صفحة جزء
مسألة .

في هذه الآية الكريمة : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا [ 72 \ 18 ] ، جمع بين مسألتين ، فكأن الأولى تدل على الثانية بمفهومها ، وكأن الثانية تكون منطوق الأولى ; لأن كون المساجد لله يقتضي إفراده تعالى بالعبادة وألا يدعى معه أحد .

أما إفراده بالعبادة ، فقد كتب الشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - على ذلك مبحثا كاملا في سورة " الحجرات " في مسألة من المسائل على قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [ 49 \ 2 ] .

[ ص: 351 ] وبين في هذه المسألة ما هو حق لله ، وما هو حق لرسول الله ، ووجوب إفراد الله تعالى بما هو حقه تعالى ، وبين فيها آداب السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن وضع اليد على اليد كهيأة الصلاة نوع من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى . اهـ .

وأن الجمع هنا بين المفهوم والمنطوق بنفس المفهوم ، لما يدل على شدة الاهتمام به والعناية بأمره ، وإنه ليلفت النظر إلى ما جاء في الأحاديث الصحيحة من النهي الأكيد والوعيد الشديد بالنسبة لقضية المساجد ودعوة التوحيد ، وما كان يفعله الأولون من بناء المساجد على القبور ، ويفتحون بذلك بابا مطلا على الشرك . كحديث أم سلمة وأم حبيبة - رضي الله عنهما - عند البخاري ومسلم ، في قصتيهما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاهدتاه بالحبشة من هذا القبيل ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح ، أو العبد الصالح ، بنوا على قبره مسجدا ; أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " .

وكحديث الصحيحين : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ، قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ، أي : خشية اتخاذه مسجدا " .

حديث الموطأ قوله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فكل ذلك مما يشدد الحذر من الجمع بين القبور والمساجد ; خشية الفتنة وسدا للذريعة ، ويشهد لهذا ما ذكره علماء التفسير - رحمهم الله - من سبب النزول ، أن اليهود والنصارى كانوا إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم ، أشركوا مع الله غيره ، فحذر الله المسلمين أن يفعلوا ذلك .

وهذه المسألة مما تفشت في كثير من البلدان الإسلامية مما يستوجب التنبه لها ، وربط هذه الآية بها مع تلك النصوص النبوية الصريحة في شأنها مهما كان المسجد .

وذكر ابن كثير ، عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية لم يكن في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ، ومسجد إيلياء ، بيت المقدس .

تنبيه .

قد أثير في هذه المسألة تساؤلات من بعض الناس بالنسبة للمسجد النبوي وموضع الحجرة منه بعد إدخالها فيه .

[ ص: 352 ] وقد أجاب عن ذلك ابن حجر في فتح الباري بقوله على حديث عائشة - رضي الله عنها - : إنه - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي مات فيه : " لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " . قالت : ولولا ذلك لأبرز قبره ، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا . رواه البخاري في كتاب الجنائز .

وفي بعض رواياته : غير أنه خشي ، فقال ابن حجر : وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي ، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة ; حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة . اهـ .

وذكرت كتب السيرة وتاريخ المسجد النبوي بعض الأخبار في ذلك ، من ذلك ما رواه السمهودي في وفاء الوفاء ، قال : وعن المطلب ، قال : كانوا يأخذون من تراب القبر فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم ، وكان في الجدار كوة فأمرت بالكوة فسدت هي أيضا . ونقل عن ابن شبة ، قال أبو غسان بن يحيى بن علي بن عبد الحميد - وكان عالما بأخبار المدينة ومن بيت كتابة وعلم - : لم يزل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي دفن فيه هو وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - ظاهرا ، حتى بنى عمر بن عبد العزيز عليه الخطار المزور الذي هو عليه اليوم ، حين بنى المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك ، وإنما جعله مزورا ; كراهة أن يشبه تربيع الكعبة ، وأن يتخذ قبلة يصلى إليه .

قال أبو زيد بن شبة ، قال أبو غسان : وقد سمعت غير واحد من أهل العلم يزعم : أن عمر بن عبد العزيز بنى البيت غير بنائه الذي كان عليه ، وسمعت من يقول : بنى على بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أجدر فدون القبر ثلاثة أجدر : جدار بناء بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجدار البيت الذي يزعم أنه بنى عليه - يعني عمر بن عبد العزيز - ، وجدار الخطار الظاهر ، وقال : قال أبو غسان فيما حكاه الأقشهدي : أخبرني الثقة عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن منصور بن ربيعة ، عن عثمان بن عروة ، قال : قال عروة : نازلت عمر بن عبد العزيز في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ألا يجعل في المسجد أشد المنازلة ، فأبى وقال : كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه .

قال : قلت : فإن كان لا بد فاجعل له جؤجؤا . أي : وهو الموضع لنزور خلف الحجرة . اهـ .

[ ص: 353 ] فهذه منازلة في موضوع الحجرة والمسجد ، وهذا جواب عمر بن عبد العزيز .

وقد آلت إليه الخلافة وهو الخليفة الراشد الخامس ، وقد أقر هذا الوضع لما اتخذت تلك الاحتياطات من أن يكون القبر قبلة للمصلين ، وهذا مما لا شك فيه في خير القرون الأولى ، ومشهد من أكابر المسلمين ، مما لا يدع لأحد مجالا لاعتراض أو احتجاج أو استدلال ، وقد بحثت هذه المسألة من علماء المسلمين في كل عصر .

وقال القرطبي : بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأعلوا حيطان تربته ، وسدوا المدخل إليها ، وجعلوها محدقة بقبره - صلى الله عليه وسلم - ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين ، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال ; حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره . اهـ . من فتح المجيد .

وقد قال بعض العلماء : إن هذا العمل الذي اتخذ حيال القبر الشريف وقبري صاحبيه ، إنما هو استجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ، كما قال ابن القيم في نونيته ، كابن تيمية قال :


فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران     حتى غدت أرجاؤه بدعائه
في عزة وحماية وصيان



وقال صاحب فتح المجيد : ودل الحديث أن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لو عبد لكان وثنا . ولكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس ; فلا يوصل إليه .

ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها . اهـ .

وهذا الذي قاله حقيقة دقيق مأخذها ; لأنه لو لم يكن بعد إدخال الحجرة في مأمن من الصلاة إليه لكان وثنا ، وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - يكون في حياته داعيا إلى الله وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى يكون قبره وثنا ينافي التوحيد ، ويهدم ما بناه في حياته .

وكيف يرضى الله لرسوله ذلك حاشا وكلا . هذا مجمل ما قيل في هذه المسألة .

التالي السابق


الخدمات العلمية