1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة التوبة
  4. تفسير قوله تعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر
صفحة جزء
شبهة للشيعة في المسألة

إن بعض الشيعة يكبرون هذه المزية لعلي عليه السلام كعادتهم ، ويضيفون إليها ما لا تصح به رواية ، ولا تؤيده دراية ، فيستدلون بها على تفضيله على أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ وكونه أحق بالخلافة منه ، ويزعمون أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عزل أبا بكر من تبليغ سورة ( براءة ) ؛ لأن جبريل أمره بذلك ، وأنه لا يبلغ عنه إلا رجل منه ، ولا يخصون هذا النفي بتبليغ نبذ العهود ، وما يتعلق به بل يجعلونه عاما لأمر الدين كله ، مع استفاضة الأخبار الصحيحة بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة كالجهاد في حمايته والدفاع عنه ، وكونه فريضة لا فضيلة فقط ، ومنها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجة الوداع على مسمع الألوف من الناس : " ألا فليبلغ الشاهد الغائب " وهو مكرر في الصحيحين وغيرهما ، وفي بعض الروايات عن ابن عباس : فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته " فليبلغ الشاهد الغائب " إلخ . وحديث بلغوا عني ولو آية رواه البخاري في صحيحه والترمذي ، ولولا ذلك لما انتشر الإسلام ذلك الانتشار السريع في العالم ، بل زعم بعضهم كما قيل : إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عزل أبا بكر من إمارة الحج وولاها عليا ، وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عملية عرفها الخاص والعام . والحق أن عليا كرم الله وجهه كان مكلفا بتبليغ أمر خاص ، وكان في تلك الحجة تابعا لأبي بكر في إمارته العامة في إقامة ركن الإسلام الاجتماعي [ ص: 145 ] العام ، حتى كان أبو بكر يعين له الوقت الذي يبلغ ذلك فيه فيقول : يا علي قم فبلغ رسالة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تقدم التصريح به في الروايات الصحيحة ، كما أمر بعض الصحابة بمساعدته على هذا التبليغ كما تقدم في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما .

ولقد كان تأمير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا بكر على المسلمين في إقامة الحج في أول حجة للمسلمين بعد خلوص السلطان لهم على مكة ، ومشاعر الحج كلها ، كتقديمه للصلاة بالناس قبيل وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكلاهما تقديم له على جميع زعماء الصحابة في إقامة أركان الإسلام التي كان يقوم بها ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعدها جمهور الصحابة ترشيحا له لتولي الإمامة العامة بعده ، فالواقعة دليل على خلافة أبي بكر لا على خلافة علي ـ رضي الله عنهما ـ وقد علم الله أن كلا منهما سيكون إماما في وقته . قال الآلوسي بعد ذكر شيء في هذا المعنى : وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبي بكر أميرا للناس في حجهم ، ونصب الأمير علي كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل ، وهي أن الصديق رضي الله تعالى عنه كان مظهرا لصفة الرحمة والجمال كما يرشد إليه ما تقدم في حديث الإسراء ، وما جاء من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر أحال إليه عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين الذين هم مورد رحمة ، ولما كان علي كرم الله تعالى وجهه الذي هو أسد الله مظهر جلاله ، فوض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر ، فكانا كعينين فوارتين يفور من إحداهما صفة الجمال ، ومن الأخرى صفة الجلال ، في ذلك المجمع العظيم الذي كان أنموذجا للحشر وموردا للمسلم والكافر . انتهى ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البيان تعليل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اهـ . ونقول : إذا كان تعليله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتبليغ علي نبذ العهود عنه بكونه من أهل بيته ينافي أن تكون النكتة المذكورة علة ، فهو لا يأبى أن تكون حكمة .

ورأيت في مصنف جديد لبعض الشيعة المعاصرين ضربا آخر من المبالغة والتكبير لهذه المسألة كما فعل بغيرها من مناقبه كرم الله وجهه ، من حيث يصغر مناقب الشيخين إن لم يجد شبهة أو وسيلة لإنكارها ، حتى إنه جعل تنويه كتاب الله عز وجل بصحبة الصديق الأكبر للرسول الأعظم في هجرته ، وإثبات معيته عز وجل لهما معا في الغار مما لا قيمة له ، ولا يعد مزية للصديق ـ رضي الله عنه ـ ولولا أنهم قد نشطوا في هذه الأيام لدعاية الرفض والبدع والصد عن السنة والطعن في أئمتها لما جعلنا شبهة التبليغ تستحق أن تذكر ويبين وهنها .

ذلك بأنه اقتصر من روايات المسألة على ما نقله عن ابن جرير الطبري عن السدي من قوله : لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين - يعني من سورة ( براءة ) - بعث بهن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أبي بكر ، وأمره على الحج ، فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة [ ص: 146 ] أتبعه بعلي فأخذها منه . فرجع أبو بكر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء ؟ قال : " لا ، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني " ثم استنبط من هذه الرواية أنها تدل على أن نفس علي من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ منزلة نفسه ، وأنه خير أصحابه وأفضلهم عند الله وأكرمهم عليه ، فإن من كان بهذه الصفة هو الذي يمثل شخص النبي ، ويقوم مقامه ، ويكون بمنزلة نفسه الشريفة ، ثم قال : ودل هذا القول منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أن كون علي من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونفسه نفسه أمر محقق ثابت لا ريب فيه عند أبي بكر ، ولهذا لم يحتج ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذكره ، وذلك ظاهر عند العارف بطريق الاستدلال ، وترتيب الأشكال ، وقد عمد بعض النواصب إلى الحط من هذه الكرامة فزعم أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أراد بأنه نفسه ومنه هو القرب في النسب دون الفضيلة ، مدعيا أن من عادة العرب إذا أراد أحدهم أن ينبذ عهدا نبذه بنفسه أو أرسل به أقرب الناس إليه - إلى آخر ما غالط به ، وبنى على زعمه هذا أن العباس أقرب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من علي نسبا فلماذا لم يرسله بهذا التبليغ ؟ مع علمه بأنه لم يقل أحد من أهل السنة بأن الرواية بمعنى ما زعمه ، لا بأنه لا بد من الأقرب بل قالوا : إن التبليغ في مثله لعاقد العهد أو لأحد عصبته الأقربين .

وأقول في قلب شبهته هذه حجة عليه : ( أولا ) أن هذا الشيعي المتعصب اختار رواية السدي من روايات في المسألة ؛ لأنها تحتمل من تأويله وغلوه ما لا يحتمله غيرها .

( ثانيا ) أن السدي قال هذا القول من عند نفسه ، ولم يذكر له سندا إلى أحد من الصحابة .

( ثالثا ) أن ما ذكرناه من الروايات الصحيحة عن علي وأبي هريرة ، وغيرهما من الصحابة يخالف قول السدي هذا من بعض الوجوه ، وهي أولى بالتقديم والترجيح .

( رابعا ) أن هذا الشيعي الذي يدعي التحقيق لم يذكر قول السدي كله بل أسقط منه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المروي عن غير السدي أيضا " أما ترضى يا أبا بكر أن كنت معي في الغار ، وأنك صاحبي على الحوض " ؟ قال : بلى يا رسول الله . فسار أبو بكر على الحاج وعلي يؤذن بـ ( براءة ) ، فقام يوم الأضحى فقال : لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عهد فله عهده إلى مدته . وإن هذه أيام أكل وشرب ، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما . فقالوا : نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب ، فرجع المشركون فلام بعضهم بعضا وقالوا : ما تصنعون وقد أسلمت قريش ؟ فأسلموا انتهى نص رواية السدي هذه في تفسير ابن جرير ( ص27 ج 10 من الطبعة الأميرية ) [ ص: 147 ] فإذا كان هذا الشيعي يعتمد هذه الرواية كما هو الظاهر من اختياره لها على غيرها فهي حجة عليه فيما تقدم بيانه ، ومنه كون الآية الأربعين من سورة ( براءة ) هي قوله تعالى : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ( 40 ) .

ولا يظهر لأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتبليغها للناس فيما يبلغه من نبذ عهود المشركين ، وهي ليست من موضوعها إلا بيان فضل أبي بكر ومكانه الخاص من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحكمة جعله نائبا عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إقامة ركن الإسلام الاجتماعي العام ، وجعل علي نفسه على قربه ، وعلو مكانته تحت إمارته ، حتى في تبليغه هذه الرسالة الخاصة عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد تقدم في الروايات الصحيحة أن أبا بكر كان يأمره بذلك ، ولهذا أسقط الرافضي بقية الرواية على كونه ينكر على الصديق الأكبر مزية اختيار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إياه بأمر الله على مرافقته له وحده في أهم حادثة من تاريخ حياته ، وهي الهجرة الشريفة التي كانت منذ ظهور الإسلام ، وانتشار نوره في جميع العالم . ولو كانت هذه الصحبة أمرا عاديا أو صغيرة لما ذكرت في القرآن المجيد مقرونة بتسمية الصديق صاحبا لسيد البشر ، وإثبات معية الله تعالى لهما معا ، وفرق بين وصف الله تعالى لشخص معين بهذه وبين تعبيره ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أتباعه بالأصحاب تواضعا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

ثم إن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصديق : " وصاحبي على الحوض " يدل على ما سيكون له معه من الخصوصية والامتياز على جميع المؤمنين في يوم القيامة ، ولو كان شأنه فيه كشأن غيره ممن يرد الحوض لما كان لهذا التخصيص في هذا المقام مزية ، وكلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينزه عن العبث .

( خامسا ) أن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " أو رجل مني " في رواية قد فسرتها الروايات الأخرى عند الطبري وغيره بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " أو رجل من أهل بيتي " وهذا النص الصريح يبطل تأويل كلمة " مني " بأن معناها أن نفس علي كنفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه مثله وأنه أفضل من كل أصحابه .

( سادسا ) أن ما عزاه إلى بعض النواصب هو المعروف عن جميع العلماء من أهل السنة الذين تكلموا في المسألة ، ولكن لم يقل أحد منهم بأن عليا كرم الله وجهه لا مزية له في هذا الأمر ، ولا أن سبب نوطه به القرابة دون الفضيلة ، وأنه تبليغ لا فخر فيه ، ولا فضل ، بل هذا كله مما اعتاد الروافض افتراءه على أهل السنة عند نبزهم بلقب النواصب ، فإن كان يوجد في النواصب من ينكر مزية علي في هذه المسألة ففي الروافض من ينكر ما هو أظهر [ ص: 148 ] منها من مزية أبي بكر في نيابته عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إمارة الحج ، وإقامة ركنه ، وتعليم الناس المناسك ، وتبليغ الدين للمشركين ، ومنعهم من الحج ذلك العام تمهيدا لحجة الوداع ، إذ كان يكره ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحج معهم ، ويراهم في بيت الله عراة نساؤهم ورجالهم يشركون بالله في بيته ، وما يتضمن هذه الإمارة مما تقدم بيانه . وأهل السنة وسط يعترفون بمزية كل منهما ـ رضي الله عنهما ـ وعن سائر آل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ، وعن المتبعين لهم في اتباع الحق والاعتراف به لأهله ومحبة كل منهما بغير غلو ولا تقصير ، وقاتل الله الروافض والنواصف الذين يطرون بعضا ، وينكرون فضل الآخر ، ويعدون محبته منافية لمحبته .

التالي السابق


الخدمات العلمية