإضماره ، وجملة الفعل والفاعل يذكر فيها الاسم مرة واحدة . وقال في ( ري الظمآن ) : زيد فعل يستعمل في أمرين : أحدهما : تخصيص ذلك الفعل بذكر الأمر ، كقولهم : أنا كتبت في المهم الفلاني إلى السلطان ، والمراد دعوى الانفراد . الثاني : أن لا يكون المقصود ذلك ، بل المقصود أن تقديم المحدث عنه بحديث آكد لإثبات ذلك الفعل له ، كقولهم : هو يعطي الجزيل ، لا يريد الحصر ، بل المراد أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه . ومعنى يتربصن : ينتظرن ولا يقدمن على تزوج . وقال القرطبي : هو خبر على بابه ، وهو خبر عن حكم الشرع ، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع ، قيل : وحمله على الخبر هو الأولى ؛ لأن المخبر به لا بد من كونه ، وأما الأمر فقد يمتثل وقد لا يمتثل ؛ ولأنها لا تحتاج إلى نية وعزم ، وتربص متعد ؛ إذ معناه : انتظر . وجاء في القرآن محذوفا مفعوله ومثبتا ، فمن المحذوف هذا ، وقدروه : بتربص التزويج ، أو الأزواج ، ومن المثبت قوله : ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) ، ( نتربص به ريب المنون ) . و " بأنفسهن " متعلق بـ " تربص " ، وظاهر الباء مع تربص أنها للسبب ، أي : من أجل أنفسهن ، ولا بد أن ذلك من ذكر الأنفس ؛ لأنه لو قيل في الكلام : يتربص بهن لم يجز ؛ لأنه فيه تعدية الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل إلى الضمير المجرور ، نحو : هند تمر بها ، وهو غير جائز ، ويجوز هنا أن تكون زائدة للتوكيد ، والمعنى : يتربصن أنفسهن ، كما تقول : جاء زيد بنفسه ، وجاء زيد بعينه ، أي : نفسه وعينه ، لا يقال : إن التوكيد هنا لا يجوز ؛ لأنه من باب توكيد الضمير المرفوع المتصل ، وهو النون التي هي ضمير الإناث في " تربصن " ، وهو يشترط فيه أن يؤكد بضمير منفصل ، وكان يكون التركيب : يتربصن هن بأنفسهن ؛ لأن هذا التوكيد لما جر بالباء خرج عن التبعية ، وفقدت فيه العلة التي لأجلها امتنع أن يؤكد الضمير المرفوع المتصل ، حتى يؤكد بمنفصل ؛ إذا أريد التوكيد للنفس والعين ، ونظير جواز هذا : أحسن بزيد وأجمل ، التقدير : وأجمل به ، فحذف وإن كان فاعلا ، هذا مذهب البصريين ؛ ولأنه لما جر بالباء خرج في الصورة عن الفاعل ، وصار كالفضلة ؛ فجاز حذفه ، هذا على أن الأخفش ذكر في المسائل جواز : قاموا أنفسهم ، من غير توكيد ، وفائدة التأكيد هنا أنهن يباشرن التربص ، [ ص: 186 ] وزوال احتمال أن غيرهن تباشر ذلك بهن ، بل أنفسهن هن المأمورات بالتربص ؛ إذ ذاك أدعى لوقوع الفعل منهن ، فاحتيج إلى ذلك التأكيد لما في طباعهن من الطموح إلى الرجال والتزويج ، فمتى أكد الكلام دل على شدة المطلوبة . وانتصاب ( ثلاثة ) على أنه ظرف ؛ إذ قدرنا " تربص " قد أخذ مفعوله ، والمعنى : مدة ثلاثة قروء ، وقيل : انتصابه على أنه مفعول ، أي : ينتظرن معنى ثلاثة قروء ، وكلا الإعرابين منقول . وتقدم الكلام في مدلول القروء في لسان العرب ، واختلف في المراد هنا . فقال أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبو موسى ، وابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وعكرمة ، والضحاك ، ومقاتل ، والسدي ، والربيع ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وغيرهم من فقهاء الكوفة : هو الحيض . وقال زيد بن ثابت ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، وعائشة ، وابن عمر ، وابن عباس ، والزهري ، وأبان بن عثمان ، وسليمان بن يسار ، والأوزاعي ، والثوري ، والحسن بن صالح ، ومالك ، والشافعي ، وغيرهم من فقهاء الحجاز : هو الطهر . وقال أحمد : كنت أقول : القرء الطهر ، وأنا الآن أذهب إلى أنه الحيض . وروي عن الشافعي : أن القرء : الانتقال من الطهر إلى الحيض ، ولا يرى الانتقال من الحيض إلى الطهر قرءا . وقد تقدم قول آخر أنه الخروج من طهر إلى حيض ، أو من حيض إلى طهر . ولذكر ترجيح كل قائل ما ذهب إليه مكان غير هذا . وظاهر قوله ( ثلاثة قروء ) أن العدة تنقضي بثلاثة القروء ، ومن قال : إن القرء الحيض يقول : إذا طلقت في طهر لم توطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة ثم تغتسل ، فبالغسل تنقضي العدة . روي عن علي ، وابن مسعود ، وأبي موسى ، وغيرهم من الصحابة : ( أن زوجها أحق بردها ما لم تغتسل ) ، حتى قال شريك : لو فرطت في الغسل فلم تغتسل عشرين سنة ؛ كان زوجها أحق بالرجعة ، والذي يظهر من الآية أن الغسل لا دخول له في انقضاء العدة . وروي عن زيد ، وابن عمرو ، وعائشة : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها ، ولا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة ، وذلك أن هؤلاء يقولون بأن القرء هو الطهر ، فإذا طلقت في طهر لم تمس فيه اعتدت بما بقي منه ، ولو ساعة ، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة ، ثم ثالثا بعد حيضة ثانية ، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة بأول نقطة تراها ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وداود .

وقال أشهب : لا تنقطع العصمة والميراث إلا بتحقق أنه دم حيض ؛ لاحتمال أن يكون دفعة دم من غير الحيض ، وكل من قال : إن القرء الأطهار ، يعتد بالطهر الذي طلقت فيه ، وشذ ابن شهاب فقال : تعتد بثلاثة أقراء سوى بقية ذلك الطهر ، ولا تنقضي العدة حتى تدخل في الحيضة الرابعة ؛ لأن الله تعالى قال : ( ثلاثة قروء ) ، ولو طلقت في الحيض انقضت عدتها بالشروع في الحيضة الرابعة . وقال أبو حنيفة : لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الرابعة ، وقال : إذا طهرت لأكثر الحيض انقضت عدتها قبل الغسل أو لأوله ، فلا تنقضي حتى تغتسل ، أو تتيمم عند عدم الماء ، أو يمضي عليها وقت الصلاة . وظاهر عموم المطلقات دخول الزوجة الأمة في الاعتداد بثلاثة قروء ، وبه قال داود ، وجماعة أهل الظاهر ، وعبد الرحمن بن كيسان الأصم . وروي عن ابن سيرين أنه قال : ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة ، إلا إن مضت سنة في ذلك ، فالسنة أحق أن تتبع . وقال الجمهور : عدتها قرءان . وقرأ الجمهور : ( قروء ) على وزن فعول . وقرأ الزهري : " قرو " بالتشديد من غير همز ، وروي ذلك عن نافع . وقرأ الحسن : " قرو " بفتح القاف وسكون الراء وواو خفيفة ، وتوجيه الجمع للكثرة في هذا المكان - ولم يأت : ثلاثة أقراء - أنه من باب التوسع في وضع أحد الجمعين مكان الآخر ، أعني : جمع القلة مكان جمع الكثرة والعكس ، وكما جاء : ( بأنفسهن ) ، وأن النكاح يجمع النفس على نفوس في الكثرة ، وقد يكثر استعمال أحد الجمعين ؛ فيكون ذلك سببا للإتيان به في موضع [ ص: 187 ] الآخر ، ويبقى الآخر قريبا من المهمل ، وذلك نحو : شسوع أوثر على أشساع لقلة استعمال أشساع ، وإن لم يكن شاذا ؛ لأن شسعا ينقاس فيه أفعال . وقيل : وضع بمعنى الكثرة ؛ لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء . وقيل : أوثر قروء على أقراء لأن واحده قرء ، بفتح القاف ، وجمع فعل على أفعال شاذ ، وأجاز المبرد : ثلاثة حمير ، وثلاثة كلاب ، على إرادة : من كلاب ، ومن حمير ؛ فقد يتخرج على ما أجازه : ثلاثة قروء ، أي : من قروء . وتوجيه تشديد الواو ، وهو أنه أبدل من الهمزة واوا وأدغمت واو فعول فيها ، وهو تسهيل جائز منقاس ، وتوجيه قراءة الحسن أنه أضاف العدد إلى اسم الجنس ؛ إذ اسم الجنس يطلق على الواحد وعلى الجمع ، على حسب ما تريد من المعنى ، ودل العدد على أنه لا يراد به الواحد .

( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) ، المنهي عن كتمانه الحيض ، تقول : لست حائضا وهي حائض ، أو حضت وما حاضت ، لتطويل العدة واستعجال الفرقة ، قال عكرمة ، والنخعي ، والزهري : أو الحبل ، قاله عمر ، وابن عباس . أو الحيض والحبل معا ، قاله ابن عمر ، ومجاهد ، والضحاك ، وابن زيد ، والربيع ، ولهن في كتم ذلك مقاصد ، فأخبر الله تعالى أن كتم ذلك حرام . ودل قوله : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ) أنهن مؤمنات على ذلك ، ولو أبيح الاستقصاء لم يمكن الكتم . وقال سليمان بن يسار : لم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن ، ولكن وكل ذلك إليهن ؛ إذ كن مؤتمنات . انتهى . وأجمع أهل العلم على أنه لا يجوز أن تكتم المرأة ما خلق الله في رحمها من حمل ولا حيض ، وفيه تغليظ وإنكار . قال الزمخشري : ويجوز أن يراد : اللاتي تبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة ؛ فلا يعترفن به ، ويجحدنه لذلك ؛ فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه . انتهى كلامه . والآية تحتمله . قال ابن المنذر : كل من حفظت عنه من أهل العلم قال : إذا قالت المرأة في عشرة أيام حضت أنها لا تصدق ، ولا يقبل ذلك منها إلا أن تقول : قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه ، واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة ؛ فقال مالك : إن ادعت الانقضاء في أمد تنقضي العدة في مثله قبل قولها ، أو في مدة تقع نادرا فقولان ، قال في ( المدونة ) : إذا قالت : حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء ، وبه قال علي وشريح ، وقال في كتاب ( محمد ) : لا تصدق إلا في شهر ونصف ، ونحو منه قول أبي ثور : أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوما . وقيل : لا تصدق في أقل من ستين يوما . وروي عن علي أنه استحلف امرأة لم تستكمل الحيض ، وقضى بذلك عثمان . و " لهن " متعلق بـ " يحل " ، واللام للتبليغ ، و " ما " في ( ما خلق ) ، الأظهر أنها موصولة بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، وجوز أن تكون نكرة موصوفة ، والعائد محذوف أيضا ، التقدير : خلقه . و ( في أرحامهن ) متعلق بـ " خلقه " ، وجوز أن تكون ( في أرحامهن ) حالا من المحذوف ، قيل : وهي حال مقدرة ؛ لأنه وقت خلقه ليس بشيء حتى يتم خلقه . وقرأ مبشر بن عبيد : ( في أرحامهن ) ، ( وبردهن ) بضم الهاء فيهما ، والضم هو الأصل ، وإنما كسرت لكسرة ما قبلها .

( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) ، هذا شرط ، جوابه محذوف على الأصح من المذاهب ، حذف لدلالة ما قبله عليه ، ويقدر هنا من لفظه ، أي : إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يحل لهن ذلك ، والمعنى : أن من اتصف بالإيمان لا يقدم على ارتكاب ما لا يحل له ، وعلق ذلك على هذا الشرط ، وإن كان الإيمان حاصلا لهن إيعادا وتعظيما للكتم ، وهذا كقولهم : إن كنت مؤمنا فلا تظلم ، وإن كنت حرا فانتصر ، يجعل ما كان موجودا كالمعدوم ، ويعلق عليه ، وإن كان موجودا في نفس الأمر . والمعنى : إن كن مؤمنات فلا يحل لهن الكتم ، وأنت مؤمن فلا تظلم ، وأنت حر فانتصر ، وقيل : في الكلام محذوف ، أي : إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان . وقيل : " إن " بمعنى " إذ " وهو ضعيف . وتضمن هذا الكلام الوعيد ، فقال ابن عباس : لما استحقه الرجل من الرجعة . وقال قتادة : لإلحاق الولد بغيره ، كفعل أهل [ ص: 188 ] الجاهلية . ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) ، قرأ مسلمة بن محارب : ( وبعولتهن ) بسكون التاء ، فرارا من ثقل توالي الحركات ، وهو مثل ما حكى أبو زيد " ورسلنا " بسكون اللام . وذكر أبو عمر : وإن لغة تميم تسكين المرفوع من " يعلمهم " ونحوه . وسماهم بعولة باعتبار ما كانوا عليه ؛ أو لأن الرجعية زوجة على ما ذهب إليه بعضهم . والمعنى أن الأزواج أحق لمراجعتهن . وقرأ أبي : " بردتهن " بالتاء بعد الدال ، وتتعلق " الباء " و " في " بقوله ( أحق ) ، وقيل : تتعلق " في " بردهن ، وأشار بقوله : ( في ذلك ) إلى الأجل الذي أمرت أن تتربص فيه ، وهو زمان العدة ، وقيل : في الحمل المكتوم . والضمير في ( بعولتهن ) عائد على المطلقات ، وهو مخصوص بالرجعيات ، وفيه دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم أوله ، ولا يوجب تخصيصه ؛ لأن قوله ( والمطلقات ) عام في المبتوتات والرجعيات ، و : ( بعولتهن أحق بردهن ) خاص في الرجعيات . ونظيره عندهم : ( وصينا الإنسان بوالديه حسنا ) ؛ فهذا عموم ، ثم قال : ( وإن جاهداك ) ؛ وهذا خاص في المشركين . والأولى عندي أن يكون على حذف مضاف دل عليه الحكم ، تقديره : وبعولة رجعياتهن ، وأحق هنا ليست على بابها ؛ لأن غير الزوج لا حق له ، ولا تسليط على الزوجة في مدة العدة ، إنما ذلك للزوج ، ولا حق لها أيضا في ذلك ، بل لو أبت كان له ردها ، فكأنه قيل : وبعولتهن حقيقون بردهن . ودل قوله : ( بردهن ) على انفصال سابق ، فمن قال : إن المطلقة الرجعية محرمة الوطء فالرد حقيقي على بابه ، ومن قال : هي مباحة الوطء وأحكامها أحكام الزوجة ، فلما كان هناك سبب تعلق به زوال النكاح عند انقضاء العدة ، جاز إطلاق الرد عليه ؛ إذ كان رافعا لذلك السبب . واختلفوا فيما به الرد ؛ فقال سعيد والحسن ، وابن سيرين ، وعطاء ، وطاوس ، والزهري ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة : إذا جامعها فقد راجعها ويشهد . وقال الليث ، وطائفة من أصحاب مالك : إن وطأه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها . وقال مالك : إن وطئها في العدة يريد الرجعة وجهل أن يشهد ، فهي رجعة ، وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد ، وبه قال إسحاق : فإن وطئ ولم ينو الرجعة ، فقال مالك : يراجع في العدة ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد . وقال ابن القاسم : فإن انقضت عدتها لم ينكحها هو ولا غيره في مدة بقية الاستبراء ، فإن فعل فسخ نكاحه ولا يتأبد تحريمها عليه ؛ لأن الماء ماؤه . وقال الشافعي : إذا جامعها فليس برجعة ، نوى بذلك الرجعة أم لا ، ولها مهر مثلها . وقال مالك : لا شيء عليه . قال أبو عمر : ولا أعلم أحدا أوجب عليه مهر المثل غير الشافعي . قال الشافعي : ولا تصح الرجعة إلا بالقول ، وبه قال جابر بن زيد ، وأبو قلابة ، وأبو ثور . قال الباجي في ( المنتقى ) : ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول ، ولو قبل أو باشر أثم عند مالك ، وليس برجعة . والسنة أن يشهد قبل ذلك . وقال أبو حنيفة ، والثوري : إن لمسها بشهوة ، أو نظر إلى فرجها بشهوة فهو رجعة ، وينبغي أن يشهد في قول مالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وأبي ثور . وهل يجوز له أن يسافر بها قبل ارتجاعها ؟ منعه مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابه . وعن الحسن بن زياد : إن له أن يسافر بها قبل الرجعة . وهل له أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها وتتزين له أو تتشوف ؟ أجاز ذلك أبو حنيفة . وقال مالك : لا يدخل عليها إلا بإذن ، ولا ينظر إليها إلا وعليها ثيابها ، ولا ينظر إلى شعرها ، ولا بأس أن يؤاكلها إذا كان معها غيرها ، ولا يبيت معها في بيت . قال ابن القاسم : ثم رجع مالك عن ذلك ، فقال : لا يدخل عليها ، ولا يرى شعرها . وقال سعيد : يستأذن عليها إذا دخل ويسلم ، أو يشعرها بالتنحم والتنحنح ، وتلبس ما شاءت من الثياب والحلي ، فإن لم يكن لها إلا بيت واحد فليجعلا بينهما سترا . وقال [ ص: 189 ] الشافعي : هي محرمة تحريم المبتوتة حتى تراجع بالكلام ، كما تقدم . وأجمعوا على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة لامرأته : كنت راجعتك في العدة ، وأنكرت ؛ أن القول قولها مع يمينها ، وفيه خلاف لأبي حنيفة ، فلو كانت الزوجة أمة ، والزوج ادعى الرجعة في العدة بعد انقضائها ، فالقول قول الزوجة الأمة ، وإن كذبها مولاها ، هذا قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي ثور . وقال أبو يوسف ، ومحمد : القول قول المولى وهو أحق بها .

( إن أرادوا إصلاحا ) ، هذا شرط آخر حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه ، وظاهره أن إباحة الرجعة معقودة بشريطة إرادة الإصلاح ، ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا راجعها مضارا في الرجعة ، مريدا لتطويل العدة عليها أن رجعته صحيحة ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) ، قالوا : فدل ذلك على صحة الرجعة ، وإن قصد الضرر ؛ لأن المراجعة لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالما بفعلها . قال الماوردي : في الإصلاح المشار إليه وجهان : أحدهما : إصلاح ما بينهما من الفساد بالطلاق . الثاني : القيام لما لكل واحد منهما على صاحبه من الحق . انتهى كلامه . قالوا : ويستغني الزوج في المراجعة عن الولي ، وعن رضاها ، وعن تسمية مهر ، وعن الإشهاد على الرجعة على الصحيح ، ويسقط بالرجعة بقية العدة ، ويحل جماعها في الحال ، ويحتاج في إثبات هذا كله إلى دليل واضح من الشرع ، والذي يظهر لي أن المرأة بالطلاق تنفصل من الرجل ؛ فلا يجوز له أن تعود إليه إلا بنكاح ثان ، ثم إذا طلقها وأراد أن ينكحها ، فإما أن يبقى شيء من عدتها ، أو لا يبقى . إن بقي شيء من عدتها فله أن يتزوجها دون انقضاء عدتها منه إن أراد الإصلاح ، ومفهوم الشرط أنه إذا أراد غير الإصلاح لا يكون له ذلك ، وإن انقضت عدتها استوى هو وغيره في جواز تزويجها ، وإما أن تكون قد طلقت وهي باقية في العدة فيردها من غير اعتبار شروط النكاح ؛ فيحتاج إثبات هذا الحكم إلى دليل واضح كما قلناه ، فإن كان ثم دليل واضح من نص أو إجماع قلنا به ، ولا يعترض علينا بأن له الرجعة على ما وصفوا ، وإن ذلك من أوليات الفقه التي لا يسوغ النزاع فيها ، وأن كل حكم يحتاج إلى دليل .

( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) ، هذا من بديع الكلام ؛ إذ حذف شيئا من الأول أثبت نظيره في الآخر ، وأثبت شيئا في الأول حذف نظيره في الآخر ، وأصل التركيب : ولهن على أزواجهن مثل الذي لأزواجهن عليهن ؛ فحذفت ( على أزواجهن ) لإثبات " عليهن " ، وحذف " لأزواجهن " لإثبات " لهن " . واختلف في هذه المثلية ، فقيل : المماثلة في الموافقة والطواعية ، وقال معناه الضحاك . وقيل : المماثلة في التزين والتصنع ، وقاله ابن عباس ، وقال : أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي لهذه الآية . وقيل : المماثلة في تقوى الله فيهن ، كما عليهن أن يتقين الله فيهم ؛ ولهذا أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( اتقوا الله في النساء ، فإنهن عندكم عوان ) ، أي : أسيرات ، قاله ابن زيد . وقيل : المماثلة معناها أن لهن من النفقة والمهر وحسن العشرة وترك الضرار مثل الذي عليهن من الأمر والنهي ؛ فعلى هذا يكون المماثلة في وجوب ما يفعله الرجل من ذلك ، ووجوب امتثال المرأة أمره ونهيه ، لا في [ ص: 190 ] جنس المؤدي والممتثل ؛ إذ ما يفعله الرجل محسوس ومعقول ، وما تفعله هي معقول ، ولكن اشتركا في الوجوب ؛ فتحققت المثلية . وقيل : الآية عامة في جميع حقوق الزوج على الزوجة ، وحقوق الزوجة على الزوج . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن حق المرأة على الزوج فقال : ( أن يطعمها إذا طعم ، ويكسوها إذا اكتسى ، ولا يضرب الوجه ، ولا يهجر إلا في البيت ) ، وفي حديث الحج عن جابر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة يوم عرفة : ( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله تبارك وتعالى ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يواطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) . و " مثل " : مبتدأ ، و " لهن " : هو في موضع الخبر ، و " بالمعروف " يتعلق به " لهن " ، أي : ومثل الذي لأزواجهن عليهن كائن لهن على أزواجهن ، وقيل : " بالمعروف " هو في موضع الصفة لـ " مثل " ، فهو في موضع رفع ، وتتعلق إذ ذاك بمحذوف . ومعنى بالمعروف : أي بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفا له ، بل يقابل كل منهما صاحبه بما يليق به .

( وللرجال عليهن درجة ) ، أي : مزية وفضيلة في الحق ، أتى بالمظهر عوض المضمر ؛ إذ كان لو أتى على المضمر لقال : ولهم عليهن درجة ؛ للتنويه بذكر الرجولية التي بها ظهرت المزية للرجال على النساء ، ولما كان يظهر في الكلام بالإضمار من تشابه الألفاظ - وأنت تعلم ما في ذاك - إذ كان يكون : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ولهم عليهن درجة ، ولقلق الإضمار حذف مضمران ومضافان من الجملة الأولى . والدرجة هنا : فضله عليها في الميراث ، وبالجهاد ، قاله مجاهد ، وقتادة . أو بوجوب طاعتها إياه وليس عليه طاعتها ، قاله زيد بن أسلم ، وابنه . أو بالصداق ، وجواز ملاعنة إن قذف ، وحدها إن قذفت ، قال الشعبي - رضي الله تعالى عنه . أو بالقيام عليها بالإنفاق وغيره ، وإن اشتركا في الاستمتاع ، قاله ابن إسحاق . أو بملك العصمة وأن الطلاق بيده ، قاله قتادة ، وابن زيد . أو بما يمتاز منها كاللحية ، قاله مجاهد . أو بملك الرجعة ، أو بالإجابة إلى فراشه إذا دعاها ، وهذا داخل في القول الثاني . أو بالعقل ، أو بالديانة ، أو بالشهادة ، أو بقوة العبادة ، أو بالذكورية ، أو لكون المرأة خلقت من الرجل ، أشار إليه ابن العربي . أو بالسلامة من أذى الحيض والولادة والنفاس . أو بالتزوج عليها والتسري ، وليس لها ذلك . أو بكونه يعقل في الدية بخلافها . أو بكونه إماما بخلافها . وقال ابن عباس : تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخلق ، أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه . انتهى . والذي يظهر أن الدرجة هي ما تريده النساء من البر والإكرام والطواعية والتبجيل في حق الرجال ، وذلك أنه لما قدم أن على كل واحد من الزوجين للآخر عليه مثل ما للآخر عليه ، اقتضى ذلك المماثلة ؛ فبين أنهما - وإن تماثلا في ما على كل واحد منهما للآخر - فعليهن مزيد إكرام وتعظيم لرجالهن ، وأشار إلى العلة في ذلك ، وهو كونه رجلا يغالب الشدائد والأهوال ، ويسعى دائما في مصالح زوجته ، ويكفيها تعب الاكتساب ، فبإزاء ذلك صار عليهن درجة للرجل في مبالغة الطواعية ، وفيما يفضي إلى الاستراحة عندها . وملخص ما قاله المفسرون يقتضي أن للرجل درجة تقتضي التفضيل . و ( درجة ) : مبتدأ ، و ( للرجال ) : خبره ، وهو خبر مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة ، و ( عليهن ) : متعلق بما تعلق به الخبر من الكينونة والاستقرار ، وجوزوا أن يكون ( عليهن ) في موضع نصب على الحال ؛ لجواز أنه لو تأخر لكان وصفا للنكرة ، فلما تقدم انتصب على الحال ؛ فتعلق إذ ذاك بمحذوف وهو غير العامل في الخبر ، ونظيره : في الدار قائما رجل ، كان أصله : رجل قائم . ولا يجوز أن يكون ( عليهن ) الخبر ، و ( للرجال ) في موضع الحال ؛ لأن العامل في الحال إذ ذاك معنوي ، وقد تقدمت على [ ص: 191 ] جزأي الجملة ، ولا يجوز ذلك ، ونظيره : قائما في الدار زيد ، وهو ممنوع لا ضعيف كما زعم بعضهم ، فلو توسطت الحال وتأخر الخبر نحو : زيد قائما في الدار ، فهذه مسألة الخلاف بيننا وبين أبي الحسن ، أبو الحسن يجيزها ، وغيره يمنعها .

( والله عزيز حكيم ) ، تقدم تفسير هذين الوصفين ، وختم الآية بهما ؛ لأنه تضمنت الآية ما معناه الأمر في قوله : ( يتربصن ) ، والنهي في قول : ( ولا يحل لهن ) ، والجواز في قوله : ( وبعولتهن أحق ) . والوجوب في قوله : ( ولهن مثل الذي عليهن ) - ناسب وصفه تعالى بالعزة وهو القهر والغلبة ، وهي تناسب التكليف .

التالي السابق


الخدمات العلمية