صفحة جزء
المسألة الثالثة :

اعلم أن الاجتهاد الذي دلت عليه نصوص الشرع أنواع متعددة :

( منها ) : الاجتهاد في تحقيق المناط ، وقد قدمنا كثيرا من أمثلته في " الإسراء " .

( ومنها ) : الاجتهاد في تنقيح المناط ، ومن أنواعه : السبر ، والتقسيم ، والإلحاق بنفي الفارق .

واعلم أن الاجتهاد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به قسمان :

الأول : الإلحاق بنفي الفارق ، وهو قسم من تنقيح المناط كما ذكرناه آنفا . ويسمى عند الشافعي القياس في معنى الأصل ، وهو بعينه مفهوم الموافقة ، ويسمى أيضا القياس الجلي .

والثاني من نوعي الإلحاق : هو القياس المعروف بهذا الاسم في اصطلاح أهل الأصول .

أما القسم الأول الذي هو الإلحاق بنفي الفارق فلا يحتاج فيه إلى وصف جامع بين الأصل والفرع وهو العلة . بل يقال فيه : لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا المسكوت عنه فرق فيه يؤثر في الحكم ألبتة ، فهو مثله في الحكم ، وأقسامه أربعة ، لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساويا للمنطق به في الحكم ، أو أولى به منه ، وفي كل منهما إما أن يكون نفي الفارق بينهما مقطوعا به أو مظنونا . فالمجموع أربعة :

( الأول منها ) : أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي [ ص: 176 ] الفارق ، كقوله تعالى : فلا تقل لهما أف [ 17 \ 23 ] فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به مع القطع بنفي الفارق ، وكقوله تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم [ 65 \ 2 ] فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم وهو القبول من المنطوق به ، وهو شهادة العدلين مع القطع بنفي الفارق .

( والثاني منها ) : أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به أيضا ، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيا ، بل مظنونا ظنا قويا مزاحما لليقين . ومثاله نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التضحية بالعوراء . فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها أولى بالحكم وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها ، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيا بل مظنونا ظنا قويا ؛ لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتا وثمنا وقيمة ، وهذا هو الظاهر ، وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتا وقيمة . وهناك احتمال آخر : هو الذي منع من القطع بنفي الفارق ، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء أن العور مظنة الهزال ؛ لأن العوراء ناقصة البصر ، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي ؛ لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينا واحدة ، ونقص الرعي مظنة للهزال . وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء ؛ لأن العمياء يختار لها أحسن العلف ، فيكون ذلك مظنة لسمنها .

( والثالث منها ) : أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق ؛ كقوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية [ 4 \ 10 ] . فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساو للأكل المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم ، والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي الفارق . ( والرابع منها ) : أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم أيضا ، إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا مزاحما لليقين ، ومثاله الحديث الصحيح " من أعتق شركا له في عبد . . " الحديث المتقدم في " الإسراء ، والكهف " ، فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض الأمة مساو للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث المتقدم مرارا . إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا ؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حكم من أحكام العتق . كما قدمناه مستوفى في سورة " مريم " وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق ، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر ، مخصصا له بذلك الحكم دون الأنثى ؛ لأن عتق الذكر يترتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق [ ص: 177 ] الأنثى ، كالجهاد ، والإمامة ، والقضاء ، ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث . وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق في سورة " بني إسرائيل " .

( وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق ) : فهو القياس المعروف في الأصول ، وهو المعروف بقياس التمثيل . وسنعرفه هنا لغة واصطلاحا ، ونذكر أقسامه ، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن :

اعلم أن القياس في اللغة : التقدير والتسوية . يقال : قاس الثوب بالذراع ، وقاس الجرح بالميل ( بالكسر ) وهو المرود ، إذا قدر عمقه به ؛ ولهذا سمي الميل مقياسا ، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة :


إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت غثيثتها وازداد وهيا هزومها

فقوله : " قاسها " يعني قدر عمقها بالميل .

والآسي : الطبيب ، والنطاسي ( بكسر النون وفتحها ) : الماهر بالطب ، والغثيثة ( بثاءين مثلثتين ) : مدة الجرح وقيحه ، وما فيه من لحم ميت ، والوهي : التخرق والتشقق ، والهزوم : غمز الشيء باليد فيصير فيه حفرة كما يقع في الورم الشديد .

وتعريف القياس المذكور في اصطلاح أهل الأصول كثرت فيه عبارات الأصوليين مع مناقشات معروفة في تعريفاتهم له . واختار غير واحد منهم تعريفه بأنه حمل معلوم على معلوم ، أي : إلحاقه به في حكمه لمساواته له في علة الحكم . وهذا التعريف إنما يشمل القياس الصحيح دون الفاسد . والتعريف الشامل للفاسد هو أن تزيد على تعريف الصحيح لفظة عند الحامل ، فتقول : هو إلحاق معلوم في حكمه لمساواته له في علة الحكم عند الحامل ، فيدخل الفاسد في الحد مع الصحيح ، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله معرفا للقياس :


يحمل معلوم على ما قد علم     للاستوا في علة الحكم وسم
وإن ترد شموله لما فسد     فزد لدى الحامل والزيد أسد

ومعلوم أن أركان القياس المذكور أربعة : وهي الأصل المقيس عليه ، والفرع المقيس ، والعلة الجامعة بينهما ، وحكم الأصل المقيس عليه .

فلو قسنا النبيذ على الخمر ، فالأصل : الخمر ، والفرع : النبيذ ، والعلة : الإسكار ، [ ص: 178 ] وحكم الأصل الذي هو الخمر : التحريم . وشروط هذه الأركان الأربعة والبحث فيها مستوفى في أصول الفقه ، فلا نطيل به الكلام هنا .

واعلم أن القياس المذكور ينقسم بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل إلى ثلاثة أقسام :

الأول : قياس العلة .

والثاني : قياس الدلالة .

والثالث : قياس الشبه .

أما قياس العلة فضابطه أن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم ، فالجمع بين النبيذ والخمر بنفس العلة التي هي الإسكار ، والقصد مطلق التمثيل ؛ لأنا قد قدمنا أن قياس النبيذ على الخمر لا يصح ؛ لوجود النص على أن كل مسكر خمر ، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام " . والقياس لا يصح مع التنصيص على أن حكم الفرع المذكور كحكم الأصل ، إلا أن المثال يصح بالتقدير والفرض ، ومطلق الاحتمال كما تقدم . وكالجمع بين البر والذرة بنفس العلة التي هي الكيل مثلا عند من يقول بذلك ، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله :


وما بذات علة قد جمعا     فيه فقيس علة قد سمعا

وأما قياس الدلالة فضابطه أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة ، كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة أو أثرها أو حكمها . فمثال الجمع بملزوم العلة أن يقال : النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة ، وهي ملزوم للإسكار ، بمعنى أنها يلزم من وجود الإسكار . ومثال الجمع بأثر العلة أن يقال : القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد ، بجامع الإثم وهو أثر العلة وهي للقتل العمد العدوان . ومثال الجمع بحكم العلة أن يقال : تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به ، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد ، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى ، والقتل منهم في الثانية . وإلى تعريف قياس الدلالة المذكور أشار في مراقي السعود بقوله :


جامع ذي الدلالة الذي لزم     فأثر فحكمها كما رسم

وقوله : " الذي لزم " بالبناء للفاعل يعني اللازم ، وتعبيره هنا باللازم تبعا لغيره غلط منه وممن تبعه هو ؛ لأن وجود اللازم لا يكون دليلا على وجود الملزوم بإطباق [ ص: 179 ] العقلاء ؛ لاحتمال كون اللازم أعم من الملزوم ، ووجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص كما هو معروف . ولذا أجمع النظار على أن استثناء عين التالي في الشرط المتصل لا ينتج عين المقدم ؛ لأن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم ، والصواب ما مثلنا به من الجمع بملزوم العلة ؛ لأن الملزوم هو الذي يقتضي وجوده وجود اللازم كما هو معروف ، فالشدة المطربة والإسكار متلازمان ، ودلالة الشدة المطربة على الإسكار إنما هي من حيث إنها ملزوم له لا لازم ، لما عرفت من أن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم ، واقتضاؤه له هنا إنما هو للملازمة بين الطرفين ؛ لأن كلا منهما لازم للآخر وملزوم له للملازمة بينهما من الطرفين .

وأما قياس الشبه فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول ، فعرف بعضهم الشبه بأنه منزلة بين المناسب والطرد ، وعرفه بعضهم بأنه المناسب بالتبع بالذات . ومعنى هذا كمعنى تعريف من عرفه بأنه المستلزم للمناسب .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : عبارات أهل الأصول في الشبه الذي هو المسلك السادس من مسالك العلة عند المالكية والشافعية كلها تدور حول شيء واحد ، وهو أن الوصف الجامع في قياس الشبه يشبه المناسب من وجهه ، ويشبه الوصف الطردي من جهة أخرى .

وقد قدمنا في سورة " مريم " أن المناسب هو الوصف الذي تتضمن إناطة الحكم به مصلحة من جلب نفع أو دفع ضر ، والطردي هو ما ليس كذلك ، إما في جميع الأحكام وإما في بعضها ، ولا خلاف بين أهل الأصول في أن ما يسمى بغلبة الأشباه لا يخرج عن قياس الشبه ؛ لأن بعضهم يقول : إنه داخل فيه ، وهو الظاهر ، وبعضهم يقول : هو بعينه لا شيء آخر . وغلبة الأشياء هو إلحاق فرع متردد بين أصلين بأكثرهما شبها به ، كالعبد فإنه متردد بين أصلين لشبهه بكل واحد منهما ، فهو يشبه المال لكونه يباع ويشترى ويوهب ويورث إلى غير ذلك من أحوال المال ، ويشبه الحر من حيث إنه إنسان ينكح ويطلق ويثاب ويعاقب ، وتلزمه أوامر الشرع ونواهيه . وأكثر أهل العلم يقولون : إن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر ؛ لأنه يشبه المال في الحكم والصفة معا أكثر مما يشبه الحر فيهما .

فمن شبهه بالمال في الحكم : كونه يباع ويشترى ويورث ، ويوهب ويعار ، ويدفع في الصداق والخلع ، ويرهن ، إلى غير ذلك من التصرفات المالية .

ومن شبهه بالمال في الصفة : كونه تتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة [ ص: 180 ] ورداءة كسائر الأموال . فلو قتل إنسان عبدا لآخر لزمته قيمته نظرا إلى أن شبهه بالمال أغلب . وقال بعض أهل العلم : تلزمه ديته كالحر زعما منه أن شبهه بالحر أغلب ، فإن قيل : بأي طريق يكون هذا النوع الذي هو غلبة الأشباه من الشبه ؛ لأنكم قررتم أنه مرتبة بين المناسب والطردي ، فما وجه كونه مرتبة بين المناسب والطردي ؟ فالجواب أن إيضاح ذلك فيه أن أوصافه المشابهة للمال ككونه يباع ويشترى . . إلخ طردية بالنسبة إلى لزوم الدية ؛ لأن كونه كالمال ليس صالحا لأن يناط به لزوم ديته إذا قتل ، وكذلك أوصافه المشابهة للحر ككونه مخاطبا يثاب ويعاقب إلخ . فهي طردية بالنسبة إلى لزوم القيمة ؛ لأن كونه كالحر ليس صالحا لأن يناط به لزوم القيمة ، فهو من هذه الحيثية يشبه الطردي كما ترى ، أما ترتب القيمة على أوصافه المشابهة لأوصاف المال فهو مناسب كما ترى ، وكذلك ترتب الدية على أوصافه المشابهة لأوصاف الحر مناسب ، وبهذين الاعتبارين يتضح كونه مرتبة بين المناسب والطردي .

ومن أمثلة أنواع الشبه غير غلبة الأشباه : الشبه الذي الوصف الجامع فيه لا يناسب لذاته ، ولكنه يستلزم المناسب لذاته ، وقد شهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب ، كقولك في الخل : مائع لا تبنى القنطرة على جنسه ، فلا يرفع به الحدث ولا حكم الخبث - قياسا على الدهن . فقولك : " لا تبنى القنطرة على جنسه " ليس مناسبا في ذاته ؛ لأن بناء القنطرة على المائع في حد ذاته وصف طردي إلا أنه مستلزم للمناسب ، لأن العادة المطردة أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل ، بل على الكثير كالأنهار ، والقلة مناسبة لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة ، فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود ، أما تكليف الجميع بما لا يجده إلا البعض فبعيد من القواعد ، فصار قولك : " لا تبنى القنطرة على جنسه " ليس بمناسب ، وهو مستلزم للمناسب . وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة ، والتعذر في عدم مشروعية الطهارة ، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر بالطهارة به وينتقل إلى التيمم .

وأما الشبه الصوري فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة " النحل " في الكلام على قوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين [ 16 \ 66 ] وقد قدمنا في أول سورة " براءة " كلام ابن العربي الذي قال فيه : ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس النسبة عند عدم النص ، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها ، فإذا كان القياس [ ص: 181 ] يدخل في تأليف القرآن ، فما ظنك بسائر الأحكام ؟ وإلى الشبه المذكور أشار في مراقي السعود بقوله :


والشبه المستلزم المناسبا     مثل الوضو يستلزم التقربا
مع اعتبار جنسه القريب     في مثله للحكم لا الغريب
صلاحه لم يدر دون الشرع     ولم ينط مناسب بالسمع
وحيثما أمكن قيس العلة     فتركه بالاتفاق أثبت
إلا ففي قبوله تردد     غلبة الأشباه هو الأجود
في الحكم والصفة ثم الحكم     فصفة فقط لدى ذي العلم
وابن علية يرى للصوري     كالقيس للخيل على الحمير

واعلم أن قياس الطرد يصدق بأمرين ؛ لأن الطرد يطلق إطلاقين : يطلق على الوصف الطردي الذي لا يصلح لإناطة حكم به لخلوه من الفائدة . كما لو ظن بعض القائلين بنقض الوضوء بلحم الجزور أن علة النقض به الحرارة ، فألحق به لحم الظبي قائلا : إنه ينقض الوضوء قياسا على لحم الجزور بجامع الحرارة ، فهذا القياس باطل ; لأن الوصف الجامع فيه طردي . ومثله كل ما كان الوصف الجامع فيه طرديا وهو أحد الأمرين للذين يطلق عليهما قياس الطرد .

والأمر الثاني : منهما هو القياس الذي الوصف الجامع فيه مستنبطا بالمسلك الثامن المعروف ( بالطرد ) وهو الدوري الوجودي ، وإيضاحه أنه مقارنة الحكم للوصف في جميع صوره غير الصورة التي فيها النزاع في الوجود فقط دون العدم . والاختلاف في إفادته العلة معروف في الأصول .

واعلم أن القياس وما يتعلق به موضح في فن أصول الفقه ، والأدلة التي تدل على أن الوصف المعين علة للحكم المعين هي المعروفة بمسالك العلة ، وهي عشرة عند من يعد منها إلغاء الفارق ، وتسعة عند من لا يعده منها ، وهي : النص ، والإجماع ، والإيماء ، والسبر ، والتقسيم ، والمناسبة ، والشبه ، والدوران ، والطرد ، وتنقيح المناط ، وإلغاء الفارق . والتحقيق أنه نوع من تنقيح المناط كما قدمنا .

وقد نظمها بعضهم بقوله :


مسالك علة رتب فنص     فإجماع فإيماء فسبر
مناسبة كذا مشبه فيتلو     له الدوران طرد يستمر
فتنقيح المناط فألغ فرقا     وتلك لمن أراد الحصر عشر

[ ص: 182 ] ومحل إيضاحها فن أصول الفقه ، وقد أوضحناها في غير هذا المحل .

وأما القوادح في الدليل من قياس وغيره فهي معروفة في فن الأصول ، وقد نظمها باختصار الشيخ عمر الفاسي بقوله :


القدح بالنقض وبالكسر معا     تخلف العكس وبالقلب اسمعا
وعدم التأثير بالوصف وفي     أصل وفرع ثم حكم فاقتفي
والمنع والفرق وبالتقسيم     وباختلاف الضابط المعلوم
وفقد الانضباط والظهور     والخدش في تناسب المذكور
وكون ذاك الحكم لا يفضي إلى     مقصود ذي الشرع العزيز فاقبلا
والخدش في الوضع والاعتبار     والقول بالموجب ذو اعتبار
وابدأ باستفسار في الإجمال     أو الغرابة بلا إشكال

وإنما لم نوضح هنا المسالك والقوادح ؛ لأن ذلك يفضي إلى الإطالة المملة ، مع أن الجميع موضح في أصول الفقه ، وقد أوضحناه في غير هذا الموضع ، وقصدنا هنا التنبيه عليه في الجملة من غير تفصيل . فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلامة ابن القيم تعالى شفى الغليل بما لا مزيد عليه في هذه المسائل في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين ، وسنذكر هنا إن شاء الله جملا وافية مفيدة من كلامه في هذا الموضوع الذي نحن بصدده . قال في كلامه على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالته المشهورة إلى أبي موسى : ( ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ، ولا سنة ، قايس بين الأمور عند ذلك ، واعرف الأمثال ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله ، وأشبهها بالحق ) ما نصه :

هذا أحد ما اعتمد عليه القياسيون في الشريعة ، قالوا : هذا كتاب عمر إلى أبي موسى ولم ينكره أحد من الصحابة ، بل كانوا متفقين على القول بالقياس وهو أحد أصول الشريعة ، ولا يستغني عنه فقيه . وقد أرشد الله تعالى عباده إليه في غير موضع من كتابه ، فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان ، وجعل النشأة الأولى أصلا والثانية فرعا عليها ، وقاس حياة الأموات على حياة الأرض بعد موتها بالنبات ، وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السماوات والأرض ، وجعله من قياس الأولى ، كما جعل قياس النشأة الثانية على الأولى من قياس الأولى ، وقاس الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم ، وضرب الأمثال وصرفها في الأنواع المختلفة ، وكلها أقيسة عقلية ينبه بها [ ص: 183 ] عباده على أن حكم الشيء حكم مثله ، فإن الأمثال كلها قياسات يعلم منها حكم الممثل من الممثل به . وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره ، والتسوية بينهما في الحكم ، وقال تعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [ 29 \ 43 ] بالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل ، وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما ، والفرق بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما ، قالوا : ومدار الاستدلال جمعية على التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين ، فإنه إما استدلال بمعين على معين ، أو بمعين على عام ، أو بعام على معين ، أو بعام على عام ، فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال . فالاستدلال بالمعين على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه بكل ملزوم دليل على لازمه ، فإن كان التلازم من الجانبين كان كل منهما دليلا على الآخر ومدلولا له . وهذا النوع ثلاثة أقسام : أحدها : الاستدلال بالمؤثر على الأثر ، والثاني : الاستدلال بالأثر على المؤثر . والثالث : الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر . فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق . والثاني : كالاستدلال بالحريق على النار . والثالث : كالاستدلال بالحريق على الدخان . ومدار ذلك كله على التلازم ، والتسوية بين المتماثلين هو الاستدلال بثبوت أحد الأثرين على الآخر ، وقياس الفرق هو استدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر ، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه ، فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طريق الاستدلال ، وغلقت أبوابه .

قالوا : وأما الاستدلال بالمعين على العام فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين ، إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعين دليلا على الأمر العام المشترك بين الأفراد . ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره ، على أن هذا الحكم عام شامل على من سلك سبيلهم ، واتصف بصفتهم ، وهو سبحانه قد نبه عباده على نفس هذا الاستدلال ، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم ، كما قال تعالى عقب إخباره عن عقوبات الأمم المكذبة لرسلهم وما حل بهم : أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر [ 54 \ 43 ] فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة ، وإلا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية ولا تمت الحجة . ومثل هذا قوله تعالى عقيب إخباره عن عقوبة قوم هود حين رأوا العارض في السماء : هذا عارض ممطرنا [ 46 \ 24 ] فقال تعالى : بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم [ ص: 184 ] تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين [ 46 \ 24 ] ثم قال : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [ 46 \ 26 ] فتأمل قوله : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه تجد المعنى أن حكمكم كحكمهم ، وأنا إذا كنا قد أهلكناهم بمعصية رسولنا ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين ، وأن هذا محض عدل الله بين عباده . ومن ذلك قوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها [ 47 \ 10 ] فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله . وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالمسير في الأرض سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب ، أو السير المعنوي بالتفكير والاعتبار ، أو كان اللفظ يعمهما ، وهو الصواب ؛ فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك ؛ ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حل بالمكذبين ، ولولا أن حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار ، وقد نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم ، فقال تعالى : أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون [ 68 \ 35 - 36 ] وأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول ، لا تليق نسبته إلى سبحانه . وقال تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [ 45 \ 21 ] وقال تعالى : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ 38 \ 28 ] أفلا تراه كيف ذكر العقول ، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره ، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم . وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه ، وجعله قرينه ووزيره ، فقال تعالى : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان [ 42 \ 17 ] وقال : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [ 57 \ 25 ] وقال تعالى : الرحمن علم القرآن [ 55 \ 1 - 2 ] فهذا الكتاب ، ثم قال : والسماء رفعها ووضع الميزان [ 55 \ 7 ] والميزان يراد به العدل ، والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده . والقياس الصحيح هو الميزان ، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به ؛ فإنه [ ص: 185 ] يدل على العدل ، وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان ، بخلاف اسم القياس ، فإنه ينقسم إلى حق وباطل ، وممدوح ومذموم ؛ ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه ، ولا الأمر به ، ولا النهي عنه ، فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد ، فالصحيح هو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه ، والفاسد ما يضاده كقياس الذين قاسوا البيع على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية ، وقاس الذين قاسوا الميتة على المذكى في جواز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح - هذا بسبب من الآدميين وهذا بفعل الله - ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس ، وأنه ليس من الدين ، وتجد في كلامهم استعماله ، والاستدلال به ، وهذا حق وهذا حق ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية