صفحة جزء
مسألة

اختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره أيضا ، فذهب مالك ، والشافعي إلى أن أكثره ستون يوما ، وبه قال عطاء ، والأوزاعي ، والشعبي ، وعبيد الله بن الحسن العنبري ، والحجاج بن أرطاة ، وأبو ثور ، وداود ، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال : أدركت الناس يقولون : أكثر النفاس ستون يوما ، وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى أن أكثره أربعون يوما وعليه أكثر العلماء ، قال أبو عيسى الترمذي : أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ، فتغتسل وتصلي اهـ .

قال الخطابي ، وقال أبو عبيد : وعلى هذا جماعة الناس ، وحكاه ابن المنذر ، عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وأنس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة ، وابن [ ص: 235 ] المبارك ، وإسحاق ، وأبي عبيد . اهـ .

وحكى الترمذي ، وابن المنذر ، وابن جرير ، وغيرهم ، عن الحسن البصري أنه خمسون ، وروي عن الليث أنه قال : قال بعض الناس : إنه سبعون يوما ، وذكر ابن المنذر ، عن الأوزاعي ، عن أهل دمشق : أن أكثر النفاس من الغلام ثلاثون يوما ، ومن الجارية أربعون ، وعن الضحاك : أكثره أربعة عشر يوما ، قاله النووي .

وأما أقل النفاس فهو عند مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي حنيفة في أصح الروايات عنه لا حد له ، وهو قول جمهور العلماء ، وعن أبي حنيفة : أقله أحد عشر يوما ، وعنه أيضا : خمسة وعشرون ، وحكى الماوردي ، عن الثوري : أقله ثلاثة أيام ، وقال المزني : أقله أربعة أيام ، وأما أدلة العلماء في أكثر النفاس وأقله ، فإن حجة كل من حدد أكثره بغير الأربعين هي الاعتماد على المشاهد في الخارج ، وأكثر ما شاهدوه في الخارج ستون يوما ، وكذلك حججهم في أقله فهي أيضا الاعتماد على المشاهد في الخارج ، وقد يشاهد الولد يخرج ولا دم معه ، ولذا كان جمهور العلماء على أن أقله لا حد له ، وأما حجة من حدده بأربعين ، فهي ما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والدارقطني ، والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها ، قالت : " كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلس أربعين يوما " الحديث ، روي هذا الحديث من طريق علي بن عبد الأعلى ، عن أبي سهل ، واسمه كثير بن زياد ، عن مسة الأزدية ، عن أم سلمة ، وعلي بن عبد الأعلى ثقة ، وأبو سهل وثقه البخاري وضعفه ابن حبان ، وقال ابن حجر : لم يصب في تضعيفه ، وقال في التقريب في أبي سهل المذكور : ثقة ، وقال في " التقريب " في مسة المذكورة : مقبولة ، وقال النووي في " شرح المهذب " في حديث أم سلمة هذا : حديث حسن رواه أبو داود ، والترمذي ، وغيرهما .

قال الخطابي : أثنى البخاري على هذا الحديث ، ويعتضد هذا الحديث بأحاديث بمعناه من رواية أبي الدرداء ، وأنس ، ومعاذ ، وعثمان بن أبي العاص ، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، وقال النووي أيضا بعد هذا الكلام : " واعتمد أكثر أصحابنا جوابا آخر وهو تضعيف الحديث ، وهذا الجواب مردود ، بل الحديث جيد كما سبق " .

وأجاب القائلون بأن أكثر النفاس ستون عن هذا الحديث الدال على أنه أربعون بأجوبة ، أوجهها عندي أن الحديث إنما يدل على أنها تجلس أربعين ، ولا دلالة فيه على أن الدم إن تمادى بها لم تجلس أكثر من الأربعين ، فمن الممكن أن تكون النساء المذكورة في الحديث لم يتماد الحيض بها إلا أربعين فنص الحديث على أنها تجلس الأربعين ، ولا [ ص: 236 ] ينافي أن الدم لو تمادى عليها أكثر من الأربعين لجلست أكثر من الأربعين ، ويؤيده أن الأوزاعي رحمه الله قال : " عندنا امرأة ترى النفاس شهرين " ، وذلك مشاهد كثيرا في النساء . والعلم عند الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية