1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة التوبة
  4. تفسير قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله
صفحة جزء
أما الحرب والقتال لمحض البغي والعدوان ، والضراوة بسفك الدماء كحروب بعض الملوك المستبدين والغابرين - أو لغرض الانتقام والبغض الديني كالحروب الصليبية ، أو لأجل الطمع في المال وسعة الملك ، وتسخير البشر وإرهاقهم ; لتمتع القوي بثمرات كسب الضعيف كحروب أوربة الاستعمارية في هذا العصر - فكل هذه الحروب محرمة في الإسلام لا يبيح شيئا منها ، لأنها لحظوظ الدنيا وشهواتها ، ومن إهانة الدين المغضبة لشارع الدين أن يتخذ الدين وسيلة لها . وقد علم مما بسطناه من أحكام الجزية وعمل الصحابة بها أنها ليست مما ذكر في شيء ، وأنها مال حقير قليل لا يفقر معطيه ، ولا يغني آخذيه ، وأن من شروطها أن تكون عن قدرة وسعة ، وألا يكلف أحد منها ما لا يطيق .

وأما كونها عنوان الدخول في حكم الإسلام ، وقبول سيادة أهله فهو صحيح ، ولكن هذا الحكم لا يبيح للمسلمين شيئا من الظلم والإرهاق واستنزاف ثروة الذين يقبلونه من أهل الملل [ ص: 271 ] الأخرى على الوجه المعروف المشاهد في جميع المستعمرات الأوربية ، وإنما تجب المساواة بينهم وبين المسلمين في العدل والحقوق والضرائب ، مع أن المفروض على المسلمين في أموالهم أكثر ، كأنواع الزكاة المفروضة ، والصدقات المندوبة ، حتى قال الفقهاء : إنه يجب على المسلم نفقة المضطر من ذمي ومعاهد ، إذا لم يوجد من يقوم له بها من قريب وغيره . وإنما زاد بعضهم ما يؤخذ من المكس من الذميين على ما يؤخذ من المسلمين بربع العشر في مقابلة الزكاة . ومع هذا يقول بعض العلماء : إنه لا يجب بدء الحربيين بالقتال لأجل الجزية والدخول في حكمنا ، إذا لم يوجد سبب آخر ، خلافا لمن يظن أن هذا واجب في الإسلام بالإجماع لما يراه في بعض كتب الفقه .

وقد لخص الحافظ ابن حجر أقوال علماء الإسلام في حكم الجهاد - التي يحتج ببعضها هؤلاء القليلو الاطلاع - في شرح البخاري عند قوله : ( باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية ) فذكر أولا أن الكلام في حالين : زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما بعده ، فأما زمنه فالتحقيق من عدة أقوال : أن وجوبه فيه كان عينا على من عينه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حقه . وأما بعده " فهو فرض كفاية على المشهور ، إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو ، ويتعين على من عينه الإمام ( أي الأعظم ) ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور ، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلا عنه ، ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا فليكن بدلها كذلك ، وقيل : يجب كلما أمكن وهو قوي ، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام في أقطار الأرض ، ثم صار إلى ما تقدم ذكره ، والتحقيق أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده ، وإما بلسانه ، وإما بماله ، وإما بقلبه والله أعلم " اهـ .

فعلم من هذا التفصيل أنه ليس في مسألة جهاد العدو بالسيف إجماع من المسلمين إلا في حال اعتداء الأعداء على المسلمين ، وحينئذ إذا أعلن الإمام النفير العام وجبت طاعته ، وإذا استنفر بعضهم كالجند المرابط والمتعلم وغيرهم وجبت طاعته ، فإنه يطاع في الواجب الكفائي كالواجب العيني ، وقال الشيخ الموفق في المغني : ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع : ( الأول ) إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان إلخ . ( الثاني ) إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم . ( الثالث ) إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه اهـ . بدون ذكر الأدلة . وتقدم بيان الأول في تفسير إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ( 8 : 15 ) وأنه كان في غزوة بدر إذ كان المشركون هم المعتدين . وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ( 8 : 60 ) أن الاستعداد للحرب واجب على الحكومة الإسلامية ، كما هو المعلوم الذي عليه [ ص: 272 ] العمل عند جميع دول الأرض ، وأن الغرض الأول من هذا الاستعداد إرهاب عدو الله ، وهم كل من يقاوم دينه ويمنع نشره ويضطهد أهله ، وعدو المسلمين الذي يعاديهم ولو لغير دينهم كالطمع في بلادهم ، والضراوة باستعبادهم ; ليخشوا بأسهم فلا يعتدوا عليهم ، فإن اعتدوا لم يجدوهم ضعفاء ولا عاجزين .

والمعلوم من تاريخ البشر أن الحرب سنة من سنن الاجتماع البشري ، أو أكبر مظهر وأثر لسنة تنازع البقاء ، وتعارض المصالح والمنافع والأهواء ، ولا سيما أهواء الملوك والرؤساء ، رؤساء الدين ورؤساء الدنيا ، بل هي سنة من سنن بعض الحشرات التي تعيش عيشة التعاون والاجتماع كالنمل ، فهو يغزو ويبيد ويسترق ويستخدم رفيقه في خدمته وترفيه معيشته وغزو أعدائه ، وعلم من التاريخ أيضا أن شعوب أوربة أشد البشر ضراوة وقسوة في الحرب في أطوار حياتها كلها من همجية ، ووثنية ، ونصرانية مذهبية ، وصليبية ، ومدنية مادية . ومن علمائهم وفلاسفتهم الغابرين والمعاصرين من يرى منافع الحرب العامة في البشر أكبر من مضارها ، وإن كان الخسار فيها عاما شاملا للغالبين والمغلوبين ، ولا تزال جميع دولهم تنفق على الاستعداد لها فوق ما تنفق على غيرها من مصالح الدولة والأمة ، وترهق شعوبها بالضرائب لأجلها ، فوق ما تستنزفه من ثروة مستعمراتها وما تقترضه بعد هذا وذاك من الديون الفاحشة ، هذا مع علم كل أحد من ساستهم ، وعلمائهم بسوء نية كل دولة ، وعدم انتمائها للأخرى . وعلم كل منهم بأنه لولا سوء النية ، وفساد الطوية ، لأمكن الاتفاق سرا وجهرا على ما يقترحه فضلاء العقلاء من تقليل الاستعداد للحرب الذي كثرت أسبابه ، واتسعت بالاختراعات أبوابه ، حتى صار خطرا على البشر وحضارتهم وعمرانهم يخشى أن يدمر أكبر مملكة من أوربة ، ويبيد أهلها في أيام معدودات ، وهم على هذا كله لا يزدادون إلا غلوا فيها . ولو أنهم اهتدوا بالإسلام - الذي صار واأسفاه مجهولا حتى عند أهله - لاهتدوا الطريق ، ووجدوا المخرج من هذا المضيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية