صفحة جزء
تنبيه

إذا كان بعض أولياء الدم صغيرا ، أو مجنونا ، أو غائبا ; فهل للبالغ الحاضر العاقل : القصاص قبل قدوم الغائب ، وبلوغ الصغير ، وإفاقة المجنون ؟ أو يجب انتظار قدوم الغائب ، وبلوغ الصغير . . ! إلخ .

فإن عفا الغائب بعد قدومه ، أو الصغير بعد بلوغه مثلا سقط القصاص ووجبت الدية ; في ذلك خلاف مشهور بين أهل العلم .

فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا بد من انتظار بلوغ الصغير ، وقدوم الغائب ، وإفاقة المجنون .

وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد ، قال ابن قدامة : وبهذا قال ابن شبرمة ، والشافعي ، وأبو يوسف ، وإسحاق ، ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه ; وبه قال حماد ، ومالك ، والأوزاعي ، والليث ، وأبو حنيفة اه محل الغرض من كلام صاحب المغني .

وذكر صاحب المغني أيضا : أنه لا يعلم خلافا في وجوب انتظار قدوم الغائب ، ومنه استبداد الحاضر دونه .

قال مقيده عفا الله عنه : إن كانت الغيبة قريبة فهو كما قال ، وإن كانت بعيدة ففيه [ ص: 124 ] خلاف معروف عند المالكية ، وظاهر المدونة الانتظار ولو بعدت غيبته .

وقال بعض علماء المالكية ، منهم سحنون : لا ينتظر بعيد الغيبة ، وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره في مذهب مالك ، الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتوى بقوله : وانتظر غائبا لم تبعد غيبته ، لا مطبقا وصغيرا لم يتوقف الثبوت عليه .

وقال ابن قدامة في " المغني " ما نصه : والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقا أربعة أمور : أحدها أنه لو كان منفردا لاستحقه ; ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردا كولاية النكاح . والثاني : أنه لو بلغ لاستحق ، ولو لم يكن مستحقا عند الموت لم يكن مستحقا بعده ; كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه . والثالث : أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق ، ولو لم يكن مستحقا للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي . والرابع : أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته ، ولو لم يكن حقا لم يرثه كسائر ما لم يستحقه .

واحتج من قال : إنه لا يلزم انتظار بلوغ الصبي ، ولا إفاقة المجنون المطبق بأمرين :

أحدهما : أن القصاص حق من حقوق القاصر ، إلا أنه لما كان عاجزا عن النظر لنفسه كان غيره يتولى النظر في ذلك كسائر حقوقه ، فإن النظر فيها لغيره ، ولا ينتظر بلوغه في جميع التصرف بالمصلحة في جميع حقوقه ، وأولى من ينوب عنه في القصاص الورثة المشاركون له فيه . وهذا لا يرد عليه شيء من الأمور الأربعة التي ذكرها صاحب المغني ; لأنه يقال فيه بموجبها فيقال فيه : هو مستحق لكنه قاصر في الحال ، فيعمل غيره بالمصلحة في حقه في القصاص كسائر حقوقه ; ولا سيما شريكه الذي يتضرر بتعطيل حقه في القصاص إلى زمن بعيد .

الأمر الثاني : أن الحسن بن علي رضي الله عنه قتل عبد الرحمن بن ملجم المرادي قصاصا بقتله عليا رضي الله عنه ، وبعض أولاد علي إذ ذاك صغار ، ولم ينتظر بقتله بلوغهم ، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم ، وقد فعل ذلك بأمر علي رضي الله عنه كما هو مشهور في كتب التاريخ ، ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجبا لانتظره .

وأجيب عن هذا من قبل المخالفين بجوابين : أحدهما أن ابن ملجم كافر ; لأنه مستحل دم علي ، ومن استحل دم مثل علي رضي الله عنه فهو كافر ، وإذا كان كافرا فلا حجة في قتله . الثاني : أنه ساع في الأرض بالفساد ، فهو محارب ، والمحارب إذا قتل وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم ; كما قدمناه في سورة " المائدة " وإذن فلا [ ص: 125 ] داعي للانتظار .

قال : البيهقي في السنن الكبرى ما نصه : قال بعض أصحابنا : إنما استبد الحسن بن علي رضي الله عنهما بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد علي رضي الله عنه ; لأنه قتله حدا لكفره لا قصاصا .

وقال ابن قدامة في " المغني " : فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله بكفره ; لأنه قتل عليا مستحلا لدمه ، معتقدا كفره ، متقربا بذلك إلى الله تعالى ، وقيل : قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح ، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل ، وقتله متحتم ، وهو إلى الإمام ، والحسن هو الإمام ، ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة ، ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم ، وإن قدر أنه قتله قصاصا فقد اتفقنا على خلافه ، فكيف يحتج به بعضنا على بعض . انتهى كلام صاحب المغني .

وقال ابن كثير في تاريخه ما نصه : قال العلماء : ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي ; فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه . قالوا : لأنه كان قتل محاربة لا قصاصا ، والله أعلم اه .

واستدل القائلون بأن ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أشقى الأولين " ؟ قلت : عاقر الناقة . قال : " صدقت . فمن أشقى الآخرين " ؟ قلت : لا علم لي يا رسول الله . قال : " الذي يضربك على هذا - وأشار بيده على يافوخه - فيخضب هذه من هذه - يعني لحيته - من دم رأسه " قال : فكان يقول : وددت أنه قد انبعث أشقاكم " وقد ساق طرق هذا الحديث ابن كثير رحمه الله في تاريخه ، وابن عبد البر في " الاستيعاب " وغيرهما .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي عليه أهل التاريخ والأخبار - والله تعالى أعلم - أن قتل ابن ملجم كان قصاصا لقتله عليا رضي الله عنه ، لا لكفر ولا حرابة ، وعلي رضي الله عنه لم يحكم بكفر الخوارج ، ولما سئل عنهم قال : من الكفر فروا ، فقد ذكر المؤرخون أن عليا رضي الله عنه أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ويحسنوا إساره ، وأنه إن مات قتلوه به قصاصا ، وإن حيي فهو ولي دمه ; كما ذكره ابن جرير ، وابن الأثير ، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم .

وذكره البيهقي في سننه ، وهو المعروف عند الإخباريين ، ولا شك أن ابن ملجم [ ص: 126 ] متأول - قبحه الله - ولكنه تأويل بعيد فاسد ، مورد صاحبه النار ، ولما ضرب عليا رضي الله عنه قال : الحكم لله يا علي ، لا لك ولا لأصحابك ، ومراده أن رضاه بتحكيم الحكمين : أبي موسى ، وعمرو بن العاص ، كفر بالله ; لأن الحكم لله وحده ; لقوله : إن الحكم إلا لله [ 6 \ 57 - 12 \ 40 ] .

ولما أراد أولاد علي رضي الله عنه أن يتشفوا منه فقطعت يداه ورجلاه لم يجزع ، ولا فتر عن الذكر ، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله ، وقرأ سورة : اقرأ باسم ربك [ 96 \ 1 ] إلى آخرها ، وإن عينيه لتسيلان على خديه ، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : إني أخاف أن أمكث فواقا لا أذكر الله ( ا ه ) ذكره ابن كثير وغيره .

ولأجل هذا قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم - قبحه الله - في قتله أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه :


يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا     إني لأذكره يوما فأحسبه
أوفى البرية عند الله ميزانا



وجزى الله خيرا الشاعر الذي يقول في الرد عليه :


قل لابن ملجم والأقدار غالبة     هدمت ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم     وأول الناس إسلاما وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما     سن الرسول لنا شرعا وتبيانا
صهر النبي ومولاه وناصره     أضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له     مكان هارون من موسى بن عمرانا


ذكرت قاتله والدمع منحدر     فقلت سبحان رب العرش سبحانا
إني لأحسبه ما كان من بشر     يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدت قبائلها     وأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التي جلبت     على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها     قبل المنية أزمانا فأزمانا
فلا عفا الله عنه ما تحمله     ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجترما     ونال ما ناله ظلما وعدوانا


[ ص: 127 ] " يا ضربة من تقي ما أراد بها     إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
"

بل ضربة من غوي أوردته لظى     فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصدا بضربته     إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا



وبما ذكرنا تعلم أن قتل الحسن بن علي رضوان الله عنه لابن ملجم قبل بلوغ الصغار من أولاد علي يقوي حجة من قال بعدم انتظار بلوغ الصغير .

وحجة من قال أيضا بكفره قوية ; للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين ، مقرونا بقاتل ناقة صالح المذكور في قوله : إذ انبعث أشقاها ، وذلك يدل على كفره ، والعلم عند الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية