1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة التوبة
  4. تفسير قوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا
صفحة جزء
قسمة غنائم حنين

( وإيثار قريش ولاسيما المؤلفة قلوبهم وحرمان الأنصار ) كان السبي ستة آلاف نفس من النساء والأطفال الذين قضى عرف الحرب يومئذ استرقاقهم ، وأعتقهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ باسترضاء المستحقين من الغانمين ، فجمع بين سياسة الإسلام في التوسل إلى تحرير الرقيق بجميع الوسائل ، واتقاء تنفير المسلمين ولاسيما حديثي العهد بالإسلام . وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفا والغنم أربعين ألف شاة وقيل أكثر ، والفضة أربعة آلاف أوقية . وسبب هذه الكثرة أن مالك بن عوف النصري الذي جمع القبائل للقتال ، ساق مع المقاتلة نساءهم وأبناءهم ومواشيهم وأموالهم لأجل أن يثبتوا ولا يفروا ، فكان ذلك تسخيرا من الله تعالى; ليكونوا غنيمة للمسلمين ، فلما قسمها وأفاض في العطاء على المؤلفة قلوبهم من طلقاء يوم الفتح وجد الأنصار وتحدث بعضهم بذلك ، فجمعهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخطب فيهم فأرضاهم ، وذلك مروي في الصحاح والسنن والمغازي فنذكر أصح الروايات فيه .

روى أحمد والبخاري ومسلم من عدة طرق ، واللفظ هنا للبخاري من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال : لما أفاء الله على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ، ولم يعط الأنصار شيئا ، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، فخطبهم فقال : " يا معشر الأنصار ! " ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي ؟ " كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن . قال : " ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئا ؟ " قالوا : الله ورسوله أمن . قال : " لو شئتم قلتم جئنا كذا وكذا ، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها ، الأنصار شعار ، والناس دثار ، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " .

وللشيخين من حديث أنس واللفظ للبخاري : قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي رجالا المائة من الإبل ، فقالوا : يغفر الله لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من [ ص: 230 ] دمائهم . ( قال أنس ) : فحدث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ، ولم يدع معهم غيرهم . فلما اجتمعوا قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " ما حديث بلغني عنكم ؟ " فقال فقهاء الأنصار : أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا ، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا : يغفر الله لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " فإني أعطي رجالا حديث عهد بكفر أتألفهم ، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا : يا رسول الله لقد رضينا ، فقال لهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض " قال أنس : فلم يصبروا اهـ . وفي رواية فلم نصبر ; لأنه منهم . وفي رواية أخرى عنه قال : جمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناسا من الأنصار فقال : " إن قريشا حديث عهد - كذا فيهما - بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم " إلخ .

ولهما من حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ واللفظ للبخاري وهو أخصر قال : لما كان يوم حنين آثر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناسا : أعطى الأقرع مائة من الإبل ، وأعطى عيينة مثل ذلك ، وأعطى ناسا فقال رجل : ما أريد بهذه القسمة وجه الله . فقلت : والله لأخبرن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " وفي رواية له عنه فقال رجل من الأنصار . قال الحافظ في رواية الأعمش أي عنه فقال رجل من الأنصار ، وفي رواية الواقدي أنه معتب بن قشير بن عوف وكان من المنافقين .

وروى أحمد ومسلم وغيرهما من حديث رافع بن خديج قال : أعطى رسول الله أبا سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، وعيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل ، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك . فقال عباس بن مرداس :


أتجعل نهبي ونهب العبيـ د بين عيينة والأقرع     فما كان بدر ولا حابس
يفوقان مرداس في المجمع     وما كنت دون امرئ منهما
ومن تخفض اليوم لا يرفع

[ ص: 231 ] قال : فأتم له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة
اهـ . وقد نقل الحافظ في الفتح أسماء هؤلاء المؤلفة الذين أجزل لهم العطاء فبلغوا أربعين ونيفا .

وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث زيد بن عاصم المتقدم : " لو شئتم لقلتم جئتنا كذا وكذا " وإنما أبهمه الراوي أدبا معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد فسر في حديث أبي سعيد ولفظه فقال : " أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم : أتيتنا مكذبا فصدقناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فواسيناك " ورواه أحمد بإسناد صحيح من حديث أنس بلفظ " أفلا تقولون : جئتنا خائفا فأمناك ، وطريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك ؟ " فقالوا : بل المن علينا لله ولرسوله اهـ . وأقول : هذا من عجائب تواضعه ولطفه ودقائق حكمته وسياسته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ذكر ما لعله يختلج في مثل تلك الحال في قلوب بعضهم بعد ذكر بعض ما من الله تعالى به عليهم من النعم بهدايته ، وما كانوا قبلها إلا قبيلتين من قبائل العرب المتعادية المتباغضة ، لا هم لإحداهما إلا الفتك بالأخرى فصاروا أعز العرب ومفخر الإسلام والمسلمين ونزل فيهم : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ( 3 : 103 ) الآية . وأثنى عليهم في آيات أخرى يتعبد الملايين من جميع الشعوب بتلاوتها إلى يوم القيامة . وروي أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما فرغ من خطبته بكى القوم حتى اخضلت لحاهم بالدموع ـ رضي الله عنهم ـ . وقد بين المحقق ابن القيم في الهدي ما في هذه الغزوة من الحكم والأحكام ، فنذكر منها ما يتعلق بتفسير الآيات من العبرة والحكمة ، وهو قوله نفع الله بعلمه وحكمته .

التالي السابق


الخدمات العلمية