صفحة جزء
( الوظيفة السابعة التسليم لأهل المعرفة ) : وبيانه أنه يجب على العامي أن يعتقد أن ما انطوى عنه من معاني هذه الظواهر وأسرارها ليس منطويا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصديق وعن أكابر الصحابة وعن الأولياء والعلماء الراسخين ، وأنه إنما انطوى عنه لعجزه وقصور معرفته ، فلا ينبغي أن يقيس [ ص: 188 ] بنفسه غيره ولا تقاس الملائكة بالحدادين ، وليس ما تخلو عنه مخادع العجائز يلزم منه أن تخلو عنه خزائن الملوك ، فقد خلق الناس أشتاتا ومتفاوتين كمعادن الذهب والفضة وسائر الجواهر فانظر إلى تفاوتها وتباعد ما بينهما صورة ولونا وخاصية ونفاسة ، فكذلك القلوب معادن لسائر جواهر المعارف فبعضها معدن للنبوة والولاية والعلم ومعرفة الله - تعالى - ، وبعضها معدن للشهوات البهيمية والأخلاق الشيطانية ، بل ترى الناس يتفاوتون في الحرف والصناعات ، فقد يقدر الواحد بخفة يده ، وحذاقة صناعته على أمور لا يطمع الآخر في بلوغ أوائلها فضلا عن غايتها ، ولو اشتغل بتعلمها جميع عمره فكذلك معرفة الله - تعالى - ، بل كما ينقسم الناس إلى جبان عاجز لا يطيق النظر إلى التطام أمواج البحر وإن كان على ساحله ، وإلى من يطيق ذلك ولكن لا يمكنه الخوض في أطرافه وإن كان قائما في الماء على رجله ، وإلى من يطيق ذلك لكن لا يطيق رفع الرجل عن الأرض اعتمادا على السباحة ، وإلى من يطيق السباحة إلى حد قريب من الشط لكن لا يطيق خوض البحر إلى لجته والمواضع المغرقة المخطرة ، وإلى من يطيق ذلك لكن لا يطيق الغوص في عمق البحر إلى مستقره الذي فيه نفائسه وجواهره ، فهكذا مثال بحر المعرفة وتفاوت الناس فيه مثله ( حذو القذة بالقذة من غير فرق ) ( فإن قيل ) فالعارفون محيطون بكمال معرفة الله - سبحانه - حتى لا ينطوي عنهم شيء قلنا : هيهات ، فقد بينا بالبرهان القطعي في كتاب ( المقصد الأسنى في معاني أسماء الله الحسنى ) أنه لا يعرف الله كنه معرفته إلا الله ، وأن الخلائق وإن اتسعت معرفتهم وغزر علمهم - فإذا أضيف ذلك إلى علم الله - سبحانه - فما أوتوا من العلم إلا قليلا ، لكن ينبغي أن يعلم أن الحضرة الإلهية محيطة بكل ما في الوجود ، إذ ليس في الوجود إلا الله وأفعاله ، فالكل من الحضرة الإلهية كما أن جميع أرباب الولايات في المعسكر حتى الحراس هم من المعسكر ، فهم من جملة الحضرة السلطانية ، وأنت لا تفهم الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل إلى الحضرة السلطانية ، فاعلم أن كل ما في الوجود داخل في الحضرة الإلهية ، ولكن كما أن السلطان له في مملكته قصر خاص وفي فناء قصره ميدان واسع ، ولذلك الميدان عتبة يجتمع عليها جميع الرعايا ولا يمكنون من مجاوزة العتبة ولا إلى طرف الميدان ثم يؤذن لخواص المملكة في مجاوزة العتبة ، ودخول الميدان والجلوس فيه على تفاوت في القرب والبعد بحسب مناصبهم ، وربما لم يطرق إلى القصر الخاص إلا الوزير وحده ، ثم إن الملك يطلع الوزير من أسرار ملكه على ما يريد ، ويستأثر عنه بأمور لا يطلعه عليها فكذلك فافهم على هذا المثال تفاوت الخلق في القرب والبعد من الحضرة الإلهية ، فالعتبة التي هي آخر الميدان موقف جميع العوام ومردهم لا سبيل لهم إلى مجاوزتها ، فإن جاوزوا حدهم استوجبوا الزجر والتنكيل ، وأما العارفون فقد جاوزوا العتبة وانسرحوا في الميدان ، ولهم فيه جولان على حدود مختلفة في القرب والبعد ، وتفاوت ما بينهم [ ص: 189 ] كثير ، وإن اشتركوا في مجاوزة العتبة وتقدموا على العوام المفترشين ، وأما حظيرة القدس في صدر الميدان فهي أعلى من أن تطأها أقدام العارفين ، وأرفع من أن تمتد إليها أبصار الناظرين ، بل لا يلمح ذلك الجناب الرفيع صغير أو كبير إلا غض من الدهشة والحيرة طرفه فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير ; فهذا ما يجب على العامي أن يؤمن به جملة وإن لم يحط به تفصيلا ، فهذه هي الوظائف السبع الواجبة على عوام الخلق في هذه الأخبار التي سألت عنها . وهي حقيقة مذهب السلف ، وأما الآن فنشتغل بإقامة الدليل على أن الحق هو مذهب السلف . اهـ .

أقول : ثم إن الغزالي أورد بعد هذا فصلا في الاحتجاج على أن مذهب السلف هو الحق ، وقد علمت صفوة المذهب مما سلف . ونعود إلى تفسير باقي الآيات .

التالي السابق


الخدمات العلمية