صفحة جزء
الثورة والانقلاب الذي أحدثه القرآن في البشر :

القرآن كتاب أنزل على قلب رجل أمي نشأ على الفطرة البشرية سليم العقل صقيل النفس طاهر الأخلاق لم تملكه تقاليد دينية ولا أهواء دنيوية ; لأجل إحداث ثورة وانقلاب كبير في العرب ، فسائر الأمم يكتسح من العالم الإنساني ما دنس فطرته من رجس الشرك والوثنية [ ص: 164 ] الذي هبط بهذا الإنسان من أفقه الأعلى في عالم الأرض إلى عبادة مثله وما هو دونه من هذه المخلوقات ، وما أفسد عقله وذهب باستقلال فكره من البدع الكنسية ، والتقاليد المذهبية ، التي أحالت توحيد الأنبياء الأولين شركا وحقهم باطلا ، وهدايتهم غواية - وما أفسد بأسه ، وأذل نفسه ، وسلبه إرادته ، من استبداد الملوك الظالمين ، والرؤساء القاهرين ، ثورة تحرر العقل البشري والإرادة الإنسانية من رق المنتحلين لأنفسهم صفة الربوبية أو النيابة عنها في التحكم في الناس واستذلالهم ، فيكون كل امرئ اهتدى به حرا كريما في نفسه ، عبدا خالصا لربه وإلهه ، يوجه قواه العقلية والبدنية إلى تكميل نفسه وجنسه .

مثل هذه الثورة الإنسانية لا يمكن أن تحدث إلا على قاعدة القرآن في قوله تعالى : ( ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ( 13 : 11 ) وكيف يكون تغيير الأقوام لما بأنفسهم من العقائد والأخلاق والصفات ، التي طبعتها عليها العبادات الموروثة والعادات الراسخة ؟

هل يكفي في ذلك قيام مصلح فيهم يضع لهم كتابا تعليميا جافا ككتب الفنون يقول فيه : إنكم أيها الناس ضالون فاسدون ، ومضلون مفسدون ، فاعملوا بهذا الكتاب تهتدوا وتصلحوا أو قانونا مدنيا يقول في مقدمته : نفذوا هذا القانون تحفظ حقوقكم ، وتعتز أمتكم وتقو دولتكم ؟ أنى وقد عهد من الناس الفاسدين المفسدين سوء التصرف بكتب أنبيائهم المرسلين ، وإهمال قوانين حكمائهم المصلحين ، ( كما فعل المسلمون المتأخرون ) وإنما توضع القوانين للحكومات المنظمة ذات السلطة والقوة التي تكفل تنفيذها ، وأنى لمحمد فعل هذا في الأمة العربية وقد بعث بالحجة والبرهان ، فريدا وحيدا لا عصبة له من قومه ولا سلطان ؟ على أنه جاء بأعدل الأصول التي تبني عليها أمته قوانينها عند تكوين دولتها في الأحوال الملائمة لها كما يعلم مما يأتي .

كلا إن هذه الثورة ما كان يمكن أن تحدث إلا بما حدثت به وهو تأثير هذا القرآن في الأمة العربية التي كانت أشد الأمم البدوية والمدنية استعدادا فطريا لظهور الإسلام فيها بالإقناع كما بيناه بالتفصيل في كتابنا ( خلاصة السيرة المحمدية ) وسنلم به قريبا .

ذلك بأن من طباع البشر في معرفة الحق والباطل والخير والشر العمل بمقتضى المعرفة وإن خالف مقتضى الأهواء والشهوات ، والتقاليد والعادات . إن مجرد البيان والإعلام والأمر والنهي لا يكفي في الحمل على التزام الحق ونصره على الباطل ، ولا في أداء الواجب من عمل الخير وترك الشر إذا عارض المقتضى العلمي لهما ما أشرنا إليه آنفا من الموانع النفسية والعملية ، إلا في بعض الأفراد من الناس دون الجماعات والأقوام . بل مضت سنة الله في تثبيت الحق والخير في النفس وصدور آثارهما عنهما بالعمل ، إنه يتوقف على صيرورة الإيمان بهما إذعانا وجدانيا حاكما على القلب ، راجحا على ما يخالفه من رغب ورهب [ ص: 165 ] وألم وأمل وإنما يكون هذا في الأحداث بالتربية العلمية والأسوة الحسنة لهم فيمن ينشئون بينهم من الوالدين والأقربين والمعاشرين .

وأما كبار السن فلا سبيل إلى جعل الإيمان بالحق المطلق والخير العام إذعانا وجدانيا لجمهورهم إلا بالأسلوب الذي نزل به القرآن فقلب به طباع الكهول والشبان وأخلاقهم وتقاليدهم وعاداتهم وحولها إلى ضدها علما وعملا بما لم يعهد له نظير في البشر ، فكان القرآن آية خارقة للمعهود من سنن الاجتماع البشري في تأثيره ، بالتبع لكونه آية معجزة للبشر في لغته وأسلوبه .

واعتبر هذا ببني إسرائيل سلالة النبيين ، فإن كل ما رأوه بمصر من آيات موسى عليه السلام ، ثم ما رأوه في برية سينا مدة التيه منها ، ومن عناية الله تعالى بهم ، ومن سماعهم كلام الله تعالى بآذانهم في لهيب النار المشتعلة على ما ترويه توراتهم - ولم يثبت عندنا التكليم إلا لنبيهم - لم يتغير به ما كان بأنفسهم من تأثير الوثنية المصرية وخرافاتها ومهانتها وأخلاقها ، فقد عذبوا موسى عذابا نكرا ، وعاندوه في كل ما كان يأمرهم به ، وعبدوا صنم العجل الذهبي في أثناء مناجاته لربه ، حتى وصفهم الله في التوراة بالشعب الصلب الرقبة ، وهو كناية عن البلادة والعناد ، وعصل الطباع المانع من الانقياد ، وظل ذلك كذلك إلى أن باد ذلك الجيل الفاسد بعد أربعين سنة نشأ فيهم جيل جديد ممن كانوا أطفالا عند الخروج من مصر وممن ولد في التيه أمكن أن يعقلوا التوحيد والشريعة ، وأن يعملوا بها ، ويجاهدوا في سبيلها وإنما كان ذلك بعد موت موسى عليه السلام .

فأين بنو إسرائيل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين تربوا بسماع القرآن وترتيله وتدبره في رسوخهم في الإيمان ، وصبرهم على أذى المشركين واضطهادهم إياهم ليفتنوهم عن دينهم ، ثم في مجاهدتهم لهم عند الإمكان بعد الهجرة ، ومجاهدة أعوانهم من أهل الكتاب ( اليهود ) وتطهيرهم الحجاز وسائر جزيرة العرب من كفر الفريقين في عهده - صلى الله عليه وسلم - وقد كانت مدة البعثة المحمدية كلها عشرين سنة أي نصف مدة التيه ، وكان ذهب نصفها في الدعوة وتبليغ الدين للأفراد بمكة ، والنصف الآخر هو الذي تم فيه الانقلاب العربي من تشريع وتنفيذ وجهاد .

ثم تأمل ما كان من تدفقهم هم أنفسهم كالسيل الآتي على الأقطار من نواحي الجزيرة كلها والظهور على ملكي قيصر وكسرى أعظم ملوك الأرض وإزالة الشرك والظلم منهما ، ونشر التوحيد والحق والعدل فيهما ، ودخول الأمم في دين الله أفواجا مختارين اهتداء بهم ، [ ص: 166 ] وعنايتهم بتعلم العربية بالتبع لعنايتهم بالدين ، حتى فتحوا لهم وتلاميذهم نصف كرة الأرض في زهاء نصف قرن ، أو ثلاثة أرباعها في ثلاثة أرباعه وكانوا مضرب المثل في الرحمة والعدل وموضع الحيرة لعلماء الاجتماع وقواد الحرب .

وأنى يبلغ الشعب الذي وصفه ربه في كتابه بالشعب الصلب الرقبة رتبة الذين وصفهم رب العالمين بقوله : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) ( 48 : 29 ) الآيات فكان عمر بن الخطاب أمير المؤمنين الذي طبع وشب على الشدة والقسوة يطبخ الطعام هو وزوجه ليلا لامرأة فقيرة تلد وبعلها حاضر لا يساعدهما إذ لم يكن يعلم أنه أمير المؤمنين .

لا جرم أن سبب هذا كله تأثير القرآن بهذا الأسلوب الذي نراه في المصحف فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجاهد به الكافرين كما أمره الله بقوله : ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ) ( 25 : 25 ) ثم كان به يربي المؤمنين ويزكيهم ، وبهدايته والتأسي بمبلغه - صلى الله عليه وسلم - ربوا الأمم وهذبوها ، وقلما يقرؤه أحد كما كانوا يقرءون ، إلا ويهتدي به كما كانوا يهتدون ، على تفاوت في الاستعداد النفسي واللغوي واختلاف الزمان لا يخفى .

ولو كان القرآن بأسلوب الكتب العلمية والقوانين الوضعية لما كان له ذلك التأثير الذي غير ما بأنفس العرب فغيروا به أمم العجم ، فكانوا كلهم كما وصفهم الله عز وجل بقوله : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) ( 3 : 110 ) .

ولم يكن عندهم شيء من العلم بسياسة الأمم وإدارتها إلا هذا القرآن ، والأسوة الحسنة بمبلغه ومنفذه الأول - عليه الصلاة والسلام - ، ولن يعود للمسلمين مجدهم وعزهم إلا إذا عادوا إلى هدايته ، وتجديد ثورته ، ولعنة الله على من يصدونهم عنه زاعمين استغناءهم عن العمل به وبسنة نبيه ، بكتب مشايخهم الجافة الخاوية من كل ما يحيي الإيمان وينهض الهمم ، ويزكي الأنفس ويبعث على العمل .

التالي السابق


الخدمات العلمية