1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة البقرة
  4. تفسير قوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر
صفحة جزء
ثم قال تعالى : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) وهذا انتقال من البر في الأعمال إلى البر في الأخلاق والأعمال الاجتماعية ، فذكر منها ما هو أهم أصول البر وهو الوفاء والصبر بضروبه المبينة بعد . وقد ذكر الأعمال بصيغة الفعل والأخلاق بصيغة الوصف ; لأن الأعمال أفعال ، والأخلاق صفات . وفيه تنبيه على أن من أوفى وصبر تكلفا لا يكون بارا حتى يصير الوفاء والصبر من أخلاقه ولو بتكرار التكلف والتعمل ، فقد ورد ( ( الحلم بالتحلم ) ) وقدم ما ذكر من الأعمال على هذه الأخلاق ; لأن الأعمال هي التي تطبع الأخلاق في النفوس ، ولا سيما الصلاة وبذل المال ، فلا أعون منهما على الوفاء والصبر وذلك ظاهر لقوم يفقهون .

قال الأستاذ الإمام : العهد عبارة عما يلتزم به المرء لآخر ، وهو بعمومه يشمل ما عاهد المؤمنون عليه الله بإيمانهم من السمع والطاعة والإذعان لكل ما جاء به دينه ، ويذكر العهد في القرآن والسنة كثيرا ويراد به في الغالب ما يعاهد به الناس بعضهم بعضا عليه ، ويشترط في وجوب الوفاء بهذا العهد ألا يكون في معصية . وفي معنى العهود العقود وقد أمرنا بالوفاء بها ، فيجب على المسلم أن يلتزم الوفاء بما يتعاقد عليه مع الناس ما لم يكن مخالفا لأمر الله ورسوله الثابت عنده ، ولقواعد الدين العامة .

وهذا الأمر لا مندوحة عنه ، وهو معقول الفائدة ; ولذلك قال أهل القوانين الوضعية : إن كل التزام يخالف أصول القوانين فهو باطل ، ولكن لا يجوز أن يعاهد الإنسان أحدا أو يعاقده على أمر يعلم أنه مخالف للدين لا بنية الوفاء ولا بنية الغدر ، والنقض الأول معصية ، والثاني معصيتان أو أكثر ; لما يتضمنه من الغدر والغش ، ولا يتحقق البر في الإيفاء إلا إذا كان المرء يوفي من نفسه بدون إلزام حاكم يقع أو يتوقع إذا هو لم يوف ، أو خوف أي جزاء ولو من غير الحكام ، فمن أوفى خوفا من إهانة تصيبه أو ذم يلحق به فهو غير بار ، ولا هو من الموفين بالعهود .

وقال الأستاذ الإمام ما مثاله : إن الإيفاء بالعهود والعقود من أهم الفرائض التي فرضها الله تعالى لنظام المعيشة والعمران ، وإنما الصلاة والزكاة من وسائله - والزكاة فرع منه في وجه آخر - فإن الله تعالى فرض علينا الصلاة - وهو غني عن العالمين - لنؤدب بها نفوسنا فنعيش في الدنيا عيشة راضية ، ونستحق بذلك عيشة الآخرة المرضية ; إذ المصلي أجدر الناس بالقيام بحقوق عباد الله الذين هم عيال الله بما يستولي على قلبه فيها من الشعور بسلطان الله تعالى وقدرته وفضله وإحسانه ، وعموم هذا السلطان والإحسان له وللناس كافة ، والغدر [ ص: 98 ] والإخلاف من الذنوب الهادمة للنظام ، المفسدة للعمران ، المفنية للأمم . وما فقدت أمة الوفاء الذي هو ركن الأمانة وقوام الصدق إلا وحل بها العقاب الإلهي ، ولا يعجل الله الانتقام من الأمم لذنب من الذنوب يفشو فيها كذنب الإخلال بالعهد والإخلاف بالوعد ، وانظر حال أمة استهانت بالإيفاء بالعهود ولم تبال بالتزام العقود تر كيف حل بها عذاب الله تعالى بالإذلال ، وفقد الاستقلال ، وضياع الثقة بينها حتى في الأهل والعيال ، فهم يعيشون عيشة الأفراد لا عيشة الأمم : صور متحركة ، ووحوش مفترسة ينتظر كل واحد وثبة الآخر عليه ، إذا أمكن ليده أن تصل إليه ، ولذلك يضطر كل واحد إذا عاقد أي إنسان من أمته أن يستوثق منه بكل ما يقدر ، ويحترس من غدره بكل ما يمكن ، فلا تعاون ولا تناصر ، ولا تعاضد ولا تآزر ، بل استبدلوا بهذه المزايا التحاسد والتباغض ، والتعادي والتعارض ، بأسهم بينهم شديد ولكنهم أذلاء للعبيد ( قال ) : وقد أحصيت في سنة قضايا التخاصم في محكمة بنها فألفيت أن خمسا وسبعين قضية في المائة منها بين الأقارب ، والباقي بين سائر الناس ، ولو كان في الناس وفاء لسلموا من كل هذا البلاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية