فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية

الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

صفحة جزء
[ ص: 26 ] هو وصف للمتقين كاشف ، والإيمان في اللغة : التصديق ، وفي الشرع ما سيأتي .

والغيب في كلام العرب : كل ما غاب عنك .

قال القرطبي : واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا ، فقالت فرقة : الغيب في هذه الآية هو الله سبحانه ، وضعفه ابن العربي .

وقال آخرون : القضاء والقدر .

وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب .

وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار .

قال ابن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها ، قال : وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل حين قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ، قال : صدقت انتهى .

وهذا الحديث هو ثابت في الصحيح بلفظ : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، والقدر خيره وشره .

وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم كلاهما في معرفة الصحابة عن تويلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيليا فصلينا سجدتين ، ثم جاءنا من يخبرنا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد استقبل البيت ، فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال ، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أولئك قوم آمنوا بالغيب .

وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال : كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا ؟ فقالوا : يا رسول الله الملائكة ، قال : هم كذلك ويحق لهم ، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها ، قالوا : يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته والنبوة ، قال : هم كذلك ويحق لهم ، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها ، قالوا : يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء ، قال : هم كذلك ، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة ، قالوا : فمن يا رسول الله ؟ قال : أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ويصدقوني ولم يروني ، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه ، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا وفي إسناده محمد بن أبي حميد وفيه ضعف .

وأخرج الحسن بن عرفة في حزبه المشهور والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكر نحو الحديث الأول ، وفي إسناده المغيرة بن قيس البصري وهو منكر الحديث .

وأخرج نحوه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا ، والإسماعيلي عن أبي هريرة مرفوعا أيضا ، والبزار عن أنس مرفوعا ، وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ليتني قد لقيت إخواني . قالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك ؟ قال : بلى ، ولكن قوم يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم ويصدقوني تصديقكم وينصروني نصركم ، فيا ليتني قد لقيت إخواني وأخرج نحوه ابن عساكر في الأربعين السباعية من حديث أنس ، وفي إسناده أبو هدبة وهو كذاب ، وزاد فيه " ثم قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة [ البقرة : 3 ] الآية " .

وأخرج أحمد والدارمي والبارودي وابن قانع معا في معجم الصحابة والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي جمعة الأنصاري قال : قلت : يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرا آمنا بك واتبعناك ؟ قال : ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون بي ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجرا .

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والحاكم عن أبي عبد الرحمن الجهني قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ طلع راكبان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كنديان أو مذحجيان حتى أتيا ، فإذا رجلان من مذحج ، فدنا أحدهما ليبايعه ، فلما أخذ بيده قال : يا رسول الله أرأيت من جاءك فآمن بك واتبعك وصدقك فماذا له ؟ قال : طوبى له ، فمسح على زنده وانصرف ، ثم جاء الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال : يا رسول الله أرأيت من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك ؟ قال : طوبى له ثم طوبى له ، ثم مسح على زنده وانصرف .

وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : طوبى لمن رآني وآمن بي ، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات .

وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد أن رجلا قال : يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك ؟ قال : طوبى لمن رآني وآمن بي ، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرنيوأخرج الطيالسي وعبد بن حميد عن ابن عمر نحوه .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث أنس نحو حديث أبي أمامة الباهلي المتقدم .

وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده ، وابن أبي حاتم وابن الضباري والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه قال : والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه إلى قوله : المفلحون [ البقرة : 1 - 5 ] .

وللتابعين أقوال ، والراجح ما تقدم من أن الإيمان الشرعي يصدق على جميع ما ذكر هنا .

قال ابن جرير : والأولى أن تكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا .

قال : وتدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل .

والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل .

وقال ابن كثير : إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا ، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة .

بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص .

وقد ورد فيه آيات كثيرة .

انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية