صفحة جزء
منهجه في درسه : من المعلوم أن التفسير لا ينحصر في موضوع فهو شامل عام بشمول القرءان وعمومه ، فكان المنهج أولا بيان المفردات ثم الإعراب والتصريف ثم البلاغة مع إيراد الشواهد على ما يورد .

ثم يأتي إلى الأحكام إن كان موضوع الآية فقها ، فيستقصي باستنتاج الحكم وبيان الأقوال والترجيح لما يظهر له . ويدعم ذلك بالأصول وبيان القرءان وعلوم القرءان من عام [ ص: 492 ] وخاص ومطلق ومقيد وناسخ ومنسوخ وأسباب نزول وغير ذلك .

وإذا كانت الآية في قصص أظهر العبر من القصة وبين تاريخها وقد يربط الحاضر بالماضي كربط تكشف النساء اليوم بفتنة إبليس لحواء في الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ، وفتنته للجاهلية حتى طافوا بالبيت عرايا رجالا ونساء وها هو يستدرجهن في التكشف شيئا فشيئا . بدأ بكشف الوجه ثم الرأس ثم الذراعين . . . إلخ . فكان أسلوبا علميا وتربويا في آن واحد ، كما كان أحكاما وحكما .

وكان درسه أشبه بحديقة غناء احتوت أشهر الثمار وأجمل الأزهار ، في تنسيق الغرس وجمال الجداول تشرح الصدر وتشفي القلب وتروق للعين . فيستفيد منه جميع الناس ويأخذ كل واحد ما طاب له وما وسعه .

وقد يستطرد للقاعدة بمبحث كامل كما استطرد في الرد على ابن حزم في رده القياس بإتيانه بأنواعه عند قوله : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، وقد طبع في نهاية مذكرة الأصول تعميما للفائدة . وبهذا الشمول والاستقصاء لم يكن يترك مجالا لسؤال ولم يبق لذي حاجة تساؤل .

وأذكر كلمة لقاضي قرية " قرو " في موريتانيا بعد أن سئل رحمه الله عن مهام من المسائل العلمية ، وأجاب إجابة مستفيضة مفصلة كافية . قال قاضي قرو : لم يبق لأحد هنا كلام فقد ظهر الحق . ولا سؤال فقد زال اللبس ، وإن الحضور بين أحد رجلين ، عالم فقد عرف الحق فلم يبق له سؤال ، وجاهل فلا يحق له أن يسأل .

فكان نفعه رحمه الله في المسجد النبوي للمقيم والقادم للقاصي والداني نفعا عظيما .

ثانيا : في سنة 1371 هـ افتتحت الإدارة العامة بالرياض على معهد علمي ، تلاه عدة معاهد وكليتا الشريعة واللغة .

واختير للتدريس في المعهد والكليتين نخبة من العلماء من داخل وخارج المملكة . وكان رحمه الله ممن اختير لذلك فتولى تدريس التفسير والأصول إلى سنة 1381 هـ حين افتتحت الجامعة الإسلامية بالمدينة .

آثاره في الرياض : كانت مدة اختياره للتدريس بالرياض عشر سنوات دراسية ، يعود [ ص: 493 ] لقضاء العطلة بالمدينة ، وما كان عمله في التدريس بالمعهد والكلية كغيره من المدرسين . ولكن لبيان أثره حقيقة نورد نبذة عن الحالة العلمية آنذاك بالرياض .

كانت الرياض عاصمة نجد علميا وسياسيا وكان يفد إليها طلاب العلم من أنحاء نجد لأخذ العلم عن آل الشيخ . وكان مركز الدراسة والتدريس في المساجد إلا خواص الطلاب لدى سماحة المفتي فيدرسون عليه بعض الدروس في بيته ضحى ، وكانت الدراسة عمادها التوحيد والفقه والتفسير وكذلك الحديث والسيرة والنحو ، وكانت دراسة مباركة تخرج عليها جميع علماء نجد ، حتى جاءت تلك الحركة العلمية الجديدة ، أو تنظيم الدراسة الجديد في عام 1371 هـ .

نشأة هذه الحركة : كانت نشأتها كما سمعت منه رحمه الله استجابة لرغبة المرحوم جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله . قال لجماعة العلماء وهم في مجلسه الخاص : لقد كانت الرياض مليئة بالعلماء عامرة بالدروس . وانتقل الكثير منهم إلى رحمة الله ولم يخلفهم من يماثلهم ، وأردت تعاونكم مع سماحة المفتي في تربية جيل من طلبة العلم عن العلوم الصحيحة والعقيدة السليمة ، فنحن وأنتم مشتركون في المسؤولية . فكانت هذه النهضة ترعاها عناية ملكية وتقوم عليها كفاءة علمية ، تولى إدارة المعهد الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم ورئاسته لسماحة المفتي ، وافتتحت الدراسة على طلاب حلق المساجد الأكفاء وفيهم خواص طلاب فضيلة الشيخ محمد رحمه الله وأبناؤه . صنفت الدراسة على ثلاث سنوات ثانوية ومنها إلى الكلية ، يغذي هذا القسم قسم تمهيدي يأخذ من رابعة ابتدائي ويدرس خامسة وسادسة ومن ثم للمعهد الثانوي فالكليتين .

المنهج العلمي : وضع المنهج العلمي لتلك الدراسة على أساس في العلوم الدينية والعربية وتكميل من المواد الاجتماعية وعلوم الآلة من مصطلح وأصول حتى الحساب والتقويم والخط والإملاء والتجويد . فكان قويا في موضوعه شاملا في منهجه . وكان الطلاب من الصفوة الذين درسوا في المساجد المتعطشين للعلوم متطلعين للتوسع وكان القائمون على التدريس نخبة ممتازة من الأجلة الفضلاء من وطنيين وأزهريين . فكان الجو حقا جدا علميا التقت فيه همة عالية من طلاب جيدين مع عزيمة ماضية من مشايخ مجتهدين . كان يسودهم الشعور بأن هذه طليعة نهضة علمية واسعة ، وكان رحمه الله كوالد للجميع وكان درسه التفسير والأصول . فكان في التفسير المجال الواسع لجميع [ ص: 494 ] المواد والعلوم . وكان مع التزامه بالمنهج والحصص إذا تناول بحثا في أي مادة يخاله السامع مختصا فيها ، فعرف له الجميع قدره وتطلع الجميع إلى ما عنده حتى المدرسون : وقد رغب المدرسون آنذاك في قراءة بعض كتب الشيخ ابن تيمية واستيعاب دقائقه فلم يكن أولى بذلك من فضيلته رحمه الله . خصص لذلك مجلس خاص في صحن المعهد بدخنه بين المغرب والعشاء .

في مسجد الشيخ : وفي مسجد الشيخ محمد رحمه الله بدأ درس الأصول لكبار الطلبة في قواعد الأصول ، حضره العامة والخاصة وكان يتوافد إليه من أطراف الرياض ، وكان الشيخ عبد الرحمن الإفريقي رحمه الله يدرس الحديث وكان درس الأصول بمثابة فتح جديد في هذا الفن

في بيته رحمه الله : ولما كان الدرس في الأصول في المسجد عاما - وفي الطلبة من خواصهم رغبوا في درس خاص في بيته رحمه الله ، فكان لهم درس خاص بعد العصر . وكان بيته رحمه الله كمدرسة سواء لأبنائه الذين رافقوه للدراسة عليه وقد أملى شرحا على مراقي السعود في بيته على أخينا أحمد الأحمد الشنقيطي .

لقد كان لتدريسه هذا سواء رسميا في المعهد والكليتين أو في المسجد ، أو في المنزل - كان له أثر طيب ونتائج حسنة لا يسع متحدث التحدث عنها بقدر ما تحدثت هي عن نفسها في أعمال كافة المتخرجين من تلك المعاهد والكليتين المنتشرتين في أنحاء المملكة المبرزين في أعمالهم وفي أعلى مناصب في كافة الوزارات .

ولا يغالي من يقول إن كل من تخرج أو يتخرج فهو إما تلميذ له أو لتلاميذه فهم بمثابة أبنائه وأحفاده وكفى .

تقدير المسؤولين له : لقد كان بعلمه ونصحه وجهده وعفته موضع تقدير من جميع المسؤولين وبالأخص أصحاب الفضيلة آل الشيخ وصاحب الجلالة الملك عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد الرحمن وكان أشد الناس تقديرا له . وقد منحه جلالة الملك رحمه الله أمرا بالجنسية لجميع من ينتمي إليه وفي كفالته ثقة به وإكراما له .

ولما زار الملك محمد الخامس ملك المغرب الرياض استأذن في صحبة الشيخ إلى [ ص: 495 ] المدينة فرافقه تقديرا وإكراما وألقى محاضرته بالمسجد النبوي بحضور الملك محمد الخامس بعنوان اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وقد طبعت مرتين .

وهكذا قدم الرياض رحمه الله في ترحيب وإكرام وانتقل منها في إعزاز وإكبار بعد أن ترك فيها أطيب الآثار ، وساهم في أكبر نهضة علمية في البلاد .

دوره رحمه الله في الجامعة الإسلامية : إن من يعرف نشأة الجامعة الإسلامية ، وقد عرف الحركة العلمية الحديثة بالرياض ليقول إن افتتاح الجامعة الإسلامية امتداد للحركة العلمية الحديثة بالرياض .

والمتتبع للحركات العلمية في العالم الإسلامي ليقول إن افتتاح الجامعة الإسلامية في ذلك التاريخ عناية من الله وتدارك للتعليم الإسلامي حينما أصيبت بعض دور العلم الكبرى بهزات في برامجها .

فكان إيجادها امتدادا للحركة العلمية الحديثة بالرياض ومجيئها آنذاك تداركا لبعض ما فات ، ولعلها جزء من تحقيق الحديث : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها . ومعلوم أن الإيمان عقيدة وعمل والعلم قبله .

ومن هنا نجدد أو نتذكر أهمية الجامعة الإسلامية ومدى وجودها بالمدينة المنورة ، وبالتالي مجيء أبناء العالم الإسلامي إليها للدراسة وللتربية في هذا الجو الروحي لتبرز لنا قيمة العمل في الجامعة وأن رسالتها تربوية بجانب أنها علمية ، وأنها منعت الانتساب دون الحضور لهذا الغرض نفسه .

وقد كان لوالدنا رحمه الله في هذه المجالات اليد الطولى والمجهود الأكبر فلم يدخر وسعا في تعليم ولم يتوان في توجيه ، سواء في دروسه أو أحاديثه أو محاضراته مع الطلاب أو المدرسين فكان كالأب الرحيم والداعية الناصح الأمين . تحمل عنه تلاميذه إلى أنحاء العالم الإسلامي حينما وصلت منح الدراسة بالجامعة الإسلامية لبلدان العالم الإسلامي ، فهل يمكن أن نقول ولو ادعاء أو تجوزا إنه كان بحق في منزلة [ الشيخ ابن تيمية ] ، في هذا الوقت . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

وقد كان بجانب التعليم عضو مجلس الجامعة ساهم في سيرها ومناهجها ، [ ص: 496 ] كما ساهم في إنتاجها وتعليمها .

وفي سنة 86 هـ افتتح معهد القضاء العالي بالرياض برآسة فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي وكانت الدراسة فيه ابتداء على نظام استقدام الأساتذة الزائرين فكان رحمه الله ممن يذهب لإلقاء المحاضرات المطلوبة في التفسير والأصول .

قد امتد نشاطه خارج المملكة : إذا كانت الجامعة الإسلامية فتحت للبلاد نوافذ تطل منها على العالم الإسلامي كله ، وجعلت من حق أولئك الأبناء ما يجب من رعايتهم ، وحق تلك الأقطار ما يلزم من تقوية أواصر الروابط . فكانت فكرة إرسال بعثات إلى الأقطار الإسلامية وخاصة إفريقيا ، فكان رحمه الله على رأس بعثة الجامعة إلى عشر دول أفريقية بدأت بالسودان ، وانتهت بموريتانيا موطن الشيخ رحمه الله ، كان لهذه البعثة في تلك البلاد أعظم الأثر ، وأذكر في مجلس من أفاضل البلاد بموريتانيا وفي حفل تكريم للبعثة وكل إلي فضيلته رحمه الله كلمة الجواب فكان منها أن الذكريات لتتحدث وإنها لساعة عجيبة أدارت عجلة الزمان حيث نشأ الشيخ في بلادكم ثم هاجر إلى الحجاز ثم ها هو يعود إليكم على رأس وفد ورئاسة بعثة فقد نبتت غرسة علمه هنا عندكم فذهب إلى الحجاز فنمت وترعرعت فامتدت أغصانها حتى شملت بوارف ظلها بلاد الإسلام شرقا وغربا وها نحن في موطنه نجني ثمار غرسها ونستظل بوارف ظلها . فكانت تلك الرحلة حقا حلقة اتصال وتجديد عهد وإحياء معالم للإسلام .

وكان له رحمه الله العديد من المحاضرات والمحادثات سجلت كلها في أشرطة لا تزال محفوظة ، آمل أن أوفق لنقلها وطبعها إتماما للفائدة إن شاء الله . ونضم إليها منهجه وسلوكه مع الحكام وصغار الطلاب والعوام مما يرسم الطريق الصحيح للدعوة إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة .

في هيئة كبار العلماء : وكما شكلت هيئة كبار العلماء بعد سماحة المفتي رحمه الله ، وهي أكبر هيئة علمية في البلاد . كان رحمه الله أحد أعضائها . وقد ترأس إحدى دوراتها فكانت له السياسة الرشيدة والنتائج الحميدة . سمعت فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح حفظه الله وهو عضو فيها يقول : ما رأيت قبله أحسن إدارة منه مع بعد نظر في الأمور ، وحسن تدبر للعواقب .

في الرابطة : وفي رابطة العالم الإسلامي كان عضو المجلس التأسيسي لم تقل [ ص: 497 ] خدماته فيه عن خدماته في غيرها . أذكر له موقفا حدثني به ، جنب الرابطة مأزقا كاد أن يدخل عليها شقاقا أو انثلاما .

حينما قدم مندوب إيران وقدم طلبا باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه وتجيبه إلى طلبه . فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقا وإن رفضوه واجهوا حرجا فاقترحوا أن يتولى الأمر فضيلته رحمه الله في جلسة خاصة . فأجاب في المجلس قائلا : لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم ، ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي :

الإسلام دين الجميع والرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسول الجميع ، والقرآن كتاب الله ، والكعبة قبلة الجميع ، والصلوات الخمس وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام ، ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنا وسرقة ونحو ذلك . وهذا القدر كاف للاجتماع والترابط . وهناك أمور نعلم جميعا أننا نختلف فيها وليس هذا مثار بحثها ، فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويعلن الحق ويلتزم به . أو يسحب طلبه الآن . فأقر الجميع قوله وسحب العضو طلبه .

وهكذا كان رحمه الله حكيما في تعليمه حكيما في دعوته حكيما في بحثه وإقناعه . وقد ظهر ذلك كل الوضوح في مؤلفاته .

التالي السابق


الخدمات العلمية