1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة الأنفال
  4. تفسير قوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة
صفحة جزء
ثم قال تعالى بعد هذه القاعدة العامة التي تقرها ولا تنكرها علوم الحرب وفنونها في هذا العصر : تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة وهو إنكار على عمل وقع من الجمهور على خلاف تلك القاعدة التي تقتضيها الحكمة والرحمة معا بقصد دنيوي وهو فداء الأسرى بالمال ، ليس من شأن الأنبياء ، ولا مما ينبغي لهم مخالفتها ولو بإقرار مثل ذلك العمل ، وهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل من أسرى بدر الفداء برأي أكثر المؤمنين بعد استشارتهم ، فتوجه العتاب إليهم بعد بيان سنة النبيين في المسألة الدال بالإيماء على شمول الإنكار والعتاب له صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ، وسنذكر حكمة ذلك وحكمة هذا الاجتهاد منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد بيان ما ورد في الواقعة .

والمعنى : تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا الفاني الزائل وهو المال الذي تأخذونه من الأسرى فداء لهم - والعرض في الأصل ما يعرض ولا يدوم ولا يثبت ، واستعاره علماء المعقول لما يقوم بغيره لا بنفسه كالصفات وهو يقابل الجوهر - وهو عندهم ما يقوم بنفسه كالأجسام . والله يريد لكم ثواب الآخرة الباقي بما يشرعه لكم من الأحكام الموصلة إليه ما عملتم بها ، ومنه الاستعداد للقتال بقدر الاستطاعة بقصد الإثخان في الأرض ، والسيادة فيها لإعلاء كلمة الحق وإقامة العدل ، فهو كقوله في رخصة ترك الصيام في السفر والمرض : يريد الله بكم اليسر ( 2 : 185 ) وليس المراد به إرادة الخلق والتكوين فإن هذا لا يظهر هاهنا ولا هناك ، ولذلك لجأ من لم يفطن من المفسرين لما ذكرنا في تفسير الإرادة إلى قول [ ص: 75 ] المعتزلة فقالوا : أي يحبه ويرضاه لكم ، بإعزاز الحق والإيمان ، وإزالة قوة الشرك والطغيان ، والله عزيز حكيم فيحب للمؤمنين أن يكونوا أعزة غالبين ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ( 63 : 8 ) كما يحب لهم أن يكونوا حكماء ربانيين ، يضعون كل شيء في موضعه . وإنما يكون هذا بتقديم الإثخان في الأرض والسيادة فيها على المنافع العرضية بمثل فداء أسرى المشركين وهم في عنفوان قوتهم وكثرتهم ، وهذه القاعدة تعدها دول المدنية العسكرية من أسس السياسة الاستعمارية ، فإذا رأوا من البلاد التي يحتلونها أدنى بادرة من أعمال المقاومة بالقوة ينكلون بأهلها أشد تنكيل فيخربون البيوت ويقتلون الأبرياء مع المقاومين ، بل لا يتعففون عن قتل النساء والأطفال بما يمطرون البلاد من نيران المدافع وقذائف الطيارات ، والإسلام لا يبيح شيئا من هذه القسوة ، فإنه دين العدل والرحمة .

لأصحاب التفسير المأثور في هذه النازلة عدة روايات عن علماء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ نذكر أهمها وأكثرها فائدة : روى ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم ، وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ : يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فاضرب أعناقهم ، وقال عبد الله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ : انظروا واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا . فقال العباس ـ رضي الله عنه ـ وهو يسمع ما يقول : قطعت رحمك . فدخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يرد عليهم شيئا . فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وقال أناس : يأخذ برأي عمر ـ رضي الله عنه ـ فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة . مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ( 14 : 36 ) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام : قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( 5 : 118 ) ومثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ( 71 : 26 ) ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال : ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ( 10 : 88 ) - أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق " فقال عبد الله ـ رضي الله عنه ـ : يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إلا سهيل بن بيضاء . فأنزل الله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى آخر الآيتين .

[ ص: 76 ] وروى أحمد ومسلم من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ والتفصيل لأحمد قال : لما أسروا الأسارى - يعني يوم بدر - قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكر وعمر : " ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟ " فقال أبو بكر : يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا على الكفار ، وعسى الله أن يهديهم للإسلام . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما ترى يا ابن الخطاب ؟ " فقال : لا والله ، لا أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكنني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل ( أي أخيه ) فيضرب عنقه ، وتمكنني من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه ، ومكن فلانا من فلان قرابته ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها . فهوي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت . فلما كان الغد جئت فإذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر قاعدين يبكيان . قلت : يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة " - شجرة قريبة منه - وأنزل الله عز وجل : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض .

وفي هذا الحديث أن الذين طلبوا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختيار الفداء كثيرون ، وإنما ذكر في أكثر الروايات أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ لأنه أول من أشار بذلك ، ولأنه أول من استشارهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما أنه أكبرهم مقاما . ويوضحه ما رواه ابن المنذر عن قتادة ـ رضي الله عنه ـ قال في تفسير الآية : أراد أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف . ومثله ما رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم بإسناد صحيح ، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح من حديث علي كرم الله وجهه قال : جاء جبريل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم بدر فقال : " خير أصحابك في الأسرى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلا - وفي الترمذي قابل - مثلهم " قالوا : الفداء ويقتل منا . وقال الترمذي حديث حسن صحيح من حديث سفيان الثوري لا تعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة . ورواه أبو أسامة عن هشام عن ابن سيرين عن عبيدة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحوه مرسلا .

( أقول ) : ابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريا ، روى عنه الجماعة ووثقه أساطين الجرح والتعديل ، والمراد بقوله : مثلهم . أنهم إذا أخذوا الفداء يكون عقابهم أن يقتل منهم مثل عدد أولئك الأسرى وهو سبعون على المشهور في الروايات الصحيحة ( منها ) ما رواه البخاري في حديث البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ الثاني من أحاديث ( باب غزوة أحد ) .

[ ص: 77 ] فأصيب منا سبعون قتيلا . قال الحافظ في شرحه بعد أن أورد خلاف الرواة في عدد هؤلاء القتلى [ ص271 ج 8 ] ومنه أن الفتح اليعمري سرد أسماءهم فبلغوا : 96 - من المهاجرين أحد عشر وسائرهم من الأنصار ، وذكر أنهم بلغوا في بعض الروايات مائة . ثم قال الحافظ : قال اليعمري : وقد ورد في تفسير قوله تعالى : أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ( 3 : 165 ) أنها نزلت تسلية للمؤمنين عما أصيب منهم يوم أحد ، فإنهم أصابوا من المشركين يوم بدر سبعين قتيلا وسبعين أسيرا في عدد من قتل . قال اليعمري : إن ثبتت فهذه الزيادة بقوله : أولما أصابتكم للأنصار خاصة ، ويؤيده قول أنس : أصيب منا يوم أحد سبعون . وهو في الصحيح بمعناه . انتهى هذا الحديث ، وأقول : إن ما ذكره لتصحيح رواية كون السبعين من الأنصار من جعل الخطاب لهم في قوله تعالى : أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ( 3 : 165 ) الآية . خلاف المتبادر الذي يقتضيه جعل الخطاب لجميع المؤمنين فيما قبلها وبعدها ، وقد قال الحافظ نفسه في شرح حديث البراء بن عازب في أبواب غزوة بدر ( 239 ج 7 ) واتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بذلك أهل أحد ، وأن المراد بـ أصبتم مثليها يوم بدر وعلى أن عدة من استشهد بأحد سبعون نفسا إلخ .

التالي السابق


الخدمات العلمية