صفحة جزء
( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) ، أي : إن ظن كل واحد منهما أنه يحسن عشرة صاحبه ، وما يكون له التوافق بينهما من الحدود التي حدها الله لكل واحد منهما ، وقد ذكرنا طرفا مما لكل واحد منهما على الآخر في قوله : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) ، وقال ابن خويز : اختلف أصحابنا ، - يعني أصحاب مالك - هل على الزوجة خدمة أم لا ؟ فقال بعضهم : ليس على الزوجة أن تطالب بغير الوطء . وقال بعضهم : عليها خدمة مثلها ، فإن كانت شريفة المحل ، ليسار أبوة أو ترفه ، فعليها تدبير أمر المنزل وأمر الخادم ، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحوه ، وإن كانت من نساء الكرد والدينم في بلدهن كلفت ما تكلفه نساؤهم ، وقد جرى أمر المسلمين في بلدانهم ، في قديم الأمر وحديثه ، بما ذكرنا ، ألا ترى أن نساء الصحابة كن يكلفن الطحن ، والخبيز ، والطبيخ ، وفرش الفراش ، وتقريب الطعام ، وأشباه ذلك ، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك . و ( إن ظنا ) شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه ؛ فيكون جواز التراجع موقوفا على شرطين : أحدهما : طلاق الزوج الثاني ، والآخر : ظنهما إقامة حدود الله ، ومفهوم الشرط الثاني أنه لا يجوز إن لم يظنا ، ومعنى الظن هنا تغليب أحد الجائزين ، وبهذا يتبين أن معنى الخوف في آية الخلع معنى الظن ؛ لأن مساق الحدود مساق واحد . وقال أبو عبيدة وغيره : المعنى : أيقنا ، جعل الظن هنا بمعنى اليقين ، وضعف قولهم بأن اليقين لا يعلمه إلا الله ؛ إذ هو مغيب عنهما .

قال الزمخشري : ومن فسر العلم هنا بالظن فقد وهم من طريق اللفظ ، والمعنى : لأنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ، ولكن : علمت أنه يقوم زيد ؛ ولأن الإنسان لا يعلم ما في الغد ، وإنما يظن ظنا . انتهى كلامه . وما ذكره من أنك لا تقول علمت أن يقوم زيد ، قد قاله غيره ، قالوا : إن " أن " الناصبة للمضارع لا يعمل فيها فعل تحقيق ، نحو : العلم واليقين والتحقيق ، وإنما يعمل في أن المشددة ، قال أبو علي الفارسي في ( الإيضاح ) : ولو قلت : علمت أن يقوم زيد ، فنصبت الفعل بـ " أن " لم يجز ؛ لأن هذا من مواضع " أن " ؛ لأنها مما قد ثبت واستقر ، كما أنه لا يحسن : أرجو أنك تقوم ، وظاهر كلام أبي علي الفارسي مخالف لما ذكره سيبويه من أن يجوز أن تقول : ما علمت إلا أن يقوم زيد ، فأعمل " علمت " في " أن " . قال بعض أصحابنا : ووجه الجمع بينهما أن " علمت " قد تستعمل ويراد بها العلم القطعي ، فلا يجوز وقوع " أن " بعدها كما ذكره الفارسي ، وقد تستعمل ويراد بها الظن القوي ، فيجوز أن يعمل في " أن " . ويدل على استعمالها ولا يراد بها العلم القطعي قوله : ( فإن علمتموهن مؤمنات ) ، فالعلم هنا إنما يراد به الظن القوي ؛ لأن القطع بإيمانهن غير متوصل إليه ، وقول الشاعر :


وأعلم علم حق غير ظن وتقوى الله من خير المعاد



[ ص: 204 ] فقوله " علم حق " يدل على أن العلم قد يكون غير علم حق ، وكذلك قوله " غير ظن " يدل عليه أنه يقال : علمت وهو ظان ؛ ومما يدل على صحة ما ذكره سيبويه من أن " علمت " قد يعمل في " أن " إذا أريد بها غير العلم القطعي . قول جرير :


نرضى عن الله أن الناس قد علموا     أن لا يدانينا من خلقه بشر



فأتى بأن الناصبة للفعل بعد علمت . انتهى كلامه . وثبت بقول جرير وتجويز سيبويه أن " علم " تدخل على أن الناصبة ؛ فليس بوهم ، كما ذكر الزمخشري من طريق اللفظ . وأما قوله : لأن الإنسان لا يعلم ما في غد ، وإنما يظن ظنا ؛ ليس كما ذكر ، بل الإنسان يعلم أشياء كثيرة مما يكون في الغد ، ويجزم بها ولا يظنها . والفاء في " فلا تحل " جواب الشرط ، و " له " و " من بعد " و " حتى " ثلاثتها تتعلق بتحل ، واللام : معناها التبليغ ، ومن : ابتداء الغاية ، وحتى : للتعليل . وبني لقطعه عن الإضافة ؛ إذ تقديره من بعد الطلاق الثالث ، وزوجا أتي به للتوطئة أو للتقييد ، أظهرهما الثاني ؛ فإن كان للتوطئة لا للتقييد فيكون ذكره على سبيل الغلبة ؛ لأن الإنسان أكثر مما يتزوج الحرائر ، ويصير لفظ الزوج كالملغى ؛ فيكون في ذلك دلالة على أن الأمة إذا بت طلاقها ووطئها سيدها ؛ حل للأول نكاحها ؛ إذ لفظ الزوج ليس بقيد . وإن كان للتقييد - وهو الظاهر - فلا يحللها وطء سيدها . والفاء في " فلا جناح " جواب الشرط قبله ، و " عليهما " في موضع الخبر ، أما المجموع " جناح " ؛ إذ هو مبتدأ على رأي سيبويه ، وإما على أنه خبر " لا " على مذهب أبي الحسن ، و ( أن يتراجعا ) أي : في أن يتراجعا ، والخلاف بعد حذف " في " أبقى " أن " مع ما بعدها في موضع نصب ، أم في موضع جر ؟ تقدم لنا ذكره . و ( أن يقيما ) في موضع المفعولين سد مسدهما ؛ لجريان المسند والمسند إليه في هذا الكلام على مذهب سيبويه ، والمفعول الثاني محذوف على مذهب أبي الحسن ، وأبي العباس .

التالي السابق


الخدمات العلمية