صفحة جزء
( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) كرر الأمر بالتقوى تأكيدا للأول . وقيل : لاختلاف التعليل وذكر [ ص: 156 ] أولا ( الرب ) الذي يدل على الإحسان والتربية ، وثانيا ( الله ) الذي يدل على القهر والهيبة . بنى أولا على الترغيب ، وثانيا على الترهيب . كقوله : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) و ( يدعوننا رغبا ورهبا ) كأنه قال : إنه ربك أحسن إليك فاتق مخالفته ، فإن لم تتقه لذلك فاتقه لأنه شديد العقاب . وقرأ الجمهور من السبعة : ( تساءلون ) . وقرأ الكوفيون : بتخفيف السين ، وأصله تتساءلون .

قال ابن عطية : وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفا ، وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة . قال أبو علي : وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال ، كما قالوا : طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء ، إذ الأصل طس . قال العجاج :


لو عرضت لأسقفي قس أشعث في هيكله مندس


حن إليها كحنين الطس

انتهى . أما قول ابن عطية : حذفوا التاء الثانية ، فهذا مذهب أهل البصرة . وذهب هشام بن معاوية الضرير الكوفي : إلى أن المحذوفة هي الأولى ، وهي تاء المضارعة ، وهي مسألة خلاف ذكرت دلائلها [ ص: 157 ] في علم النحو . وأما قوله : وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى ، كان ينبغي أن ينبه على الإثبات ، إذ يجوز الإثبات وهو الأصل ، والإدغام وهو قريب من الأصل ، إذ لم يذهب الحرف إلا بأن أبدل منه مماثل ما بعده وأدغم . والحذف لاجتماع المثلين ، وظاهر كلامه اختصاص الإدغام والحذف بـ ( تتفاعلون ) وليس كذلك . أما الإدغام فلا يختص به ، بل ذلك في الأمر والمضارع والماضي واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر . وأما الحذف فيختص بما دخلت عليه التاء من المضارع ، فقوله : لاجتماع حروف متقاربة - ظاهره تعليل الحذف فقط لقربه ، أو تعليل الحذف والإدغام ، وليس كذلك . أما إن كان تعليلا فليس كذلك ، بل الحذف علة اجتماع متماثلة لا متقاربة . وأما إن كان تعليلا لهما فيصح الإدغام لا الحذف كما ذكرنا .

وأما قول أبي علي : إذا اجتمعت المتقاربة فكذا ، فلا يعني أن ذلك حكم لازم ، إنما معناه : أنه قد يكون التخفيف بكذا ، فكم وجد من اجتماع متقاربة لم يخفف لا بحذف ولا إدغام ولا بدل . وأما تمثيله بطست في طس فليس البدل هنا لاجتماع ، بل هذا من اجتماع المثلين كقولهم في لص لصت .

ومعنى يتساءلون به : أي يتعاطون به السؤال ، فيسأل بعضكم بعضا . أو يقول : أسألك بالله أن تفعل ، وظاهر تفاعل الاشتراك ، أي : تسأله بالله ، ويسألك بالله . وقالت طائفة : معناه تسألون به حقوقكم وتجعلونه معظما لها . وقرأ عبد الله : ( تسألون به ) مضارع ( سأل ) الثلاثي . وقرئ : ( تسلون ) بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى السين . قال ابن عباس : معنى ( تساءلون به ) أي : تتعاطفون . وقال الضحاك والربيع : تتعاقدون وتتعاهدون .

وقال الزجاج : تتطلبون به حقوقكم .

والأرحام ، قرأ جمهور السبعة بنصب الميم .

وقرأ حمزة : بجرها ، وهي قراءة النخعي وقتادة والأعمش .

وقرأ الأعمش بن يزيد : بضمها ، فأما النصب فظاهره أن يكون معطوفا على لفظ الجلالة ، ويكون ذلك على حذف مضاف ، التقدير : واتقوا الله ، وقطع الأرحام . وعلى هذا المعنى فسرها ابن عباس والسدي وغيرهم .

والجامع بين تقوى الله وتقوى الأرحام هذا القدر المشترك ، وإن اختلف معنى التقويين ؛ لأن تقوى الله بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يفضل بالبر والإحسان ، وبالحمل على القدر المشترك يندفع قول القاضي : كيف يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة ؟ ونقول أيضا : إنه في الحقيقة من باب عطف الخاص على العام ، لأن المعنى : واتقوا الله ، أي اتقوا مخالفة الله . وفي عطف الأرحام على اسم الله دلالة على عظم ذنب قطع الرحم ، وانظر إلى قوله : ( لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى ) كيف قرن ذلك بعبادة الله في أخذ الميثاق .

وفي الحديث : ( من أبر ؟ قال : أمك ) وفيه : ( أنت ومالك لأبيك ) ، وقال تعالى في ذم من أضله من الفاسقين ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) . وقيل : النصب عطفا على موضع ( به ) كما تقول : مررت بزيد وعمرا . لما لم يشاركه في الإتباع على اللفظ أتبع على موضعه . ويؤيد هذا القول قراءة عبد الله : ( تساءلون به وبالأرحام ) . أما الرفع فوجه على أنه مبتدأ والخبر محذوف ، قدره ابن عطية : والأرحام أهل أن توصل . وقدره الزمخشري : والأرحام مما يتقى ، أو مما يتساءل به ، وتقديره أحسن من تقدير ابن عطية ، إذ قدر ما يدل عليه اللفظ السابق ، وابن عطية قدر من المعنى . وأما الجر فظاهره أنه معطوف على المضمر المجرور من غير إعادة الجار ، وعلى هذا فسرها الحسن والنخعي ومجاهد . ويؤيده قراءة عبد الله : ( وبالأرحام ) . وكانوا يتناشدون بذكر الله والرحم .

قال الزمخشري : وليس بسديد ، يعني الجر عطفا على الضمير . قال : لأن الضمير المتصل متصل كاسمه ، والجار والمجرور كشيء واحد ، فكانا في قولك : مررت به وزيد ، وهذا غلامه وزيد - شديدي الاتصال ، فلما اشتد الاتصال [ ص: 158 ] لتكرره اشتبه العطف على بعض الكلمة فلم يجر ، ووجب تكرير العامل كقولك : مررت به وبزيد ، وهذا غلامه وغلام زيد . ألا ترى إلى صحة رأيتك وزيدا ، ومررت بزيد وعمرو ، لما لم يقو الاتصال لأنه لم يتكرر ؟ وقد تمحل لصحة هذه القراءة بأنها على تقدير تكرير الجار ، ونظير هذا قول الشاعر :


فما بك والأيام من عجب

وقال ابن عطية : وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز ؛ لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض . قال الزجاج عن المازني : لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان ، يحل كل واحد منهما محل صاحبه . فكما لا يجوز مررت بزيد وك ، فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد . وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر كما قال :


فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا     فاذهب فما بك والأيام من عجب



وكما قال :


تعلق في مثل السواري سيوفنا     وما بينها والكف غوط تعانف



واستسهلها بعض النحويين . انتهى كلام ابن عطية . وتعليل المازني معترض بأنه يجوز أن تقول : رأيتك وزيدا ، ولا يجوز رأيت زيدا وك ، فكان القياس رأيتك وزيدا - أن لا يجوز . وقال ابن عطية أيضا : المضمر المخفوض لا ينفصل ، فهو كحرف من الكلمة ، ولا يعطف على حرف .

ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان : أحدهما : أن ذكر الأرحام مما تساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها ، وهذا تفريق في معنى الكلام وغض من فصاحته ، وإنما الفصاحة في أن تكون في ذكر الأرحام فائدة مستقلة . والوجه الثاني : أن في ذكرها على ذلك تقدير التساؤل بها والقسم بحرمتها ، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) انتهى كلامه . وذهبت طائفة إلى أن الواو في ( والأرحام ) واو القسم لا واو العطف ، والمتلقى به القسم هي الجملة بعده . ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته على ما جاء في غير ما آية في كتاب الله تعالى ، وذهبوا إلى تخريج ذلك فرارا من العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار ، وذهابا إلى أن في القسم بها تنبيها على صلتها وتعظيما لشأنها ، وأنها من الله تعالى بمكان . قال ابن عطية : وهذا قول يأباه نظم الكلام وسره . انتهى . وما ذهب إليه أهل [ ص: 159 ] البصرة وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية : من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار ، ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح ، بل الصحيح مذهبالكوفيين في ذلك وأنه يجوز . وقد أطلنا الاحتجاج في ذلك عند قوله تعالى : ( وكفر به والمسجد الحرام ) . وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .

وأما قول ابن عطية : ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان ، فجسارة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه ؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بها سلف الأمة ، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة : عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت ، وأقرأ الصحابة أبي بن كعب - عمد إلى ردها بشيء خطر له في ذهنه ، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة ك الزمخشري ، فإنه كثيرا ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم . و حمزة رضي الله عنه أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش ، و حمران بن أعين ، و محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، و جعفر بن محمد الصادق ، ولم يقرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر . وكان حمزة صالحا ورعا ثقة في الحديث ، وهو من الطبقة الثالثة ، ولد سنة ثمانين وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة ، وأم الناس سنة مائة ، وعرض عليه القرآن من نظرائه جماعة ، منهم : سفيان الثوري ، والحسن بن صالح . ومن تلاميذه جماعة ، منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي . وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم : غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض . وإنما ذكرت هذا وأطلت فيه لئلا يطلع غمر على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيسيء ظنا بها وبقارئها ، فيقارب أن يقع في الكفر بالطعن في ذلك . ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم ، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون ، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون ، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية ، لا أصحاب الكنانيس المشتغلون بضروب من العلوم الآخذون عن الصحف دون الشيوخ .

( إن الله كان عليكم رقيبا ) لا يراد بـ ( كان ) تقييد الخبر بالمخبر عنه في الزمان الماضي المنقطع في حق الله تعالى ، وإن كان موضوع ( كان ) ذلك ، بل المعنى على الديمومة ، فهو تعالى رقيب في الماضي وغيره علينا ، والرقيب تقدم شرحه في المفردات . وقال بعضهم : هنا هو العليم ، والمعنى : أنه مراع لكم لا يخفى عليه من أمركم شيء فاتقوه

التالي السابق


الخدمات العلمية