صفحة جزء
[ ص: 22 ] ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون

قال الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى - ما مثاله : إن الله - تعالى - قد وضع لنا بفضله ورحمته قاعدة نرجع إليها عند تفرق الأهواء واختلاف الآراء ، وهي الاعتصام بحبله ; ولذلك نهانا عن التفرق بعد الأمر بالاعتصام ، الذي قلنا في تفسيره : إنه تمثيل لجمع أهوائهم وضبط إرادتهم . ومن القواعد المسلمة : أنه لا تقوم لقوم قائمة إلا إذا كان لهم جامعة تضمهم ووحدة تجمعهم وتربط بعضهم ببعض ، فيكونون بذلك أمة حية كأنها جسد واحد ، كما ورد في حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى رواه أحمد ومسلم من حديث النعمان بن بشير . وحديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا رواه الشيخان والترمذي ، والنسائي من حديث أبي موسى . فإذا كانت الجامعة الموحدة للأمة هي مصدر حياتها - سواء أكانت مؤمنة أم كافرة - فلا شك أن المؤمنين أولى بالوحدة من غيرهم لأنهم يعتقدون أن لهم إلها واحدا يرجعون في جميع شئونهم إلى حكمه الذي يعلو جميع الأهواء ، ويحول دون التفرق والخلاف ، بل هذا هو ينبوع الحياة الاجتماعية لما دون الأمم من الجمعيات حتى البيوت ( العائلات ) ولما كان لكل جامعة وكل وحدة حفاظ يحفظها أرشدنا - سبحانه وتعالى - إلى ما نحفظ به جامعتنا التي هي مناط وحدتنا - وأعني بها الاعتصام بحبله - فقال : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون .

[ ص: 23 ] فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظ الجامعة وسياج الوحدة .

وقد اختلفت المفسرون في قوله - تعالى - : منكم هل معناه : بعضكم ، أم " من " بيانية ؟ ذهب مفسرنا ( الجلال ) إلى الأول ; لأن ذلك فرض كفاية ، وسبقه إليه الكشاف وغيره .

وقال بعضهم بالثاني ، قالوا : والمعنى : ولتكونوا أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، قال الأستاذ الإمام : والظاهر أن الكلام على حد " ليكن لي منك صديق " فالأمر عام ، ويدل على العموم قوله - تعالى - : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [ 103 : 1 - 3 ] فإن التواصي هو الأمر والنهي ، وقوله - عز وجل - : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون [ 5 : 78 ، 79 ] وما قص الله علينا شيئا من أخبار الأمم السالفة إلا لنعتبر به . وقد أشار المفسر ( الجلال ) إلى الاعتراض الذي يرد على القول بالعموم وهو أنه يشترط فيمن يأمر وينهى أن يكون عالما بالمعروف الذي يأمر به والمنكر الذي ينهى عنه ، وفي الناس جاهلون لا يعرفون الأحكام ، ولكن هذا الكلام لا ينطبق على ما يجب أن يكون عليه المسلم من العلم ، فإن المفروض الذي ينبغي أن يحمل عليه خطاب التنزيل هو أن المسلم لا يجهل ما يجب عليه ، وهو مأمور بالعلم والتفرقة بين المعروف والمنكر ، على أن المعروف عند إطلاقه يراد به ما عرفته العقول والطباع السليمة ، والمنكر ضده وهو ما أنكرته العقول والطباع السليمة ، ولا يلزم لمعرفة هذا قراءة حاشية ابن عابدين على الدر ، ولا فتح القدير ولا المبسوط ، وإنما المرشد إليه - مع سلامة الفطرة - كتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر والعمل ، وهو ما لا يسع أحدا جهله ، ولا يكون المسلم مسلما إلا به ، فالذين منعوا عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جوزوا أن يكون المسلم جاهلا لا يعرف الخير من الشر ، ولا يميز بين المعروف والمنكر ، وهو لا يجوز دينا .

ثم إن هذه الدعوة إلى الخير والأمر والنهي لها مراتب ، فالمرتبة الأولى : هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير وأن يشاركوهم فيما هم عليه من النور والهدى ، وهو الذي يتجه به قول المفسر : إن المراد بالخير : الإسلام . وقد فسرنا الإسلام من قبل بأنه دين الله على لسان جميع الأنبياء لجميع الأمم ، وهو الإخلاص لله - تعالى - والرجوع عن الهوى إلى حكمه ، وهذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطا وشهداء على الناس - كما تقدم في سورة البقرة - وخير أمة أخرجت للناس - كما سيأتي بعد آيات مقيدا بكوننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر - وبحكم قوله - تعالى - في وصف المؤمنين الذين أذن لهم بالقتال : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر [ 22 : 41 ] [ ص: 24 ] فالواجب دعوة الناس إلى الإسلام أولا ، فإن أجابوا فالواجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، قال : وأما كون هذا حفاظا للوحدة ومانعا من الفرقة فهو أن الأمة إذا اجتمعت على هذا المقصد العالي الشريف وهو أن تكون مسيطرة على الأمم كلها ومربية لها ومهذبة لنفوسها فلا شك أن جميع الأهواء الشخصية تتلاشى من بينهم ، فإذا عرض الحسد والبغي لأحد من أفرادهم تذكروا وظيفتهم العالية الشريفة التي لا تتم إلا بالتعاون والاجتماع ، فأزالت الذكرى ما عرض ، وشفت النفوس قبل تمكن المرض .

والمرتبة الثانية في الدعوة والأمر والنهي : هي دعوة المسلمين بعضهم بعضا إلى الخير وتآمرهم فيما بينهم بالمعروف وتناهيهم عن المنكر ، والعموم فيها ظاهر أيضا ، وله طريقان ، أحدهما : الدعوة العامة الكلية - قال : كهذا الدرس - ببيان طرق الخير وتطبيق ذلك على أحوال الناس ، وضرب الأمثال المؤثرة في النفوس التي يأخذ كل سامع منها بحسب حاله . وإنما يقوم على هذا الطريق خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام وحكمة الدين وفقهه ، وهم المشار إليهم بقوله - تعالى - : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون [ 9 : 122 ] ومن مزايا هؤلاء : تطبيق أحكام الله - تعالى - على مصالح العباد في كل زمان ومكان ، فهم يأخذون من الأمر العام بالدعوة والأمر والنهي على مقدار علمهم .

والطريق الثاني : الدعوة الجزئية الخاصة ، وهي ما يكون بين الأفراد بعضهم مع بعض ، ويستوي فيه العالم والجاهل ، وهو ما يكون بين المتعارفين من الدلالة على الخير والحث عليه عند عروضه ، والنهي عن الشر والتحذير منه ، وكل ذلك من التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وكل واحد يأخذ من الفريضة العامة بقدره .

أقول : أما كون هذه المرتبة حفاظا للوحدة وسياجا دون الفرقة فهو ظاهر على الطريق الأول ، فلو كان أهل البصيرة والفقه الحقيقي في الدين يعممون دعوتهم وإرشادهم في الأمة ويواصلونها لكانوا موارد لحياتها ومعاقد لرابطة وحدتها ، وكذلك على الطريق الثاني ، فإن أفراد الأمة إذا قام كل واحد منهم بنصيحة الآخر - دعوة وأمرا ونهيا - امتنع فشو الشر والمنكر فيهم ، واستقر أمر الخير والمعروف بينهم . فكيف تجد الفرقة منفذا إليهم ؟ أم كيف يستقر الخلاف في الدين بينهم ؟ وناهيك إذا قام - كل على طريقه المستقيم - العلماء الحكماء في مساجدهم ومعابدهم ، وجميع الأفراد في منازلهم ومساكنهم ومعاهدهم .

وقد يقال : إننا نرى التصدي لنصيحة الأفراد وأمرهم ونهيهم مجلبة للخلاف والفرقة ، لا داعية إلى الوفاق والوحدة ، وقد أورد الأستاذ الإمام هذه الشبهة وأجاب عنها ، فقال ما مثاله : كيف يكون التآمر والتناهي حافظا للوحدة ونحن نرى الأمر بالعكس ؟ نرى التناصح سبب التخاصم والتدابر حتى صار من أعسر الأمور بين الإخوان والأصحاب [ ص: 25 ] أن يقول أحدهما للآخر : إنك فعلت كذا وهو منكر فارجع عنه ، أو إنك قادر على كذا من المعروف فائته ، وذكر عن نفسه - رحمه الله - أنه صار يجد من الصعب جدا - حتى مع من يعده صنيعة له أو ولدا أو أخا - أن ينصحه في الأمر أكثر من مرة خشية أن ينفر وبحمله ذلك على قطع ما بينهما من الرابطة . قال : فكأن النصح لهم من الكليات التي لا يوجد لها إلا فرد واحد ، وذكر أنه لهذا النفور من النصح يسلك مع أصحابه والمتصلين به مسلك الكناية والتعريض في الغالب . وأجاب عن ذلك بأن هذا لا يعد حجة على الله ولا شبهة على دينه ; لأنه منتهى ما تصل إليه الأمم من الفساد والبعد عن الخير ، واستحقاق الغضب الإلهي .

وتكاد الأمة التي يفشو هذا فيها أن تكون من الأمم التي تودع منها ، وإنما الكلام في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المسلمين الذين كانوا يشعرون بنعمة الله عليهم بالتأليف بين قلوبهم وإنقاذهم من النار بعد أن كانوا قد أشفوا عليها ، ومع من يشاركونهم في شعورهم ذاك ويتبعون سنتهم في الاهتداء بما أنزل الله ; كما وقع بين الأوس والخزرج في الرواية التي سبق ذكرها ، فأمثال هؤلاء هم الذين يصدق عليهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : المؤمن مرآة المؤمن رواه الطبراني في الأوسط والضياء من حديث أنس ، ورواه البخاري في الأدب المفرد ، وأبو داود عن أبي هريرة بزيادة والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه .

قال الأستاذ الإمام : إن ما نحن فيه الآن من سوء الحال أثر تفريط كبير تمادى في زمن طويل بعدما عظم التساهل في ترك التناصح ، وبطل رد ما يتنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله - أي إلى كتاب الله وسنة رسوله - وخوت القلوب من احترام الدين حتى لم يعد له سلطان على الإرادة ، بل صار كل شخص أسير هواه . ومتى أمسى الناس هكذا - لا دين ولا مروءة ولا أدب - فأي فرق بين الطائفة منهم والقطيع من المعز أو البقر ؟

عند هذا سأل سائل عن قوله - تعالى - : ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [ 5 : 105 ] فأجاب : إن هذا بعد القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أي إن الإنسان لا يضره ضلال غيره إذا هو أمره ونهاه ; فإنه لا يكون مهتديا مع تركه لهذه الفريضة . ثم قال : من العجب أن بعض الناس اشترطوا لهذه الفريضة شرطا لم يأذن به الله ولم ينزله في كتابه ، وهو أنه لا يأمر ولا ينهى إلا من كان مؤتمرا ومنهيا ، فالمختار عنده ما حققه الإمام الغزالي من عدم اشتراط ذلك ، على أن الإمامين يقولان بوجوب كون الواعظ المتصدي للإرشاد والدعوة العامة مهتديا عاملا بعلمه متصفا بما يدعو إليه .

وقد قال الأستاذ الإمام بمنع أولئك الجاهلين الفاسقين الذين ينصبون أنفسهم للوعظ والإرشاد من تسلق هذه الدرجة ، وليس ذلك لأنه يشترط في فرضية الأمر والنهي الائتمار [ ص: 26 ] والانتهاء ، بل لأن المرشد العام محل لقدوة العوام ، فإذا كان ضالا يكون كالخمر والميسر إثمه أكبر من نفعه ، فهو يمنع منها لدرء المفسدة ، ولا يمنع من كل أمر ونهي .

فحاصل رأيه : أن يمنع من منصب الإرشاد الذي قال إنه خاص بالعارفين بأسرار الشريعة وفقهاء النفوس فيها . ومن كان كذلك لا يكون إلا عاملا بعلمه مهتديا بما يهدي إليه ; لأن العلم الصحيح يوجب العمل ، كما قررناه مرارا ، وقلنا إنه رأيه ورأي الغزالي ، ولا يمنعه من كل نصيحة وأي أمر ونهي بل يأمره بذلك وإن لبسه العار الذي أشار إليه الشاعر بقوله :


لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم



وليس مراد الشاعر نهي المتخلق بالخلق السيء أن يأمر بمثله ، بل مراده أنه يجب عليه الجمع بين النهي والانتهاء . ومما قاله الغزالي في الإحياء : إنه يجب على من يزني بامرأة أن يأمرها بستر بدنها ، أو قال وجهها ، وإلا كان مرتكبا لمعصية زائدة عن معصية الزنا ولوازمه ، وهي معصية ترك النهي عن المنكر ، وكان يقول : يجب على مدير الكأس أن ينهى الجلاس .

وأقول : إن هذه الشبهة التي سئل عنها الأستاذ الإمام قديمة عرضت للناس في الصدر الأول . فقد روى ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وغيرهم من أصحاب المسانيد ، والترمذي - وصححه - وأبو يعلى والكجي من أصحاب السنن ، وابن حبان والدارقطني في الأفراد ، والبيهقي في الشعب وغيرهم ، كلهم من طريق قيس بن حازم قال : " قام أبو بكر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإنكم تضعونها غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ولابن مردويه عن ابن عباس قال : قعد أبو بكر على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم سمي خليفة رسول الله فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم مد يده فوضعها على المجلس الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلس عليه من منبره ، ثم قال : سمعت الحبيب وهو جالس في هذا المجلس يتأول هذه الآية . . . . ثم فسرها ، فكان تفسيره لنا أن قال : نعم ليس من قوم يعمل فيهم بمنكر ويفسد فيهم بقبيح فلم يغيروه ولم ينكروه إلا حق على الله أن يعمهم بالعقوبة جميعا ثم لا يستجاب لهم ، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال : ألا أكون سمعته من الحبيب صمتا " .

قال الأستاذ الإمام : ويشترط بعضهم للوجوب شرطا آخر ، وهو الأمن على النفس ، وكان ينبغي أن يقولوا : على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يدعو بالحكمة والموعظة [ ص: 27 ] الحسنة حتى لا ينفر الناس أو لا يحملهم على إيذائه ، فإن الله يبين أنه لا نجاة للناس إلا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر . ولم يشترط في ذلك شرطا ، أي فيجب أن نأخذ النصوص على إطلاقها ، وأن نقوم بها بقدر الاستطاعة أو الطاقة ونتقي مع ذلك ما يحف بها من المهالك .

التالي السابق


الخدمات العلمية