صفحة جزء
قوله تعالى : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .

المعنى : قل لهم يا نبي الله : هل ننبئكم ، أي : نخبركم بالأخسرين أعمالا ، أي : بالذين هم أخسر الناس أعمالا وأضيعها ، فالأخسر صيغة تفضيل من الخسران وأصله نقص مال التاجر ، والمراد به في القرآن غبنهم بسبب كفرهم ومعاصيهم في حظوظهم مما عند الله لو أطاعوه ، وقولـه : أعمالا منصوب على التمييز :

فإن قيل : نبئنا بالأخسرين أعمالا من هم ؟

كان الجواب : هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وبه تعلم أن " الذين " من قوله : الذين ضل سعيهم [ 18 \ 104 ] ، خبر مبتدأ محذوف جوابا للسؤال المفهوم من المقام ، ويجوز نصبه على الذم ، وجره على أنه بدل من الأخسرين ، أو نعت له ، وقوله : ضل سعيهم ، أي : بطل عملهم وحبط ، فصار كالهباء وكالسراب وكالرماد ! كما في قوله تعالى : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [ 25 \ 23 ] ، [ ص: 350 ] وقولـه : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة الآية [ 24 \ 39 ] ، وقولـه : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف [ 14 \ 18 ] ، ومع هذا فهم يعتقدون أن عملهم حسن مقبول عند الله .

والتحقيق : أن الآية نازلة في الكفار الذين يعتقدون أن كفرهم صواب وحق ، وأن فيه رضا ربهم ، كما قال عن عبدة الأوثان : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [ 39 \ 3 ] ، وقال عنهم : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله [ 10 \ 18 ] ، وقال عن الرهبان الذين يتقربون إلى الله على غير شرع صحيح : وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية الآية [ 88 \ 2 - 4 ] ، على القول فيها بذلك ، وقولـه تعالى في الكفار : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون [ 7 \ 30 ] ، وقولـه : وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون [ 43 \ 37 ] ، والدليل على نزولها في الكفار تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه : أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم الآية [ 18 \ 105 ] ، فقول من قال : إنهم الكفار ، وقول من قال : إنهم الرهبان ، وقول من قال : إنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك تشمله هذه الآية ، وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه سأله ابنه مصعب عن " الأخسرين أعمالا " في هذه الآية هل هم الحرورية ؟ فقال لا ، هم اليهود والنصارى ، أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى فكفروا بالجنة ، وقالوا لا طعام فيها ، ولا شراب ، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، وكان سعيد يسميهم الفاسقين ، ا هـ من البخاري ، وما روي عن علي رضي الله عنه من أنهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا ; لأنهم يرتكبون أمورا شنيعة من الضلال ، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة ، فقد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين ; لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قد قدمنا إيضاحه وأدلته .

وقولـه في هذه الآية الكريمة : الذين ضل سعيهم [ 18 \ 104 ] ، أي : بطل واضمحل ، وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات :

الأول : الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل ، كالذهاب عن [ ص: 351 ] الإسلام إلى الكفر ، وهذا أكثر استعمالاته في القرآن ، ومنه قوله تعالى : غير المغضوب عليهم ولا الضالين [ 1 \ 7 ] ، وقولـه : ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل 5 [ 5 \ 77 ] .

الثاني : الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال ، ومنه قول العرب : ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه ، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : وضل عنهم ما كانوا يفترون [ 6 \ 24 ] ، أي : غاب واضمحل ، وقولـه هنا : الذين ضل سعيهم [ 18 \ 104 ] ، أي : بطل واضمحل ، وقول الشاعر :


ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا

أي : عن الحي الذي غاب واضمحل ، ومن هنا سمي الدفن إضلالا ; لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض ، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام ، ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان :


فآب مضلوه بعين جلية     وغودر بالجولان حزم ونائل

فقوله " مضلوه " يعني دافنيه في قبره ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد الآية [ 32 \ 10 ] ، فمعنى ضللنا في الأرض أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها فغابت واستهلكت فيها .

الثالث : الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع ، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : ووجدك ضالا فهدى [ 93 \ 7 ] ، أي : ذاهبا عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي ، وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب : قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم [ 12 \ 95 ] ، أي : ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف ، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك ; وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات ، وقولـه تعالى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما [ 2 \ 282 ] ، أي : تذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه ، بدليل قوله : فتذكر إحداهما الأخرى [ 2 \ 282 ] ، وقولـه تعالى : قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى [ 20 \ 52 ] ، ومن هذا المعنى قول الشاعر :

[ ص: 352 ]

وتظن سلمى أنني أبغي بها     بدلا أراها في الضلال تهيم

فقوله " أراها في الضلال " : أي : الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغي بها بدلا ، والواقع بخلاف ذلك .

وقولـه في هذه الآية : وهم يحسبون ، أي : يظنون ، وقرأه بعض السبعة بكسر السين ، وبعضهم بفتحها كما قدمنا مرارا في جميع القرآن ، ومفعولا " حسب " هما المبتدأ والخبر اللذان عملت فيهما " أن " والأصل ويحسبون أنفسهم محسنين صنعهم ، وقولـه " صنعا " أي : عملا وبين قوله " يحسبون ، ويحسنون " الجناس المسمى عند أهل البديع " تجنيس التصحيف " وهو أن يكون النقط فرقا بين الكلمتين ، كقول البحتري :


ولم يكن المغتر بالله إذ سرى     ليعجز والمعتز بالله طالبه

فبين " المغتر والمعتز " الجناس المذكور .

وقولـه في هذه الآية الكريمة : أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم الآية [ 18 \ 105 ] ، نص في أن الكفر بآيات الله ولقائه يحبط العمل ، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا ، كقوله تعالى في " العنكبوت " والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم [ 29 \ 23 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ، وسيأتي بعض أمثلة لذلك قريبا إن شاء الله .

وقولـه في هذه الآية الكريمة : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [ 18 \ 105 ] ، فيه للعلماء أوجه :

أحدها : أن المعنى أنهم ليس لهم حسنات توزن في الكفة الأخرى في مقابلة سيئاتهم ، بل لم يكن إلا السيئات ، ومن كان كذلك فهو في النار ، كما قال تعالى : ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ، [ 23 \ 103 - 104 ] ، وقال : والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم الآية [ 7 \ 8 - 9 ] ، وقال : وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما نار حامية [ 101 \ 8 - 10 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، وقال بعض أهل العلم : معنى [ ص: 353 ] فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا : أنهم لا قدر لهم عند الله لحقارتهم ، وهو أنهم بسبب كفرهم ، وذلك كقوله عنهم : سيدخلون جهنم داخرين [ 40 \ 60 ] ، أي : صاغرين أذلاء حقيرين ، وقولـه : قل نعم وأنتم داخرون [ 37 \ 18 ] ، وقولـه : قال اخسئوا فيها ولا تكلمون [ 23 \ 108 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هوانهم وصغارهم وحقارتهم .

وقد دلت السنة الصحيحة على أن معنى الآية يدخل فيه الكافر السمين العظيم البدن ، لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة ، قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن ، حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرءوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " وعن يحيى بن بكير ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد مثله ا هـ ، من البخاري .

وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم في صحيحه ، وهو يدل على أن نفس الكافر العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة ، وفيه دلالة على وزن الأشخاص ، وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره هذه الآية بعد أن أشار إلى حديث أبي هريرة المذكور ما نصه : وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه ، لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم ، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية ، المبتغى به الترفه والسمن ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين " ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خيركم قرني ثم الذين يلونهم قال عمران ، فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن " وهذا ذم ، وسبب ذلك : أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره والدعة والراحة والأمن ، والاسترسال مع النفس على شهواتها ، فهو عبد نفسه لا عبد ربه ، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام ، وكل لحم تولد من سحت فالنار أولى به ، وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [ 47 \ 12 ] ، فإذا كان المؤمن يتشبه بهم ، ويتنعم تنعمهم في كل أحواله وأزمانه ، فأين حقيقة الإيمان والقيام بوظائف الإسلام ، ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه ، وزاد [ ص: 354 ] بالليل كسله ونومه ، فكان نهاره هائما ، وليله نائما ا هـ ، محل الغرض من كلام القرطبي ، وما تضمنه كلامه من الجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يبغض الحبر السمين " فيه نظر ; لأنه لم يصح مرفوعا ، وقد حسنه البيهقي من كلام كعب ، وما ذكر من ذم كثرة الأكل والشرب والسمن المكتسب ظاهر وأدلته كثيرة " وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه " .

التالي السابق


الخدمات العلمية