صفحة جزء
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم : تفضيله الذكر على الأنثى في الميراث ، كما قال تعالى : وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم [ 4 \ 176 ] .

وقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه يبين لخلقه هذا البيان الذي من جملته تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث لئلا يضلوا ، فمن سوى بينهما فيه فهو ضال قطعا .

ثم بين أنه أعلم بالحكم والمصالح وبكل شيء من خلقه بقوله : والله بكل شيء عليم [ 4 \ 176 ] ، وقال : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [ 4 \ 11 ] .

ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها : تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث الذي ذكره الله تعالى . كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم ; أي وهو الرجال على بعض [ 4 \ 34 ] ، أي وهو النساء ، وقوله : وللرجال عليهن درجة [ 2 \ 228 ] ، وذلك لأن الذكورة في كمال خلقي ، وقوة طبيعية ، وشرف وجمال ، والأنوثة نقص خلقي ، وضعف طبيعي ، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء ، لا يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس .

وقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله : أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين [ 43 \ 18 ] ; لأن الله أنكر عليهم في هذه الآية الكريمة أنهم نسبوا له ما لا يليق به من الولد ، ومع ذلك نسبوا له أخس الولدين وأنقصهما وأضعفهما ، ولذلك ينشأ في الحلية ; أي : الزينة من أنواع الحلي والحلل ليجبر نقصه الخلقي [ ص: 25 ] الطبيعي بالتجميل بالحلي والحلل وهو الأنثى . بخلاف الرجل ، فإن كمال ذكورته وقوتها وجمالها يكفيه على الحلي ، كما قال الشاعر :


وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا     وأما إذا كان الجمال موفرا
كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا



وقال تعالى : ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى [ 53 \ 21 - 22 ] ، وإنما كانت هذه القسمة ضيزى - أي غير عادلة - لأن الأنثى أنقص من الذكر خلقة وطبيعة ، فجعلوا هذا النصيب الناقص لله جل وعلا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ! وجعلوا الكامل لأنفسهم كما قال : ويجعلون لله ما يكرهون [ 16 \ 62 ] ، أي وهو البنات . وقال : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم إلى قوله : ساء ما يحكمون [ 16 \ 58 ، 59 ] ، وقال : وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا - أي وهو الأنثى - ظل وجهه مسودا وهو كظيم [ 43 \ 17 ] .

وكل هذه الآيات القرآنية تدل على أن الأنثى ناقصة بمقتضى الخلقة والطبيعة ، وأن الذكر أفضل وأكمل منها : أاصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون [ 37 \ 153 - 154 ] ، أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا الآية [ 17 \ 40 ] ، والآيات الدالة على تفضيله عليها كثيرة جدا .

ومعلوم عند عامة العقلاء : أن الأنثى متاع لا بد له ممن يقوم بشئونها ويحافظ عليه .

وقد اختلف العلماء في التمتع بالزوجة : هل هو قوت ؟ أو تفكه ؟ وأجرى علماء المالكية على هذا الخلاف حكم إلزام الابن بتزويج أبيه الفقير ، قالوا : فعلى أن النكاح قوت فعليه تزويجه ؟ لأنه من جملة القوت الواجب له عليه . وعلى أنه تفكه لا يجب عليه على قول بعضهم ، فانظر شبه النساء بالطعام والفاكهة عند العلماء ، وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن قتل النساء والصبيان في الجهاد ، لأنهما من جملة مال المسلمين الغانمين ، بخلاف الرجال فإنهم يقتلون .

ومن الأدلة على أفضلية الذكر على الأنثى : أن المرأة الأولى خلقت من ضلع الرجل الأول . فأصلها جزء منه . فإذا عرفت من هذه الأدلة : أن الأنوثة نقص خلقي ، وضعف طبيعي ، فاعلم أن العقل الصحيح الذي يدرك الحكم والأسرار ، يقضي بأن الناقص الضعيف بخلقته وطبيعته ، يلزم أن يكون تحت نظر الكامل في خلقته ، القوي بطبيعته ; [ ص: 26 ] ليجلب له ما لا يقدر على جلبه من النفع ، ويدفع عنه ما لا يقدر على دفعه من الضر ، كما قال تعالى : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض [ 4 \ 34 ] .

وإذا علمت ذلك فاعلم أنه لما كانت الحكمة البالغة ، تقتضي أن يكون الضعيف الناقص مقوما عليه من قبل القوي الكامل ، اقتضى ذلك أن يكون الرجل ملزما بالإنفاق على نسائه ، والقيام بجميع لوازمهن في الحياة ، كما قال تعالى : وبما أنفقوا من أموالهم [ 4 \ 34 ] ، ومال الميراث ما مسحا في تحصيله عرقا ، ولا تسببا فيه البتة ، وإنما هو تمليك من الله ملكهما إياه تمليكا جبريا ، فاقتضت حكمة الحكيم الخبير أن يؤثر الرجل على المرأة في الميراث وإن أدليا بسبب واحد ; لأن الرجل مترقب للنقص دائما بالإنفاق على نسائه ، وبذل المهور لهن ، والبذل في نوائب الدهر ، والمرأة مترقبة للزيادة بدفع الرجل لها المهر ، وإنفاقه عليها وقيامه بشئونها ، وإيثار مترقب النقص دائما على مترقب الزيادة دائما لجبر بعض نقصه المترقب ، حكمته ظاهرة واضحة ، لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي ، ولذا قال تعالى : للذكر مثل حظ الأنثيين [ 4 \ 11 ] ، ولأجل هذه الحكم التي بينا بها فضل نوع الذكر على نوع الأنثى في أصل الخلقة والطبيعة ، جعل الحكيم الخبير الرجل هو المسئول عن المرأة في جميع أحوالها . وخصه بالرسالة والنبوة والخلافة دونها ، وملكه الطلاق دونها ، وجعله الولي في النكاح دونها ، وجعل انتساب الأولاد إليه لا إليها ، وجعل شهادته في الأموال بشهادة امرأتين في قوله تعالى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء [ 2 \ 282 ] ، وجعل شهادته تقبل في الحدود والقصاص دونها ، إلى غير ذلك من الفوارق الحسية والمعنوية والشرعية بينهما .

ألا ترى أن الضعف الخلقي والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجال ، مع أنه يعد من جملة محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب ، قال جرير :


إن العيون التي في طرفها حور     قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك     به وهن أضعف خلق الله أركانا



وقال ابن الدمينة :


بنفسي وأهلي من إذا عرضوا     له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
فلم يعتذر عذر البريء     ولم تزل به سكتة حتى يقال مريب



[ ص: 27 ] فالأول : تشبب بهن بضعف أركانهن ، والثاني : بعجزهن عن الإبانة في الخصام ; كما قال تعالى : وهو في الخصام غير مبين [ 43 \ 18 ] ، ولهذا التباين في الكمال والقوة بين النوعين ، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم اللعن على من تشبه منهما بالآخر . قال البخاري في صحيحه : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال " ، هذا لفظ البخاري في صحيحه ، ومعلوم أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله ; لأن الله يقول :وما آتاكم الرسول فخذوه الآية [ 59 \ 7 ] ، كما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه كما تقدم .

فلتعلمن أيتها النساء اللاتي تحاولن أن تكن كالرجال في جميع الشئون أنكن مترجلات متشبهات بالرجال ، وأنكن ملعونات في كتاب الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك المخنثون المتشبهون بالنساء ، فهم أيضا ملعونون في كتاب الله على لسانه صلى الله عليه وسلم ، ولقد صدق من قال فيهم :


وما عجبي أن النساء ترجلت     ولكن تأنيث الرجال عجاب



واعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه : أن هذه الفكرة الكافرة ، الخاطئة الخاسئة ، المخالفة للحس والعقل ، وللوحي السماوي وتشريع الخالق البارئ من تسوية الأنثى بالذكر في جميع الأحكام والميادين ، فيها من الفساد والإخلال بنظام المجتمع الإنساني ما لا يخفى على أحد إلا من أعمى الله بصيرته . وذلك لأن الله جل وعلا جعل الأنثى بصفاتها الخاصة بها صالحة لأنواع من المشاركة في بناء المجتمع الإنساني ، صلاحا لا يصلحه لها غيرها ، كالحمل والوضع ، والإرضاع وتربية الأولاد ، وخدمة البيت ، والقيام على شئونه . من طبخ وعجن وكنس ونحو ذلك . وهذه الخدمات التي تقوم بها للمجتمع الإنساني داخل بيتها في ستر وصيانة ، وعفاف ومحافظة على الشرف والفضيلة والقيم الإنسانية ، لا تقل عن خدمة الرجل بالاكتساب ، فزعم أولئك السفلة الجهلة من الكفار وأتباعهم : أن المرأة لها من الحقوق في الخدمة خارج بيتها مثل ما للرجل ، مع أنها في زمن حملها ورضاعها ونفاسها ، لا تقدر على مزاولة أي عمل فيه أي مشقة كما هو مشاهد ، فإذا خرجت هي وزوجها بقيت خدمات البيت كلها ضائعة : من حفظ الأولاد الصغار ، وإرضاع من هو في زمن الرضاع منهم ، وتهيئة الأكل والشرب للرجل إذا جاء من عمله ، فلو أجروا إنسانا يقوم مقامها ، لتعطل ذلك الإنسان في ذلك البيت التعطل الذي خرجت [ ص: 28 ] المرأة فرارا منه ; فعادت النتيجة في حافرتها على أن خروج المرأة وابتذالها فيه ضياع المروءة والدين ; لأن المرأة متاع ، هو خير متاع الدنيا ، وهو أشد أمتعة الدنيا تعرضا للخيانة .

لأن العين الخائنة إذا نظرت إلى شيء من محاسنها فقد استغلت بعض منافع ذلك الجمال خيانة ومكرا . فتعريضها لأن تكون مائدة للخونة فيه ما لا يخفى على أدنى عاقل ، وكذلك إذا لمس شيئا من بدنها بدن خائن سرت لذة ذلك اللمس في دمه ولحمه بطبيعة الغريزة الإنسانية ، ولا سيما إذا كان القلب فارغا من خشية الله تعالى ، فاستغل نعمة ذلك البدن خيانة وغدرا ، وتحريك الغرائز بمثل ذلك النظر واللمس يكون غالبا سببا لما هو شر منه . كما هو مشاهد بكثرة في البلاد التي تخلت عن تعاليم الإسلام ، وتركت الصيانة . فصارت نساؤها يخرجن متبرجات عاريات الأجسام إلا ما شاء الله . لأن الله نزع من رجالها صفة الرجولة والغيرة على حريمهم . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم نعوذ بالله من مسخ الضمير والذوق ، ومن كل سوء ، ودعوى الجهلة السفلة : أن دوام خروج النساء بادية الرءوس والأعناق والمعاصم ، والأذرع والسوق ، ونحو ذلك يذهب إثارة غرائز الرجال ; لأن كثرة الإمساس تذهب الإحساس ; كلام في غاية السقوط والخسة ; لأن معناه : إشباع الرغبة مما لا يجوز ، حتى يزول الأرب منه بكثرة مزاولته ، وهذا كما ترى . ولأن الدوام لا يذهب إثارة الغريزة باتفاق العقلاء ; لأن الرجل يمكث مع امرأته سنين كثيرة حتى تلد أولادهما ، ولا تزال ملامسته لها ، ورؤيته لبعض جسمها تثير غريزته . كما هو مشاهد لا ينكره إلا مكابر :


لقد أسمعت لو ناديت حيا     ولكن لا حياة لمن تنادي



وقد أمر رب السموات والأرض ، خالق هذا الكون ومدبر شئونه ، العالم بخفايا أموره وبكل ما كان وما سيكون بغض البصر عما لا يحل ; قال تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن . . . الآية [ 24 \ 30 ، 31 ] .

ونهى المرأة أن تضرب برجلها لتسمع الرجال صوت خلخالها في قوله : ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن [ 24 \ 31 ] ، ونهاهن عن لين الكلام ، لئلا يطمع أهل الخنى فيهن ، قال تعالى : فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض [ ص: 29 ] وقلن قولا معروفا [ 32 \ 33 ] ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق المقام في مسألة الحجاب في ( سورة الأحزاب ) ، كما قدمنا الوعد بذلك في ترجمة هذا الكتاب المبارك .

التالي السابق


الخدمات العلمية