صفحة جزء
( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) أي ولا تفسدوا في الأرض بعمل ضائر ولا بحكم جائر ، مما ينافي صلاح الناس في أنفسهم كعقولهم وعقائدهم وآدابهم الشخصية والاجتماعية ، أو في معايشهم ومرافقهم من زراعة وصناعة وتجارة وطرق مواصلة ووسائل تعاون - لا تفسدوا فيها بعد إصلاح الله تعالى لها بما خلق فيها من المنافع ، وما هدى الناس إليه من استغلالها والانتفاع بتسخيرها لهم ، وامتنانه بها عليهم ، بمثل قوله : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) ( 2 : 29 ) وقوله : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ( 45 : 13 ) ومن إقامة الحق والعدل والفضيلة فيها ، فالإصلاح الأعظم إنما هو إصلاحه تعالى لحال البشر ، بهداية الدين وإرسال الرسل ، وإكمال ذلك ببعثة خاتم النبيين والمرسلين ، الرحمة العامة للعالمين ، فأصلح به عقائد البشر ببنائها على البرهان ، وأصلح به أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها بين مصالح الروح والجسد وما شرع لهم من التعاون والتراحم ، وأصلح سياستهم ونوع الحكم بينهم بشرع حكومة الشورى المقيدة بأصول درء المفاسد وحفظ المصالح والعدل والمساواة . والبشر سادة هذه الأرض ، وهم منها كالقلب من الجسد والعقل من النفس ، فإذا صلحوا صلح كل شيء ، وإذا فسدوا فسد كل شيء . وأشد الفساد الكبر والعتو ، الداعيان إلى الظلم والعلو ، ألم تر إلى هؤلاء الإفرنج كيف أصلحوا كل ما في الأرض من معدن ونبات وحيوان ، وعجزوا عن إصلاح نفس الإنسان ، بمعاداتهم أكمل الأديان ، فحولت دولهم كل ما اهتدى إليه علماؤهم من وسائل العمران ، إلى إفساد نوع الإنسان ، وتعادى شعوبه بالتنازع على الملك والسلطان ، وإباحة الكفر والفسوق والعصيان ، وبذل ثروة العاملين من شعوبهم ، في سبيل التنكيل بالمخالفين لهم ، والجناية على أعدائهم ولو بالجناية على أنفسهم . [ ص: 410 ] وروى أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش أنه سئل عن قوله : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) ( 56 ، 85 ) فقال : إن الله بعث محمدا إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض اهـ . والإفساد بعد الإصلاح أظهر قبحا من الإفساد على الإفساد ، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجري على سننه . فكيف إذا هو أفسد وأخرجه عن وضعه ؟ ولذلك خصه بالذكر ، وإلا فالإفساد مذموم ومنهي عنه في كل حال ، فحجة الله على الخلوف والخلائف من المسلمين المفسدين ، لما كان من إصلاح السلف الصالحين ، أظهر من حجته على الكافرين ، الذين هم أحسن حالا من سلفهم الغابرين .

( وادعوه خوفا وطمعا ) أعاد الأمر بالدعاء بقيد آخر بعد أن وسط بينهما النهي عن الإفساد ، للإيذان بأن من لا يعرف نفسه بالحاجة والافتقار إلى رحمة ربه الغني القدير وفضله وإحسانه ، ولا يدعوه تضرعا وخفية ولا خوفا من عقابه وطمعا في غفرانه ، فإنه يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح ، إلا أن يعجز . والمعنى : وادعوه خائفين أو ذوي خوف من عقابه إياكم على مخالفتكم لشرعه المصلح لأنفسكم ولذات بينكم ، وتنكبكم لسننه المطردة في صحة أجسامكم وشئون معايشكم - وهذا العقاب يكون بعضه في الدنيا وباقيه في الآخرة - وطامعين في رحمته وإحسانه في الدنيا والآخرة .

والقول الجامع في حال النفس عند الدعاء أن تكون غارقة في الشعوب بالعجز والافتقار إلى الرب القديم الرحيم ، الذي بيده ملكوت كل شيء . يصرف الأسباب ، ويعطي بحساب وغير حساب ، فإن دعاء الرب الكريم بهذا الشعور ، يقوي أمل النفس ، ويحول بينها وبين اليأس ، عند تقطع الأسباب ، والجهل بوسائل النجاح ، ولو لم يكن للدعاء فائدة إلا هذا لكفى ، فكيف وهو مخ العبادة ولبابها ، وإجابته مرجوة بعد استكمال شروطه وآدابه ، وأولها عدم الاعتداء فيه ، فإن لم تكن بإعطاء الداعي ما طلبه ، كانت بما يعلم الله أنه خير له منه . ولا أرى بأسا بأن أقول غير مبال بإنكار المحرومين : إنني قلما دعوت الله دعاء خفيا شرعيا رغبة ورهبة إلا استجاب لي ، أو ظهر لي ولو بعد حين أن عدم الإجابة كان خيرا منها .

التالي السابق


الخدمات العلمية