صفحة جزء
( التفسير المرفوع لمفاتح الغيب ) .

هذا وإن في تفسير مفاتح الغيب حديثا صحيحا فيه مباحث دقيقة ، فقد روى البخاري في تفسير سورة الأنعام عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتيح الغيب خمس : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) ( 31 : 34 ) " وهذه الآية خاتمة " سورة لقمان " ، وقد روى البخاري في تفسيرها هذا الحديث ، عن عبد الله بن عمر مرفوعا بلفظ " مفاتيح الغيب خمس " ثم قرأ ( إن الله عنده علم الساعة ) ورواه بلفظ " مفاتيح " في كتاب التوحيد أيضا ، وبلفظ " مفاتح " في تفسير المائدة والرعد ، وبلفظ " مفتاح " في أبواب الاستسقاء ، وروى أحمد والبزار ، وصححه ابن حبان والحاكم ، من حديث بريدة رفعه قال : " خمس لا يعلمهن إلا الله : ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية . وذكر العلماء في تفسير الآية والحديث قول عيسى - عليه السلام - الذي حكاه الله تعالى عنه في سورة آل عمران : ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) ( 3 : 49 ) وقول يوسف عليه السلام لصاحبي السجن الذي حكاه الله عنه في سورته : ( لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ) ( 12 : 37 ) وأجابوا عنه بأنه داخل في فيما يظهر الله عليه رسله من علم الغيب ، فقد قال في سورة الجن : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) ( 72 : 26 ، 27 ) وأدخلوا فيه ما نقل كثيرا عن الأولياء من الكشف المشتمل على مثل هذه الحوادث من كسب الناس والإخبار بما في الأرحام ، وبموت بعض الناس قبل وقوعه ، ووجهوه بأن الولي لما حصل له هذا الكشف باتباعه للرسول كان الكشف للرسول بالأصالة وله بالتبع ، وقد أشار إلى ذلك صاحب الهمزية بقوله :


والكرامات منهم معجزات حازها من نوالك الأولياء

[ ص: 387 ] ولكن ظاهر الحصر في الآية ينافي هذا الرأي ، والصواب في هذا الباب ما حققناه هنا وفي تفسير الآية الخمسين من هذه السورة " الأنعام " فمنه يعلم أن أمثال هذه المكاشفات ليست من علم الغيب الحقيقي الذي استأثر الله به ، وأن ما يظهر الله عليه الرسل من الغيب الحقيقي لا يقتضي أن يكون من علمهم الكسبي الذي يصح أن يسند إليهم على سبيل الحقيقة .

سبب الذكورة والأنوثة في الحمل :

ومما قد يستشكله في هذا المقام من لم يقف على حقيقة علم الغيب التي حررناها هنا وفي تفسير الآية الخمسين من هذه السورة - ما اكتشفه بعض الأطباء من سنة الله تعالى في سبب الذكورة والأنوثة في الحمل ، وملخصه أن البيوض التي يحصل الحمل بتلقيحها بماء الذكر منها ما يخلقه الله تعالى في جانب الرحم الأيمن ومنه يتكون الذكور ، ومنها ما يخلقه في جانب الرحم الأيسر ومنه يتولد الإناث ، وأن البيوض توجد بالتناوب في أثناء حيض المرأة فحيضة تنتهي بخلق بيوض الذكور في الجانب الأيمن ، فإذا حصل التلقيح عقبها كان الجنين ذكرا ، وحيضة تنتهي بضد ذلك ، فإذا حصل التلقيح عقبها كان الجنين أنثى ، وقد ألفوا في بيان هذه السنة الإلهية كتبا منها ( كتاب تعليل النوع ) من تأليف الطبيب " رملي دوسون " الإنكليزي ، وقد ترجمه بالعربية الطبيب محمد عبد الحميد المصري . ومن علم أشهر ولادة امرأة سهل عليه أن يعرف بمقتضى هذه السنة نوع الجنين في الحمل الثاني ، ويتسلسل ذلك فيما بعده إذا كان الحمل منتظما والوضع في موعده ، ولكن لا يمكن أن يكون العلم بذلك مطردا في كل أنثى لأسباب تحول دون ذلك بينها الباحثون في هذه المسألة ، قال صاحب كتاب " تعليل النوع " في أول الفصل الخامس والعشرين الذي عنوانه ( التنبؤ بنوع الطفل الآتي ) ما ترجمته :

بعد معرفة أن تكوين البيض يحدث بالتناوب ؛ مرة من المبيض الأيمن أو الذكر ، ومرة من المبيض الأيسر أو الأنثى - تمكنت من التنبؤ بمعرفة نوع الطفل الآتي في النساء الحوامل من مرضاي وغيرهن ممن لم تسبق لي رؤيتهن ، وأذكر أني نجحت في ( 97 ) في المائة ، وأما الفشل في الأحوال الثلاثة الباقية من المائة فتابع لعدم استطاعة الأم أن تخبرني بالدقة عن شهر الولادة . فمثلا : إذا أخبرتني مريضة أنها ستضع في يونيو وتنبأت أن طفلها أنثى ، ثم هي وضعت طفلا ذكرا كامل العدة في مايو ( أيار ) أو يوليو ( تموز ) يكون النبأ خطأ ، ولو أنها أخبرتني أن الولادة ستحدث في مايو أو يوليو لتنبأت لها بأن الطفل ذكرا .

" والتنبؤ بنوع الطفل لا بد أن يكون عن الأطفال التي تولد في ميعادها تماما ; لأن الأطفال التي تولد قبل الميعاد قد تجعل النبأ خطأ ; لأن الطفل إذا ولد قبل الميعاد بشهرين يكون الميعاد صحيحا ، وأما إذا ولد قبل الميعاد ببضعة أيام لشهر يكون النبأ كاذبا ، ومثل الأطفال المولودة قبل الميعاد أحوال الإجهاض ، وكلها تختلف في عمل الحساب في الحمل السالف .

[ ص: 388 ] ونشأ الفشل في أحوال أخرى من تكوين بيض تكوينا غير قياسي ، فبدلا من أن يحدث البيض كل ( 28 ) يوما مرة بانتظام يحدث كل ( 21 ) يوما أو ( 20 ) يوما ، وينشأ الخطأ أيضا بعدم الانتظام في الدورة البيضية OVULATION RHYTHM كحدوث البيض في المبيضين في وقت واحد كما يتضح من ولادة توأمين مختلفي النوع في وقت واحد .

" وكذلك إذا حدث الحمل أثناء الرضاعة ومدة غياب الحيض فوقتئذ يصعب معرفة أي مبيض هيأ البويضة التي تلقحت .

فإذا فرضنا أن متوسط نوبة الحيض هي ( 28 ) يوما أو أربعة أسابيع ( والحيض العلامة الظاهرية على البيض ) تتكرر ظاهرة تكوين البيض ( 13 ) مرة في أسابيع السنة ، وهي ( 52 ) أسبوعا ، وأما إذا حدث البيض في كل ( 21 ) يوما فتزداد المرات ، وإذا حدث كل ( 30 ) يوما فالعدد ينقص إلى ( 12 ) مرة مع زيادة مرة كل ست سنوات .

ويشترط معرفة كل هذه الخواص في النساء عند التنبؤ بالنوع ، ويمكن الطبيب بعد معرفة القواعد والأمثلة الآتية أن يتنبأ بنوع الطفل في المرأة الحامل إذا كان هو طبيبها ، كما يمكن أن يخبر النساء عن الشهور التي يجب الامتناع فيها إذا أريد الحصول على نوع مخصوص .

يمكن عمل ذلك بالقريب بوساطة جدول الولادة الاعتيادي ; لأننا إذا عرفنا نوع الطفل الأخير ويوم ميلاده نعرف شهر تكوين البيض ، وبالطبع نوع البويضة المخصوصة بكل سهولة من الجدول ، ولكني رأيت أن الأسهل استخراج ذلك بوساطة طريقة الأربعين أسبوعا التي أذكرها هنا .

يجب الحصول على الأشياء الآتية من المريضة أو الحامل حتى يمكن التنبؤ بنوع الطفل :

كم مرة يحدث الحيض عندكم ؟ كم يوما يمكث الحيض في كل مرة ؟ هل الحيض منتظم ؟ في أي يوم كان ميلاد الطفل الأخير ؟ ( يذكر اليوم والشهر والسنة ) أنوع الطفل ذكر أم أنثى ؟ ما مدة رضاعتك للطفل إذا كنت أنت التي ترضعينه ؟ متى يرجع الحيض بعد الولادة ؟ هل حدث إجهاض منذ الولادة الأخيرة ؟ .

مدة الحمل الاعتيادية للمرأة ( 280 ) يوما أو عشرة أشهر كل شهر أربعة أسابيع - أي أربعون أسبوعا في سبعة أيام . ولا بد من هجر الاصطلاح " تسعة أشهر الحمل " .

فإذا عرفنا يوم ميلاد الطفل الأخير نرجع أربعين أسبوعا حتى نعرف شهر تكوين البيض أو الشهر الذي تلقحت فيه البويضة التي تكون منها الطفل ، فإذا عرفنا نوع الطفل نتقدم من هذا الشهر بالتناوب حتى نصل إلى مرة تكوين البيض العاشرة قبل شهر الولادة المنتظر فيه ولادة الطفل الحديث مع حساب نوبة تكوين بيض إضافية بين شهري ديسمبر [ ص: 389 ] ويناير - كانون الأول وكانون الثاني - لكل سنة تالية ، وبذلك نعرف نوع البيضة التي تلقحت والتي تكون المرأة حاملا بها ، وبذلك نتمكن من معرفة نوع الطفل الآتي .

ولوجود ( 13 ) مرة تكوين بيض في السنة نرى أن تكوين البويضة الملقحة في أكتوبر - تشرين الأول - من سنة يجعل البيض الثاني في أكتوبر من النوع المضاد بسبب زيادة الشهر الثالث عشر أو النوبة الثالثة عشرة التي يلزم إضافتها بين شهري أكتوبر ، فمثلا إذا ولدت المرأة طفلا في شهر من سنة وطفلا آخر في نفس الشهر من السنة التالية يكون الطفلان مختلفي النوع " . انتهى المراد من هذا الفصل ، وقد ذكر المؤلف أمثلة كثيرة لقاعدته .

فمعرفة نوع الحمل في الرحم بهذه الطريقة يعد من علوم البشر الكسبية ؛ إذ هو معرفة المسبب بسببه ، وهو لا يعارض كون علم الله تعالى بما في الأرحام من مفاتح علم الغيب التي لا يعلمها إلا هو ، فإن معنى هذا الحصر أن ما سيحدث في عالم الحيوان من التكوين في المستقبل هو من خزائن الغيب التي لا يحيط بما فيها إلا الله ، ومفتاح العلم بأي شيء منها عنده ، فإذا هدى عباده إلى سنة من سننه التي هي مفتاح موصل إلى الاطلاع على بعض ما تحتويه هذه الخزانة فذلك لا ينفي ما ذكر .

بعد أن كتبت ما تقدم في المسألة وطبع في المنار بقي في نفسي شيء منه ، فتفكرت فيه عند النوم فظهر لي أن العلم بسنة الله تعالى في سبب الذكورة والأنوثة لم يترتب عليه علم أحد علما قطعيا بما في رحم امرأة بعينها حتى مع العلم بالشروط التي اشترطوها للعلم بذلك - دع العلم بجميع ما في أرحام جميع الإناث من أنواع الحيوان كلها - وإنما ترتب عليه الظن الغالب في حال العلم بالشروط ، والجهل التام في حال عدم العلم بها . والعلم الصحيح بما في الرحم هو الذي لا يتوقف على صدق الحامل فيما أخبرت من تحديد شهر الولادة ولا على خلو الرحم من بيض تكون على خلاف القاعدة التي ذكروها من كون الأصل فيه أن يكون مرة في كل أربعة أسابيع ، فإنهم جزموا بأن هذه القاعدة غير مطردة - ولا على تكون البيض في جانبي الرحم في وقت واحد وهو الذي يكون سبب الحمل بالتوأمين المختلفين ، فاحتمال وقوع هذه الأحوال في كل حمل وإن كان قليلا ينفي العلم القطعي بما في رحم أي امرأة بعينها ، فما القول في العلم بما في الأرحام كلها ؟ .

خطر لي هذا المعنى في الفراش ، وانتقل ذهني منه إلى قوله تعالى في سورة الرعد : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ( 13 : 8 ، 9 ) فهو وحده الذي يعلم حمل كل أنثى أذكر هو [ ص: 390 ] أم أنثى . وما تغيض الأرحام من نقص الحمل أو فساده بعد العلوق ، وما تزداد من الحمل كالحمل بالتوأمين أو أكثر . وقد روى الشافعي عن شيخ بمنى أن امرأته ولدت له بطونا في كل منها خمسة أولاد ، فأنى يهتدي إلى العلم بمثل هذه النوادر الأطباء ؟ وسنزيد هذا البحث إيضاحا في سورة الرعد إذا أطال الله عمرنا ووفقنا لتفسيرها .

التالي السابق


الخدمات العلمية