1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة النساء
  4. تفسير قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت
صفحة جزء
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا .

أخرج أحمد ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش : ألا ترى هذا المنصبر المنبتر من قومه ؟ يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج ، وأهل السدانة ، وأهل السقاية ، قال : أنتم خير ، فنزلت فيهم : إن شانئك هو الأبتر ( 108 : 3 ) ، ونزلت فيه : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، إلى قوله : نصيرا وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال : كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب ، وسلام بن أبي الحقيق ، وأبو عمارة ، وهودة بن قيس ، وكان سائرهم من بني النضير ، فلما قدموا على قريش قالوا : هؤلاء أحبار اليهود ، وأهل العلم بالكتب الأولى ، فاسألوهم : أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم ، فقالوا : دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه ! ! فأنزل الله : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، إلى قوله : ملكا عظيما اهـ ، من لباب النقول .

أقول : الرواية الأولى عند البزار وغيره في سبب نزول سورة الكوثر وهي مكية ، [ ص: 127 ] ووقائع هذه السورة مدنية كما بيناه ، ومحاجة اليهود وبيان أحوالهم لم يفصل إلا في السور المدنية بعد ابتلاء المؤمنين بكيدهم فيها وفي جوارها ، ففي الرواية خلط سببه اشتباه بعض الرواة في الأسباب المتشابهة ، وسيأتي بعض روايات ابن جرير في ذلك ، والآيات متصلة بما قبلها ، ولا يبعد أن يكون هذا السياق كله قد نزل بعد غزوة الأحزاب أو في أثنائها ; إذ نقض اليهود عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتحدوا مع المشركين على استئصال المسلمين ، وذلك هو تفضيلهم للمشركين على المؤمنين بالفعل ، ولا بد أن يكونوا صرحوا بالتفضيل بالقول عند النداء بالنفير لحرب المؤمنين .

ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الاستفهام للتعجيب من هذه الحال من أحوالهم كما سبق نظيره في الآية التي افتتحت بمثل ما افتتحت به للتعجيب من ضلالهم في أنفسهم وإرادتهم إضلال المؤمنين ، و " الجبت " قال بعض اللغويين : أصله الجبس ، فقلبت التاء سينا ، ومعناه فيهما الرديء الذي لا خير فيه ، وأطلق على السحر ، وعلى الساحر ، وعلى الشيطان ، وقيل : إنه حبشي الأصل ، روي عن ابن عباس ، وابن جبير ، وأبي العالية : أنه الساحر ، وفي رواية عن ابن عباس ، ومجاهد : أنه الأصنام ، وعن عمر ، ومجاهد في رواية أخرى ، وابن زيد : أنه السحر .

و " الطاغوت " : من مادة الطغيان وتقدم تفسيره في تفسير آية الكرسي من الجزء الثالث [ ص 20 ج 3 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ] ، بأنه كل ما تكون عبادته والإيمان به سببا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق يعبد ، ورئيس يقلد ، وهوى يتبع ، وقد روي عن عمر ومجاهد أن الطاغوت : الشيطان ، وعن ابن عباس : أن الطاغوت هم الناس الذين يكونون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس ، وقيل : الطاغوت : الكهان ، وقيل : الجبت والطاغوت : صنمان كانا لقريش ، وأن بعض اليهود سجدوا لهما مرضاة لقريش واستمالة لهم ليتحدوا معهم على قتال المسلمين ، وفي حديث قطن بن قبيصة عن أبيه مرفوعا عند أبي داود : " العيافة والطيرة ، والطرق من الجبت " وفسر العيافة بالخط ، وهو ضرب الرمل ، وتطلق العيافة على التفاؤل والتشاؤم بما يؤخذ من الألفاظ بطريق الاشتقاق كقول الشاعر :


تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا بأن عن لي منك البنان المطرف     وفي عرفات ما يخبر أنني
بعارفة من طيب قلبك أسعف     وأما دماء الهدي فهو هدي لنا
يدوم ورأي في الهوى يتألف     فأوصلتا ما قلته فتبسمت
وقالت أحاديث العيافة زخرف

والطيرة : التشاؤم ، وأصله من زجر الطير ، والطرق : هو الضرب بالحصا أو الودع ، أو حب الفول ، أو الرمل لمعرفة البخت وما غاب من أحوال الإنسان ، وهذه الأمور كلها [ ص: 128 ] من الدجل والحيل ، فالمعنى الجامع للفظ الجبت هو الدجل والأوهام والخرافات ، والمعنى الجامع للفظ الطاغوت هو ما تقدم آنفا في تفسير آية الكرسي من مثارات الطغيان .

ومعنى الآية : ألم ينته علمك أيها الرسول أو لم تنظر إلى حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب كيف حرموا هدايته ؟ فهم يؤمنون بالجبت والطاغوت وينصرون أهلها من المشركين على المؤمنين المصدقين بنبوة أنبيائه ، وحقية أصل كتبهم ويقولون للذين كفروا أي : لأجلهم وفي شأنهم والحكاية عنهم : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، أي يقولون : إن المشركين أهدى وأرشد طريقا في الدين من المؤمنين الذين اتبعوا محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

قال ابن جرير : ومعنى الكلام أن الله وصف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ، ومعصيتهما وأنهم قالوا : إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به ، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله اهـ .

ثم ذكر الروايات في ذلك عنهم ، ومنها ما تقدم عن كعب بن الأشرف ، ومنها ما رواه أيضا عن عكرمة أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمرهم أن يغزوه وقال : إنا معكم نقاتله ، فقالوا : إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم ، فإن أردت أن تخرج معنا فاسجد لهذين الصنمين ، وأمر بهما ففعل ، ثم قالوا : نحن أهدى أم محمد ؟ فنحن ننحر الكوماء ـ الناقة الضخمة السنام ـ ونسقي اللبن على الماء ، ونصل الرحم ، ونقري الضيف ، ونطوف بهذا البيت ، ومحمد قطع رحمه ، وخرج من بلده ، فقال : بل أنتم خير وأهدى ، ومنها عن السدي قال : لما كان من أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واليهود بني النضير ما كان حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين فهموا به وبأصحابه ، فأطلع الله رسوله على ما هموا من ذلك ورجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة فعاهدهم على محمد ، فقال له أبو سفيان : نحن قوم ننحر الكوماء ونسقي الحجيج الماء ، ونقري الضيف ، ونعمر بيت ربنا ، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا ، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه ، قال : دينكم خير من دين محمد فاثبتوا عليه ، وذكر روايات أخرى .

التالي السابق


الخدمات العلمية